قال الله تعالى: فانظر كيف كان عاقبة الظالمين.

يأمر مولانا جل وعلا المؤمنين بالاعتبار بمآل الظالمين والاتعاظ بمصيرهم وبما يحل بهم من نقمة إلهية وعدم الركون إليهم أو التقرب منهم أو الرضى بأفعالهم أو استساغة طغيانهم أو السكوت على جرائمهم: ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار. غير أن الأولى بالاتعاظ والانتباه هم إخوان الظلمة وقرناؤهم في الطغيان لأنهم مهددون بنفس العقاب والمصير، لكنهم نادرا جدا ما يتعظون.

فلماذا لا يتعظ الطغاة والمستكبرون؟ لماذا من غفلتهم لا يفيقون وعن غيهم لايرعوون وعلى ظلمهم يصرون وعن فسادهم وإفسادهم لا يتراجعون؟

سؤال كبير وعميق حير غالبية البشر ـ دهماء وحكماء – منذ القدم إلى الآن. وقد تجدد طرحه في سياق التحولات الكبيرة التي يشهدها العالم الآن وسلط عليه الأضواء ما يقع في تونس الخضراء – التي رسم شعبها المؤمن بدمه وإصراره أجمل لوحات الصمود والإباء – منذ أكثر من شهر. فالعالم يرى ويتابع كيف يجتهد أزلام طواغيت العرب على التبرئ من إمكانية انتقال عدوى انتفاضة الكرامة إلى بلدانهم. فمنهم من اعتبر مجرد التفكير في حصول ذلك هراء، ومنهم من تحدث عن خصوصية بلده وشعبه. ومنهم، كما هو الشأن بالمغرب، من اعتبر حدوث ذلك مستحيلا وقدم لذلك مبررات هو مقتنع بتهافتها وبنقيضها أكثر ممن يسمعه.

إن كان ثمة من صدى لزلزال تونس نجزم بحصوله فهو الرعب الذي أصاب حكام العرب أجمعين ولا زال مفعوله ساريا في أوصالهم إلى الآن. فهم يرقبون كل نأمة ويترصدون كل صرخة ويتوقعون انفجار الأرض من تحت أقدامهم في أية لحظة. هم الآن حيارى إلى من يلجأون وعلى من يعولون؟ أيلجأون إلى أسيادهم وأولياء نعمتهم رغم أنهم لا يرون في الأفق إلا نكرانهم والتبرأ منهم؟ أم يعولون على ملإهم وأتباعهم وهم يعلمون حقا أنهم عن حمايتهم ورد القدر المحتوم عاجزون؟ وما للظالمين من أنصار. لكنهم رغم كل ذلك لايتعظون.

قد يكون لهذه الظاهرة الكثير من الأسباب الذاتية المرتبطة بالأبعاد النفسية والاجتماعية والثقافية للطغيان ولكنها ترتبط في تقديري بخمسة أسباب موضوعية أجملها كالتالي:

1- العلة الكبرى والسبب الأساس لعدم اعتبار الطواغيت بمصير من يشبههم وعدم الكف عن مظالمهم والتوبة إلى بارئهم، أن الله عز وجل حرمهم من نور البصيرة وسلط عليهم عقابا من جنس عملهم وإن الله لا يهدي القوم الظالمين. أليسوا هم من يصدون عن سبيل الله من آمن ويبغونها عوجا؟ أليسوا هم من يحارب النور والعفاف والخير والوئام؟ أليسوا هم من ينشرون الكفر والرذيلة والفُرقة والشر؟ أليسوا هم من لايحسب للقاء الله أي حساب بل يستهزؤون من الذين آمنوا؟ فجزاؤهم جراء ذلك صريح في قول الله عز وجل: فنذر الذين لايرجون لقاءنا في طغيانهم يعمهون.

