مقدمة

عرفت قضية الإخوة المعتقلين السبعة من جماعة العدل والإحسان بفاس، نقاشا واسعا في أوساط الحقوقيين والسياسيين، حول أسبابها وحيثياتها ومسارها في العدالة، ما يقرب من ستة أشهر؛ كل ناقش القضية من موقعه ودائرة اختصاصه وزاوية نظره، تساؤلا واستفسارا وشجبا وتنديدا ودعما وتأييدا.

في هذا المقال يتم إثارة القضية من زاوية أخرى تربوية تنظيمية، يكون مدار الحديث فيها على صدق الذمة من خلال المنهاج النبوي.

إذا كانت الجماعة المسلمة الأولى التي تربت في كنف النبوة وأحضان الرسالة المحمدية لم تسلم من وجود المنافقين المتربصين الدوائر بها بين ظهرانيها كما حكى القرآن الكريم وذكرت السنة النبوية وقصت السيرة العطرة، فإنه من آكد الأمور ألا تسلم الدعوات الصادقة، بعد النبوة، والحركات الإسلامية المعاصرة هي الأخرى من المنافقين العملاء المندسين للتجسس، نظرا لظهورها الفاعل وحضورها المتميز، ولتربص الأعداء بها من الداخل والخارج.

وجماعة العدل والإحسان ليست استثناء، فقد مضت في دعوتها وهي تضع في حسبانها إمكان هذا الأمر؛ فالأستاذ عبد السلام ياسين لما وضع المنهاج النبوي ورسم معالمه في التربية والتنظيم والزحف، لم يغفل الحديث عن النفاق وخصاله والمنافقين ومظاهر نفاقهم وغدرهم وسبل التعامل معهم وتحصين الصف المجاهد منهم، ولم يأل جهدا في بيان صدق الذمة والهمة في بعديها التربوي والتنظيمي وأوصاف الصادقين الذين لا يبدلون ولا يتبدلون ويمضون في جهادهم رغم العقبات والابتلاءات لتحقيق الهدف الفردي الإحساني والهدف الجماعي الاستخلافي.

يقرر الأستاذ عبد السلام ياسين أنه لا مناص من وجود المنافقين فيقول: ووجود المنافقين في الصف الإسلامي لا مناص منه، خاصة عندما يكبر التنظيم ويتوسع…) 1 . المنافق من خصاله الكذب والغدر وخيانة الأمانة كما في الحديث المتفق عليه 2 ، والمنافق يعرف بذي الوجهين، فعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “تجدون الناس معادن… وتجدون شر الناس ذا الوجهين، الذي يأتي هؤلاء بوجه، وهؤلاء بوجه” 3 ، فهو لسانه مزدوج، ذمته مزدوجة، سلوكه مزدوج، لا وجهة له تعرف) 4 ، يتسربل بسربال الإيمان والتقوى والجد والخدمة والحركة النشيطة مع المومنين كذبا ونفاقا ليغتالهم ويطعنهم من الخلف مع العدو العميل عنده.أتزعم أن قصدك مستقيم *** وما يقوى لهمتك انبعاث
وترفل في مظاهر كاذبات *** ودينك ثوبه مُزقٌ ِرثاث
وبيتك في النفاق له عماد *** وزور الموبقات لها أثاث
5 ينهدم بيت المنافق الغادر الماكر، وينفضح أمره في الدنيا قبل الآخرة بإذن الله تعالى ونور الصحبة وصدق الصادقين أهل الصفاء ظاهرا وباطنا.أتى بك للميدان صدق وهمة *** أم القصد إظهار المزية والجد
وفي القلب آفات النفاق ورينه *** وتفتل حبل المكر والغدر والكيد؟
ستفضح في ساح الصفاء مع الأولى *** إلى الله قاموا بالجهاد وبالكد
6 لا يتحمل المنافق الغادر افتضاحه واشتهار أمره بين الناس في الدنيا، ويتمنى لو انشقت به الأرض أو قبضت روحه، فكيف به يطيق افتضاح أمره في الآخرة؟ فعن ابن مسعود وابن عمر وأنس رضي الله عنهم قالوا: قال النبي صلى الله عليه وسلم: “لكل غادر لواء يوم القيامة، يقال هذه غدرة فلان” 7 ، وفي رواية لأبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لكل غادر لواء عند أسته يوم القيامة يرفع له بقدر غدره…” 8 .

