لم تفلح الخطابات المتكررة للرئيس “بنعلي” في امتصاص الغضب الشعبي وإيقاف شرارة الاحتجاجات، التي طالت مدتها حتى قاربت الشهر وانتشرت رقعتها حتى عمت كل مناطق البلاد وتصاعدت وتيرتها و”تسيست” مطالبها حتى انتقلت من مجرد مطالب اجتماعية إلى المطالبة برأس الرئيس الذي فر بجلده في مشهد مخز يذكرنا بسقوط نظام الشاه. والأكيد أنه سيكون عبرة لكل حاكم ظالم.

في كل خرجاته الإعلامية السابقة، قدم “بنعلي” وعودا كثيرة ومتنوعة، فوعد بتوفير الشغل للعاطلين وإمهال الدولة مدة قصيرة لتحقيق هذه الوعود، وأعلن عن رصد مليارات الدولارات لإقامة مشاريع تنموية استعجالية لسد الخصاص الحاصل في بعض الولايات المتضررة، ووعد بتشكيل لجنة تحقيق حول ما يشاع بشأن انتشار الفساد والرشوة، وأعفى العديد من الوزراء والولاة، وفي مقدمتهم وزيرا الاتصال والداخلية، وأعطى تعليماته بالإفراج عن المعتقلين خلال هذه الاحتجاجات.

وبالموازاة مع ذلك، وهنا يكمن التناقض، اتخذت الحكومة السابقة إجراءات غير مطمئنة، مثل إعلان حظر التجول ليلا وإغلاق المدارس وإلغاء المباريات لتجنب كل مناسبات تجمع المواطنين. وبلغ تطاول “بنعلي” حد وصف الاحتجاجات بـ”الفوضى”، بل إنه سارع في إحدى خطبه إلى وصف المشاركين فيها بالإرهاب، كما هو دأبه دائما مع معارضيه، بحثا عن غطاء دولي للجرائم التي ترتكبها قوات الأمن.

ولذلك لم توقف هذه الوعودُ والتدابيرُ الزخمَ الاحتجاجي الذي تطور في المرحلة الثانية إلى حد اضطر الدولة إلى نشر الجيش في الشوارع وأمام المنشآت العمومية وإطلاق الرصاص الحي بشكل عشوائي أسقط عشرات القتلى، بطلقات في الرأس والظهر والصدر، في إشارة واضحة إلى إفراط في استعمال العنف ضد مواطنين عزل متمسكين بحقهم في التظاهر والاحتجاج. وهذا دليل آخر على الارتباك الحاصل في مطبخ صناعة القرار وإصرار الماسكين بزمام الأمور على إيقاف هذا المد الاحتجاجي قبل أن يتحول إلى عصيان مدني شامل مطالب برحيل رئيس عمر في الحكم أزيد من 23 سنة.

وتطويقا لهذا المشكل المتفاقم، خلال هذه المرحلة، توجه الرئيس، مرة أخرى، بخطاب ثالث إلى الشعب، يوم 13 يناير، كان مختلفا في وعوده ولهجته ونبرته ومزج فيه، لأول مرة، بين الوعود السياسية والاقتصادية والاجتماعية، حيث اعترف بأخطائه وبأنه كان ضحية بعض مقربيه الذين حجبوا عنه الحقائق ووعد بمحاسبتهم وأقدم على إقالة مستشارَيه، وتعهد بصون الدستور ودعم الديمقراطية وعدم الترشح لولاية رئاسية جديدة وتفعيل التعددية واحترام حرية الإعلام والسماح بالتظاهر السلمي، وأمر بالكف عن إطلاق الرصاص الحي وبتخفيض أسعار المواد الأساسية وضمان حيادية واستقلالية لجنة التحقيق. وحصل نوع من الانفتاح على المعارضة، حيث التقى الوزير الأول محمد الغنوشي، في اجتماع طارئ، بقادة أحزاب معارضة راديكالية قانونية، ولم يستبعد وزير الخارجية إمكانية تشكيل حكومة وحدة وطنية.

