في الطريق إلى جنازة الفقيد الحميد السعيد سيدي أحمد الملاخ رحمه الله وأسكنه فسيح جناته، نظمت صبيحة الأحد 11 صفر الخير1432، الموافق ل16 يناير 2011، غداة فرار الطاغية ابن علي شين المبعدين، وانتصار نهضة تونس حرسها الله وأدام اخضرارها وانتشاره ليعم المعمورة المقهورة المحظورة المحصورة، المنصورة المأزورة بإذن الله، الذي لا يدوم في الملك سواه. وآخر دعوانا أن الحمد لله. العين تدمع والفؤاد مُسهَّدُ *** كيف السّعادة والمُودَّع أحمد
مات الوفيّ فيا مدامع كفكفي *** لا حزن إن رحل الجواد الأجود
إن كان غادر حِبُّنا الدّنيا فقد *** أفضى إلى ربّ يثيب ويُسعِد
يا أحمد الملاّخ طِبت مُمدَّدا *** الأرض تبكي والسّماء تَنَهَّد
فَرَحُ السَّماء بإرثِ روحِك سُلوَة *** والأرض فرحتُها بجسم يُلحَد
قد كُنتَ حارس كوكب في سالفٍ *** وغدوت كوكب حارس يتوقَّد
الموت يأخذ للمؤبَّد ميتَهم *** وفقيدُنا يُعطى السّراح ويخلُد
في جنَّة في نعمة في نظرة *** في سبعة من بينها المتودِّد
مِلء القلوب حبيبنا ومحمّد *** وعليُّنا وأبو الجميع المرشدُ
كانوا لنا في كلّ خير أُسوةً *** داموا لنا مثلا يُراد ويُحمَد
عامان بعد محمَّد علَويِّنا *** ورفيقُه فوق الفِراش مُمَدَّد
فكأنَّما رفض الحياةَ نعيمَها *** كيف الهناء وحبُّ قلبك مُبعَد
أم أنّ أحمد لم يُطِق ترك الدُّنا *** حتّى يرى خضراءنا تتمرَّد
وتُعيدَها عودا على بدء المنى *** من قبل أن يرِث المُبيرَ المُفسِد
قد جاءنا خبر الفراق مُلَيَّنا *** برحيل طاغية، لنِعم المُبْرِد
ذي فَرْحَة قد مهّدت لمصابنا *** كي لا يفاجئنا المُصاب المُجهِد
بل دمعة الحمراء تنعى قُطْبَها *** في بسمة الخضراء راق المشهد
في شارع الخضراء أبياتُ الفتى1 *** صوتٌ يُدينُ طُغاتَها ويُهَدِّد
وشُوَيعِرُ الأقصى يُدينُ قَصيدَه *** طاغٍ يُدَمْدِم في الحِمى ويُعَربِد
من كان يحلم أن يحرّر تونسا *** مستضعف قد جوّعوه وشرَّدوا
بعظامه شبَّت وطال لهيبُها *** حتّى تعدَّت نارُها من أوقدوا
لتُطيح بالباغي وترغِم أنفَه *** لا أنف يبقى للبغاة ولا يد
قهرٌ ونهب واحتكار مُخجِل *** للحكم والجزار ربٌّ يُعبَد
هو ذا يغادر غير مأسوف على *** هجرانه والشَّعب ثار يندِّد
لم يُجْدِ حزب، لا ولا جدوى لمن *** غنّوا لِشين المُبعدين وزغردوا
لم يحتضِنه حُماتُه ورعاتُه *** حطّ الرِّحال بأرض عزّ هَوّدوا
أبناؤه أصهاره أنصاره *** كلّ يطاردهم ولا من يُنجِد
حتّى فرنسا لم تشأ تَضييفَه *** عنها أنابت مستباحا يُقصِد
الشَّعب إن أراد الحياة مؤيَّد *** ومن ارتضى حكم الطُّغاة مشرَّد
ابنُ العَلِيّ – عُلُوّ طُغيان – هوى *** وأبو عزيزي منه جاء السّؤدد
حمّالة الخضر استحالت نعش من *** جثموا على خضرائنا واستأسدوا
ونظائر الشَّيْن المُرحَّل لم يعوا *** أنَّ الشُّعوب إذا أرادَت تَصمُد
كلّ يُريد اليوم قطف ثمارها *** من لم يصوموا كِذْبَة إن عَيَّدوا
كانوا جنوداً في نظام فاسد *** ضِدّا على الدِّين الحنيف توحَّدوا
غدروا بنهضته وداسوا حقّه *** في كلّ شأن جانبوه وألحدوا
حتّى إذا هرب الجبان تَمَلْملوا *** وتردّدوا وترجّلوا واسترشدوا
« إن لم تكونوا خلف شعب ثائر *** فمَصيرُكم يومٌ وَبيل أسوَد