إن العاصم لصف الجماعة من المنافقين رخيصي الذمم هو الله تعالى الحافظ لدعوته بصدق الصادقين، لكن اتخاذ الأسباب لتحصينه أمر واجب، ولهذا وضع المنهاج النبوي سبيل تحقيق صدق الذمة عند الأعضاء وسبيل تطهير الصف من كل منافق أبدى صفحة وجهه، ويتمثل ذلك إجمالا في إحكام التربية والتنظيم، يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: ولا نترك ثغرة في التربية والتنظيم ينفذ إلينا منها فساد الضمائر، ورخاوة الذمم، أو يتسرب إلينا منها سم الدعايات ضدنا) 9 أما تفصيلا فنعرض ذلك في النقاط التالية:

– إحكام التربية:

* تربية الأعضاء على الصدق في الخصال العشر: نرقب الوارد والعضو لنعرف ونقوي صلاح أمره على مستوى الخصال العشر: صدق صحبته وانضمامه لجماعتنا، صدقه مع الله ورسوله، صدق ذمته وهمته وهجرته ونصرته، صدق بذله للمال والنفس والجهد…) 10

* إثبات الأعضاء برهان الصدق بالعمل الصادق: وببرهان العمل الصادق نعرف من له ذمة… وإذا كان لكل شيء عروة يمسك بها ويرفع فعروة الرجال ذمتهم، ولا ذمة لغير المومنين الصادقين

) 11 ، فلا استواء بين صادق الذمة صافي السريرة سليم القلب نقي الطوية المخلص في جهاده وكاذب الذمة فاسد الضمير المنطوي على النفاق.لا يستوي من بعهد الله قد صدقوا *** ومن جوانحهم بالغدر تصطفق 12 * صناعة الصف الصادق بصدق الذمم: وحين تكون همة كل مؤمن أعلى من خدمة شهواته وأهدافه الشخصية، وحين تكون ذمته صادقة نأمن معها غائلته ونأمن معها أن يخذلنا أشد ما نحتاج إليه، بهذه الإرادة الصادقة يمكن أن نصنع الصف الصادق. ويمكن أن نطمئن إلى أن الغرس الإلهي يترعرع إلى الاستواء، وأن الصف المجاهد سائر في سبيل الله.) 13 – إحكام التنظيم:

لا بد أن يصحب التربية إجراءات تنظيمية، ولا جهاد إلا بتنظيم محكم.

* التحري والصرامة في قبول الواردين:

على أن الصرامة في قبول الواردين في العضوية يجب أن تكون السد الأول في وجه هذه العناصر (يقصد العناصر الانتهازية)) 14 * الحذر من إيساد الأمر إلى غير أهله: كذلك قد يرد الوصوليون والمنافقون. فلنحذر من أن نغلب على أمرنا فنوسد الأمر إلى غير أهله.) 15

* الحسم في التعامل مع المنافقين: واجبنا أن نأخذ حذرنا وعدتنا لتطهير الصف من كل منافق أبدى لنا صفحة وجهه، فتلك هي القاعدة) 16 ، فالجماعة تأتمر بأمر الله للمومنين بالتبين والتثبت وبتوجيهاته لهم الواردة في سورة النور المتعلقة بحادثة الإفك، قبل الحسم مع المنافقين المنكشف أمرهم.

لا يفتر الأعداء في الكيد للمومنين، فسهام دعاياتهم الكاذبة موجهة صوبهم، والإعلام المرتزق مسخر لتشويه صورتهم والنيل من مصداقيتهم، فهم والمتفرجون القاعدون لا يتورعون عن نقل الأراجيف) 17 ، فلذلك بعد التحري لكيلا يدخل الصف إلا ذوو الذمم التي يعول عليها، يجب أن تتقدم الطليعة وهي واعية كل الوعي أن قيادتها معرضة لنيران العدو) 18 .

ما فتئت النيران المستهدفة للجماعة تتوالى، أبرزها في الستة أشهر الأخيرة اختطاف الإخوة السبعة بفاس، وتعذيبهم بألوان من العذاب المحرم شرعا المجرم قانونا، على خلفية الوشاية الكاذبة من المحامي الجاسوس المفتضح أمره، ثم تقديمهم إلى المحاكمة باتهامات أثبت المحامون المدافعون عنهم بطلانها وزيفها وعدم انبنائها على أي أساس صحيح.

إن هذا الابتلاء الذي ذاق الإخوة السبعة وأهاليهم والجماعة وكل ذي غيرة على حقوق الإنسان لظاه، مع ما تلاه من براءة فرح لها أهل الأرض عربا وعجما، مسلمين وغير مسلمين، وأهل السماء، أبلغ تعريف بالإخوة السبعة وبالجماعة، يؤكد ذلك الأستاذ عبد السلام ياسين فيقول: وكل اضطهاد … ينال الطليعة أكبر دعاية لها وأصدقها) 19 .

