كشفت وثائق سرية بثتها قناة الجزيرة، مساء أمس الأحد، أن السلطة الفلسطينية تنازلت عن المطالب بإزالة كل المستوطنات الصهيونية الإسرائيلية في القدس الشرقية باستثناء مستوطنة “جبل أبوغنيم”، وأبدت استعدادها لتقديم تنازلات غير مسبوقة في الحرم الشريف وحييْ الأرمن والشيخ جراح.

وأظهرت محاضر جلسات المحادثات المتعلقة بما بات يعرف بقضايا الوضع النهائي في المفاوضات الفلسطينية “الإسرائيلية” أن مفاوضي السلطة قبلوا بأن تضم “إسرائيل” كل المستوطنات في القدس الشرقية باستثناء مستوطنة جبل أبوغنيم.

وأفادت الوثائق بأن الوفد الفلسطيني أبدى استعدادا للتنازل عن كل أراضي مستوطنات القدس باستثناء مستوطنة أبو غنيم. وكشفت أيضا أن نسبة عرض تبادل الأراضي في القدس بين الفلسطينيين والإسرائيليين بلغت 1 إلى 50 لصالح الكيان الصهيوني.

وتفيد الوثائق بأن الوفد الفلسطيني لم يعتبر الحرم القدسي خطا أحمر أثناء جلسات التفاوض، وتظهر أيضا عرضا فلسطينيا للتنازل عن الحي اليهودي وجزء من الحي الأرميني في القدس.

وأكدت القناة أن بحوزتها أكثر من 1600 وثيقة تتجاوز 6500 صفحة، سجلت كلمة بكلمة وحرفا بحرف محاضر جلسات مفاوضات امتدت من العام 2005 إلى العام 2006.

تنازلات بالجملة عن القدس

وبحسب محضر اجتماع بتاريخ 15 يونيو/ حزيران 2008 حضره مفاوضون أميركيون وإسرائيليون، قال رئيس طاقم المفاوضات في السلطة الفلسطينية أحمد قريع إن هذا المقترح الأخير يمكن أن يساعد في عملية التبادل). وأضاف اقترحنا أن تضم إسرائيل كل المستوطنات في القدس ما عدا جبل أبو غنيم (هارحوما)). ويتابع هذه أول مرة في التاريخ نقدم فيها مقترحا كهذا وقد رفضنا أن نفعل ذلك في كامب ديفد).

وقد مثل حديث قريع هذا خلاصة صريحة وواضحة لما عرضه -بالخرائط- الوفد الفلسطيني المفاوض برئاسته في الرابع من مايو/أيار 2008، وهو الاجتماع نفسه الذي قال فيه قريع للإسرائيليين إن هناك مصلحة مشتركة في الإبقاء على بعض المستوطنات.

وقد نحا كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات نفس المنحى عندما قال في اجتماع بتاريخ 21 أكتوبر 2009 مع المبعوث الأميركي إلى منطقة الشرق الأوسط جورج ميتشل، وفقا لوثيقة سرية، بالنسبة للمدينة القديمة فإنها تكون تحت السيادة الفلسطينية ما عدا الحي اليهودي وجزء من الحي الأرمني).

وتعتبر هذه المرة الأولى التي يظهر فيها التراجع الفلسطيني عن التمسك بالحي الأرمني إذا ما قورن هذا الموقف بما تسرب من موقف للرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات في كامب ديفد.

وقد نال حي الشيخ جراح في القدس هو الآخر نصيبه من مسلسل التراجع الفلسطيني كما تشير إليه الوثائق السرية.

فبشأنه يلمح قريع إلى إمكانية المساومة عندما يقول للجانب “الإسرائيلي” في أحد اللقاءات التفاوضية في إطار تبادل الأراضي، بالنسبة لمنطقة في الشيخ جراح، لا بد أن أحصل على منطقة مكافئة).

وبحسب عريقات فإنه في مقابل العروض الفلسطينية، رفض الإسرائيليون مناقشة القدس التي تصر “إسرائيل” على أنها خارج دائرة التفاوض.