دوروا مع الثوار كونوا ظِلَّهم *** الظِلّ يَتبع ظِلَّه ويُقَلِّد »
عدوى الكفاح شرارة لا تنطفي *** خضراؤنا بدأت وللباقي غد
الله أكبر أربعا قائما لا أنحني *** إنّ المكبِّر أربعا لا يسجُد
تكبيرُنا خلف المُمدَّد أحمد *** شكرٌ وخلف المستبِدّ تَوَعُّد
الله أكبر قومة ضدّ العِدى *** وهي العزاء لدى الحتوف يُرَدَّد
شاء المهيمن أن يموت حبيبُنا *** في يوم يقظة أمَّة تتولّد
حدَث يؤرِّخ للوفاة حصادُه *** أبئس بمن بادوا ونعم الموعِد
ذكرى وموعظة لنا موتُ الأُسى *** العبد يسعى للمتاب ويحفِدُ
والغُفل من يبقى أسير ذنوبه *** عبدَ الهوى فكأنَّما الدُّنيا دَدُ2
ملاّخنا أفنى الشّباب مجاهدا *** يدعو ويكتب، يستثيب ويُرشِد
عام ونصف في الزَّنازن عاشها *** مع حبّه، نعم الرّفيق محمّد
ورسالة الإسلام والطّوفان كا *** نَت تهمة الأحباب جلّ المقصِد
من بعدها عاش الصَّفِيُّ على الوفا *** رغم السّقام عزائماً تتجدّد
في كلّ ملحمة لأحمدنا يد *** طولى وآراء تُقيم وتُقعِد
وإشارة وبشارة نهفو لها *** ويَخالُها اللاهي غثاء يُزبد
نور فراسته، صدق بصيرته *** مفتاح أبواب الجهاد مؤيَّد
كرم وإقدام وعلم نافع *** قلب سليم واللّسان مُفَرِّد
فلذاته أحفاده إخوانه *** كلّ على هذي القرابة يُحسد
أصهاره جيرانه أحبابه *** كلٌّ يشيد بفضله ويُشيِّد
إن كان نور الدّين من حسناته *** أبشِر فقد خَلَّفْتَ من يتعَهَّد
أو كانت الفُضلى رفيقة دربِه *** فأمام كلّ عظيمةٍ مُتعبِّد
أو كان مُبتدأ الأُسى خبرا لنا *** تسمو الفروع إذا استقام المَحتِد
أو كانت الحمراء مسقِط رأسه *** فبنهضة الخضراء طاب المرقَد
علويُّنا فرطٌ وجار في الدّنى *** نم قربه، روض الهنا تتوسَّد
وغدا بقرب نبيّنا تلقى المنى *** والجار يبقى في الجنان محمّد
نم مطمئنّا كلّنا عهد على *** إتمام مشوارٍ لمثلك يُسنَد
ما خُنتَ عهدا للوداد ولم تزل *** فينا إماما للمشورة يُقصَد
حتّى أتانا ما يذيب قلوبنا *** القلب يحزن والدّموع تبدَّد
لكنّنا ذكر اللسان رضاؤنا *** لقضاء من يقضي ولا من يُفْنِد
قدَرٌ وأقدار الإله رحيمة *** الموت تحفتنا وللباغي عَدُو
جيل إذا ذُكِر الغَناء فلا تسل *** عن بذلِه كلّ يُشيد ويشهَد
هذي الجنازة فيصل ما بيننا *** قد قالها سلفا إمامُك أحمد
كلّ أتى من كلّ صوب شاهدا *** أنّ الفقيد مبجَّل وممجّد
أحد وللأحد الكريم مصيرُنا *** السّجن دنيانا وجنّتنا غد
إن فرّقَت ما بيننا سُبُل الرَّدى *** فهناك يجمعنا المقام الأرغَد
مع أحمد ومحمّد ونبيّنا *** طبّ القلوب له المقام الأحمد
صلّوا عليه وسلّموا لا تسأموا *** ما حنّ مشتاق وأنشد منشد
والآل والأصحاب صلّوا أكثروا *** سَكَن شفاء للصّدور ومَوْرِد
يارب صلّ على الحبيب شفيعنا *** ما زار طيبة ناسك متجرّد
وأتى إلى الخضراء يَسْكُب دمعَه *** ودَنا من الشبّاك يدعو يشهَد
ما بين محراب الحبيب وقبره *** عكف المتيّم قائما يتهجّد
مستغفرا متبئسا مستمطرا *** ربّا حباه بنعمة لا تنفَد
هي صحبة الأخيار دمت لها فتى *** أنت الموفّق إن رعاك مسَدَّد
يعني بالحمراء: مراكش الحمراء. وبالخضراء: تونس الخضراء.

1- يعني الشاعر أبا القاسم الشابي.

2- الدَّد: اللعب.