في زماننا يتحدث بعض المثقفين من بني جلدتنا عن شعوبنا المريضة الجاهلة المهزومة، عن سمائها الملبدة بغيوم الظلم والمهانة وانحطاط القيم. يتكلمون لا يسأمون، عن أدوائها المتعددة المتناسلة التي لا تكاد تتلمس شفاء. ولعمري هم جزء أصيل من أدوائها وعللها. هم المفصل الذي خذل الشعوب المسلمة في كيانها المعنوي، في إيمانها بمرجعية كتاب ربها وسنة نبيها، في دوائها القرآني النبوي.

يصف مثقفونا الخبراء المحللون حالة شعوبنا اليوم، فيرون “تخلفا اقتصاديا” و”استبدادا سياسيا” و”تفككا اجتماعيا” وما إلى ذلك، وحين يشرئبون إلى “مقترحاتهم العلمية الرصينة” يوجهون الشعوب المقهورة إلى ديمقراطية هي الملجأ والملاذ، إن كانوا ممن ثبتوا أمام زواجر المستبدين ومغرياتهم.

ونحن إذ نقول مقالتنا هذه، لا نريد هزءا وسخرية، بل نحب أن يكون في حوارنا الصدق والوضوح والقصد لكيلا تجرفنا “ثقافة التواصل” عن المحجة البيضاء التي ندبنا إليها رسول الحق والهدى، عليه صلاة الله وسلام الله.

قال الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين. من الصادقين ومعهم نكتسب خصال الصدق والرحمة والرفق حين تسري إلى قلوبنا أنوارهم التي يمشون بها في الناس. في مثل هذا المحضن تتربى الأغصان الرطبة وتستقي ماء الحياة الطيبة، وتتشرب القلوب معاني الخير كلها لتخرج إلى الناس تدعوهم وتؤلفهم على التكافل والتعاون وإقامة الدين كله. ومن الدين إقامة العدل والشورى والإحسان.

المثقفون الخبراء بالعالم وأزماته لا يتكلمون في شؤون الإيمان ومتعلقاته، لا يعنيهم أمر الدين ولا مفرداته ومفاهيمه؛ الدين، عندهم، مسألة شخصية، والإيمان لا يتصل بشيء من متغيرات السياسة وأحوال الاقتصاد.

في كتاب ربنا العزيز العليم، دعوة مستمرة لكل من يريد أن ينتسب إلى شجرة الإيمان، إلى أهل المحبة والجهاد. دعوة كريمة من رب كريم أن الزموا محجة الصادقين، وألفوا جماعة الصادقين المتواصين بالحق المتواصين بالصبر، وبشروا وحببوا الناس في دين الله الذي أنزل الميزان، وأمر بالعدل والإحسان.

قال بعض المفسرين في معنى قوله تعالى ولكل قوم هادٍ: رسول يهديهم إلى الحق والصواب، مخصوص بمعجزات من جنس ما هو الغالب عليهم. أو: لكل قوم هاد، يقدر على هدايتهم، وهو الله تعالى، أي: إنما عليك الإنذار، والله هو الهادي لمن يشاء، أو: ولكل قوم واعظ ومذكر من نَبِيِّ أو وَليّ) 1 .

من عناية الله الكريم الوهاب، ومن هدي الرسول الرؤوف الرحيم، ينطلق المؤمنون المجاهدون لبناء صف الدعوة الرفيقة بالناس، المتوددة إلى الناس، بالحكمة والموعظة الحسنة. ينطلقون لتأليف أمة سيد الخلق على حب الله وحب رسول الله، على التمكين لدين الله، دين العدل والشورى والكرامة.

في وعي المؤمن المعتز بدينه، المهتم بمصير أمته دنيا وأخرى، لا ينفصل البناء الشوري عن أساس التقوى والصدق. الشورى من أمر المؤمنين وحياتهم الخاصة والعامة، لا من هوامشها، فإذا دعا المؤمنون اليوم وغداً إلى علاج شامل لأمراض الأمة وشعوبها المختلفة، ومن أبرزها غثائيتنا ووهننا وضعفنا أمام الأمم الغالبة، فما ذاك إلا تطبيق وفي للأمر الإلهي الساطع.

في وعي المؤمن، وفي مشروعنا الدعوي الجماعي، تتأسس قواعد العمل الصالح، لا على الفضائل الفردية فحسب، وإنما على الجهد التكاملي لجند الله وبذلهم وتنافسهم في الخيرات. ويرنو بصرنا إلى آفاق العزة والقوة والعافية، آفاق الخلافة على منهاج النبوة حيث تتحرر أمة رسول الله صلى الله عليه وسلم من عوائق الاستبداد الداخلي والاستكبار الخارجي. والله نعم المولى ونعم النصير.


[1] البحر المديد ج 3- ص 152.\