وتؤكد ذلك وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة تسيبي ليفني في لقاء في الـ15 من يونيو/ حزيران 2008 مع قريع ووزيرة الخارجية الأميركية إذ ذاك كوندوليزا رايس قائلة أخبرنا الفلسطينيين أننا لن نعوضهم عن أي أرض هي جزء من إسرائيل)، قاصدة بذلك القدس الشرقية التي كانت تل أبيب قد أعلنت ضمها للسيادة الصهيونية.

وفي اجتماعات أخرى كانت ليفني تصر على أن القدس هي العاصمة الموحدة وغير المقسمة لإسرائيل والشعب اليهودي منذ 3007 سنوات)، وهو ما كان يثير احتجاجا من قبل المفاوضين الفلسطينيين.

وخلال اجتماع عقده مع محامين من وحدة دعم المفاوضات في الخامس من مايو/ أيار 2009 يرفض عريقات أي علاقة للأردن بالمدينة المقدسة ويقول لا أريد أن تكون للأردن أي علاقة بالقدس).

وفي اجتماع آخر له بتاريخ 15 يناير/كانون الثاني 2010 مع ديفد هيل، نائب ميتشل، شدد عريقات على أن ما في تلك الورقة يمنحهم أكبر يوراشاليم في التاريخ اليهودي).

وبعد أن طالبه هيل بأن يكون “أكثر تحديدا” يقول عريقات أنت تعرف الورقة- الورقة التي أعطيتها لدانيال، كتبها (الرئيس محمود عباس) أبو مازن بنفسه.)

القدس من أجل “السلطة”.. وليس العكس!!

واقترحت رايس -وفقا لمحضر اجتماع بتاريخ 29 يوليو/ تموز 2008 مع قريع وعريقات- أن تكون القدس مدينة مفتوحة. لا أريد للفلسطينيين أن ينتظروا إلى الأبد إجابة قد لا تأتي).

وأضافت رايس فيما بعد 1967 هو خط الأساس ولكن إذا انتظرنا إلى أن تقرروا بخصوص السيادة على الحرم أو جبل الهيكل… فإن أولاد أولادكم لن يتوصلوا إلى اتفاق. عندما يتعلق الأمر بالأماكن المقدسة، لا أحد سيجادل بشأن سيادة الآخر. اتركوها بدون حل).

وأشار عريقات في أحد الاجتماعات إلى أن التشديد على موضوع القدس هو قضية سياسية مرتبطة بالحرص على مستقبل وجود السلطة الفلسطينية.

وحول الموقف من الحرم القدسي الشريف يقول عريقات، في اجتماع بتاريخ 21 أكتوبر 2009 مع المبعوث الأميركي إلى منطقة الشرق الأوسط جورج ميتشل، الحرم يمكن تركه للنقاش. هناك طرق خلاقة، كتكوين هيئة أو لجنة، الحصول على تعهدات مثلاً بعدم الحفر.)

“السلطة” تُكذِّب

واعتبر كبير المفاوضين الفلسطينيين أثناء محادثات عام 2008 أحمد قريع في تصريح لوكالة أسوشيتد برس أن العديد من أجزاء الوثائق التي نشرتها الجزيرة مفبركة، ووصفها بأنها جزء من التحريض ضد السلطة الفلسطينية والقيادة الفلسطينية.

ونفى قريع تقديم أي عرض بشأن المستوطنات اليهودية في القدس الشرقية، وقال إن “إسرائيل” رفضت مناقشة القضية.

أما رئيس دائرة المفاوضات في منظمة التحرير الفلسطينية صائب عريقات فاعتبر أن جزءا كبيرا مما ورد في الوثائق مجرد أكاذيب لا صحة لها، مشددا على أن السلطة الفلسطينية ليس لديها ما تخفيه.

وقال عريقات للجزيرة إن مبدأ تبادل الأراضي بين “إسرائيل” والفلسطينيين تم طرحه خلال مفاوضات كامب ديفد من قبل وهو ليس جديدا.