2- ثانيا لأن الله عز وجل يريد أن يجعل عاقبتهم عبرة لمن يعتبر ويعجل نقمته عليهم في الدنيا قبل يوم الحساب. فيذرهم سادرين في غيهم لا ينتبهون ويستدرجهم من حيث لايعلمون. فالمستكبرون يستحلون خنوع الشعوب ويستلذون إذلال الناس. وكلما ازداد العامة رضوخا لسلطانهم أغراهم ذلك بالإمعان في الطغيان وتحويل الشعوب إلى قطعان. وهم لا يدركون أنهم بفعلهم ذلك يستدرجون وإلى حتفهم يساقون: سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين. حتى إذا اشتد ظلمهم وظنوا أن الرقاب والإرادات استسلمت لمشيئتهم وأن الأمور استوت لهم واطمأنوا على عروشهم وأموالهم أتاهم قدر الله المحتوم فانتزعهم منها انتزاعا وتركهم عبرة لمن يعتبر، ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون.

3- السبب الثالث في عدم خوف المستكبيرن من سوء العاقبة أعوانهم وملؤهم الذين ينتفعون من سلطانهم فيزنون لهم أعمالهم ويسوغون لهم طغيانهم ويشجعونهم على استمراء العدوان ونهب الأموال وضرب الأبشار. وقد ذكر الله عز وجل ذلك في كثير من آي القرآن منها قوله تعالى: وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون. وقوله تعالى في معرض حديثه عن مصير الظالمين، فرعون وعاد وثمود: قال الملأ الذين استكبروا من قومه، وَقَالَ ٱلْمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُوا۟ مِن قَوْمِهِۦ لَئِنِ ٱتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًۭا لَّخَـٰسِرُونَ، وَقَالَ ٱلْمَلَأُ مِن قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَىٰ وَقَوْمَهُۥ لِيُفْسِدُوا۟ فِى ٱلْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَءَالِهَتَكَ ۚ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَآءَهُمْ وَنَسْتَحْىِۦ نِسَآءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَـٰهِرُونَ.

4- العلة الرابعة تتجلى في الثقة العمياء التي يضعها الطواغيت في نجاعة أساليبهم وجدوى أدواتهم التي يخضعون بها إرادة الشعوب لسلطانهم. فلكثرة ماجربوها اطمأنوا إليها، فإذا بدا أن نتائجها غير محسومة وأن ثمارها معكوسة شككوا في طرق تطبيقها أو لاموا من يشرف عليها واتهموه بالتقصير وعدم الجدية في توظيفها ثم ينشغلون بتطويرها ولا ينتبهون لانعكاساتها المضادة لطغيانهم والآثار السلبية التي تولدها في صفوف العامة وتهيؤها للانتفاضة ضدهم.

5- تتحدد العلة الخامسة في استهتار الظالمين بالعامة واستكثارهم عليهم أن يقوموا عليهم أو ينتفضوا ضد ظلمهم. فلطول ما ألفوا من انكسار الشعوب وخنوعها واستسلامها بل التسبيح بحمد الطاغية والتغني بما تشيعه أجهزة دعايته اطمأنوا لرقدتها بل تيقنوا من موتها. فلا مكان لصرخة مظلوم ولاشرعية لأي تعبير عن قهره وغبنه. وإذا سولت لمكلوم نفسه أن ينتفض ولو يأسا من حاله، فالعنف الأعمى في انتظاره والسجون والمعتقلات أوالمقاصل والمنافي مآله، فالتهم جاهزة والمؤسسات متفرغة لإدانته فعقابه. فمن يجرؤ على رفع هامته أو حتى إظهار تأففه بَلْهَ استنكاره. في خضم طوفان الترهيب هذا، يعتقد الطغاة أنهم فرغوا من ترويض شعوبهم واستلموا أزمَتها بالكامل فلا تصغي إلا لما يقولون ولا تفعل إلا ما يأمرون حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ. فسنة الله الغالبة تأبى دائما إلا أن يخرج من الغثاء النفع ومن السكون الهدير الذي يطيح بعروش الظالمين فإذا هم أثر بعد عين، إذ كلما اشتد التضييق تاقت النفوس للحرية واسترخصت في سبيلها ما كانت تخشى عليه لتجعله وقودا لاسترجاع كرامتها واستعادة حريتها. والشاهد تونس الخضراء التي يقول شاعرها الشابي:إذا الشعب يوما أراد الحياة *** فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي *** ولا بد للقيد أن ينكسر