كل ابتلاء له ثمرات تقطف وفوائد تجنى ومواعظ تذكر من كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد، ومن ثمرات هذا الابتلاء وفوائده ومواعظه:

– نيل الإخوة السبعة شرف الهجرة والإخراج من الديار والإيذاء في سبيل الله وصدق الذمة بالثبات على الحق وعدم الركون إلى الظالمين.

– نيلهم شرف الدخول في صف أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل.

– تمثل أهاليهم بأم المؤمنين خديجة رضي الله عنها وكل من حذا حذوها في الصبر والتثبيت والسند للدعوة.

– تحصين الصف من كيد المنافقين.

– إضافة لبنة في ترسيخ مبدأ الثبات على الحق، وتكريس نبذ العنف قولا وفعلا وسيرا من الأعضاء فرادى ومن

الجماعة، وبراءة الإخوة من التهم المنسوبة إليهم خير شاهد وأصدق دليل.

– فتح فرصة تاريخية للجماعة للتواصل تعريفا بمظلوميتها وقضيتها العادلة.

– كسب ود الآخرين، حقوقيين وسياسيين، وتعاطفهم ومساندتهم بفضل الله تعالى، لما في ذلك من تعميق للرحم

الإيمانية والإنسانية معا.

– إذاعة أمر الجماعة في الآفاق، وإثارة حفيظة الكثير للتعرف على منهاجها وتاريخها ومشروعها المجتمعي.

– فضح النظام وتكسير بناه الفكرية وقواعده السلوكية، وكشف زيف شعاراته وبطلان ادعاءاته المتبجحة بحقوق الإنسان في الواقع.

– الابتلاء دعوة ضمنية للغيورين من هذا البلد أحزابا وحركات وهيئات وفعاليات إلى ميثاق ينسف الظلم من أساسه ويجتثه من جذوره ويأتي على أصوله، ويعيد للعدل مكانته، ويبني مجتمع الكرامة والحرية والاحترام والصيانة للحقوق.

خاتمة

إن الحركة الإسلامية معرضة للاختراق بإيجاد العملاء من داخلها أو دسهم فيها، مما يفرض عليها تحصين أعضائها وقادتها، وتمتين صفها بإحكام مبادئها التنظيمية وتحقيق تربية إيمانية مخرجة لرجال صادقي الذمة قاطعة السبيل أمام مرض النفاق والمنافقين.

فلا غرو أن نجد الأستاذ عبد السلام ياسين يشدد في المنهاج النبوي على أن يكون عامة جند الله مومنين يتمثلون شعب الإيمان قولا وعلما وعملا، ويتشوفون للإحسان، وتكون قيادتهم محسنة؛ إذ بالتربية الإيمانية الإحسانية تصدق الذمم وتعلو الهمم ويعصم الصف من المنافقين العملاء الجواسيس، ومن الاحتواء، فيستعصي على العدو تحريف مساره أو إحداث شق في داخله.


[1] المنهاج النبوي تربية وتنظيما وزحفا، عبد السلام ياسين، ص: 110.\
[2] البخاري 1/ 84، ومسلم 58.\
[3] متفق عليه: البخاري 6/384،385 و10/395، ومسلم 2526.\
[4] الإحسان، عبد السلام ياسين، ج 1 ص: 357.\
[5] شذرات ديوان شعر، عبد السلام ياسين، شذرة 40 ص: 31.\
[6] المرجع نفسه، شذرة 36 ص: 28-29.\
[7] متفق عليه: البخاري10/464 و12/299… ومسلم 1735 و1736 من حديث ابن عمر…\
[8] رواه مسلم 1738. وعند استه بوصل الهمزة وسكون السين: أي: دبره.\
[9] المنهاج النبوي، مرجع سابق، ص: 178.\
[10] المرجع نفسه، ص: 173-174.\
[11] الإسلام غدا، عبد السلام ياسين، ج 1 ص: 66.\
[12] شذرات، مرجع سابق، شذرة 35 ص: 28.\
[13] المنهاج النبوي، ص: 175.\
[14] المرجع نفسه، ص: 110.\
[15] المرجع نفسه، ص: 183.\
[16] المرجع نفسه، ص: 110.\
[17] المرجع نفسه، ص: 177.\
[18] المرجع نفسه، ص: 177.\
[19] المرجع نفسه، ص: 177. \