خبراء ينتقدون

وتعليقا على هذه الوثائق السرية والخطيرة قال الكاتب والمؤرخ بشير نافع -الذي كان ضمن من قرؤوا ودرسوا الوثائق وشاركوا بترجمتها- إن الوثائق تتميز بأنها محاضر جلسات تثبت ما دار خلف الأبواب الموصدة من أحاديث وليست كتسريبات ويكيليكس التي حوت رأي كاتب الوثيقة وانطباعه، واختلطت فيها الإشاعة بالحقيقة.

وأوضح نافع، لقناة الجزيرة، أنه اشترك مع نخبة من الأساتذة والمؤرخين والمتخصصين بالشأن الفلسطيني بدارسة الوثائق ورقة ورقة، وتمحيص ما جاء فيها ومقارنته بتواريخ اللقاءات.

وأكد أن نشر الوثائق لا يعدو أن يكون محاولة للوصول إلى الحقيقة وكشفها، وليس الهدف منه النيل من أي جهة أو التعرض لأي شخص، وقال إن الوثائق تتيح ثروة للدارسين والباحثين في الشأن الفلسطيني. وأضاف أن التشكيك في هذه الوثائق يتطلب التشكيك في السلطة الفلسطينية و”إسرائيل” والولايات المتحدة، فهي تشير إلى نسق داخلي متسلسل، فهناك رسائل وردود عليها، وقد تم التعامل معها بقدر كبير من المسؤولية.

من جانبه وصف مؤسس ورئيس هيئة أرض فلسطين المؤرخ الدكتور سلمان أبو ستة ما ورد في الوثائق من عرض فلسطيني بالتنازل عن الحي اليهودي وجزء من الحي الأرمني وإمكانية مناقشة حي الشيخ جراح بأنه خطيئة قانونية وسياسية)، وقال إن “إسرائيل” لا تملك الأرض التي تقايض بها ولا تخضع قانونيا لها.

وأوضح أن ما طرح يعني أن حدود “إسرائيل” ستقع بين خطي 48 و67 لتصبح هذه الحدود ملاصقة للحرم القدسي، وأضاف والحقيقة أنه ليس لها شرعية على أي أرض من طرفي خط الهدنة، إذ لا قيمة قانونية له).

أما رئيس تحرير صحيفة القدس العربي عبد الباري عطوان فقال إن التساؤل المشروع الذي يطرح نفسه هو من الذي فوض السلطة الفلسطينية للتفريط بمقدسات إسلامية والتفاوض باسم الشعب الفلسطيني وفلسطينيي الشتات، مؤكدا أن لا مرجعية لهذه المفاوضات.

وأردف أن أربعة شخصيات هي التي تقرر اتجاه المفاوضات، واصفا كبير المفاوضين الفلسطينيين صائب عريقات بأنه غير مؤهل أو مفوض للتفاوض باسم الفلسطينيين، وشدد على ضرورة محاسبة الأربعة.

وفي رده على تساؤل لعريقات عن سبب عدم قبول “إسرائيل” المقترح الذي ذكرته الوثائق بـ”أكبر أورشليم” قال عطوان إن “إسرائيل” تعرف أن المفاوض الفلسطيني متهالك وتريد المزيد.

وقد علق وزير الأوقاف الأردني الأسبق رائف نجم على الوثائق قائلا إنه استقال من الوزارة بسبب المفاوضات، لأنها –حسب وصفه- نفق طويل مظلم له مدخل وليس له مخرج)، واعتبر أنها ليست سوى هدنة حتى تستورد “إسرائيل” مزيدا من المستوطنين وتمكن لهم.

1600 وثيقة

وقد بدأت شبكة الجزيرة (قناة الأخبار وموقعها الإلكتروني) في نشر أكثر من 1600 وثيقة سرية (تنشر تباعا لمدة أربعة أيام) تتعلق بالمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية.

ومن المقرر أن تنشر الجزيرة أكثر من 1600 وثيقة سرية تتعلق بالمفاوضات الفلسطينية الإسرائيلية، وسينشر موقع الجزيرة نت تلك الوثائق بالتزامن مع ما تعرضه شاشة الجزيرة.

وأطلقت شبكة الجزيرة موقعا إلكترونيا خاصا ابتداء من الساعة 23.00 مساء أمس الأحد يبدأ بنشر هذه الوثائق.

عن الجزيرة نت بتصرف.