بعبارة أخرى، كان لزاما، حسب منظور بنعلي المعزول عما يحدث في بلاده، أن تغرق البلاد في بحر دم ودوامة عنف حتى تصل رسالة الشعب إليه ويفك ألغازها، وكان لزاما أن يتحرك الخارج مبديا قلقه وانزعاجه مما يجري في تونس ليراجع الرئيس منهجية تدبيره لشؤون البلاد.. ولذلك شكل خطابه الأخير رصاصة رحمة أطلقت على نموذج تنموي عمر لأزيد من عقدين ثم سرعان ما تبين فشله.. وهذا كان واضحا في خطاب الرئيس الذي استغرق كل كلامه حول مطالب سياسية ودستورية، والبقية تعرفونها جيدا، والآتي يصعب على أي متتبع التكهن به في ظل هذه الأوضاع الآنية، لأن البلاد مفتوحة على كل الاحتمالات ولا تحتمل أي مغامرة. وهذا ما يجب أن يستوعبه من يحاولون المناورة وربح الوقت والالتواء على المطالب الصريحة لشعب قدم دماء وشهداء وأبان عن طول نفس وكثير من الحكمة في تدبير شهر من الاحتجاجات.

ترى لماذا لم تجد وعود الرئيس نفعا، ولماذا تأخرت هذه الوعود حتى انفجرت الأوضاع؟

الجواب عن هذا السؤال يكمن في فقدان الثقة واتساع الهوة بين الحاكم والمحكومين وغياب التواصل.. فحين تنعدم الثقة يصبح الرفض والتشكك هو الرد التلقائي للمجتمع تجاه أي مبادرة حكومية مهما كانت فوائدها، وقد بدا هذا واضحا بعد خطاب «بنعلي»، حيث استمرت المظاهرات واستمر معها إطلاق الرصاص وسقوط الضحايا.

وحين تتسع الهوة بين الحاكم والمحكومين تصبح المبادرات الحكومية ردود أفعال متأخرة تكتسي طابع العلاج وليس الوقاية، وقوة السلطات العمومية تكمن في مبادراتها الاستباقية لتفادي المشاكل قبل وقوعها.

وحين تغيب الإرادة الحقيقية تصبح الوعود مجرد مناورات لربح الوقت وإعادة التموقع، ولذلك كان خطاب الرئيس خاليا من الضمانات والآليات والجدولة الزمنية لأجرأة الوعود، وقد اتضح كل ذلك جليا حين تم الإبقاء على نفس الوجوه التي تسببت في معاناة الشعب.

وحين تفتقر العلاقة بين الحاكم والمحكوم إلى مؤسسات للوساطة يغيب التأطير وتعم الفوضى. والتجارب تثبت أنه لا يمكن لأي مؤسسة بديلة أن تقوم بدور الأحزاب السياسية المتعددة التي تعكس، مؤسساتيا وبشكل منظم وموجه، كل الرؤى والحساسيات الموجودة في المجتمع. وخير مثال أن البرلمان التونسي لم يتحرك إلا بعد حوالي شهر على اندلاع التظاهرات في الشارع، وحتى بعد تخلي «بنعلي» لم يتول مهام الرئاسة مؤقتا رئيس البرلمان كما تقتضي ذلك المبادئ المتعارف عليها ديمقراطيا.

وحين يكون النظام منغلقا يترتب عنه مجتمع يائس وغير مشارك أو فوضوي.

لقد كانت ميزة النموذج التونسي طيلة عقدين من الزمن غيابا تاما للرأي الآخر وقمعا متواصلا لحركة المعارضين وخنقا كليا للحريات واستفرادا بالقرار وتهميشا للمجتمع وسوءا لتوزيع الثروات واستشراء للفساد وشططا في استعمال السلطة.. وهذه كلها موبقات كفيلة بزعزعة استقرار أي مجتمع مهما بلغت قوته وتماسكه، وهي نتيجة كانت منتظرة، وإن تأخرت بعض الشيء، بسبب القمع الداخلي والدعم الخارجي لدول مستفيدة من صفقات تجارية وعائدات مالية وامتيازات تاريخية ولا تريد التفريط فيها.

سيبقى هذا الحدث محفورا في الذاكرة لعقود قادمة، وقد يتكرر في مناطق عديدة لأنه أصبح وصفة فعالة تؤكد أن إرادة الشعوب لا تقهر، وحتما ستبرز الأيام أن تغيير النظم المستبدة ليس بالمهمة المستحيلة وأن بناء نظام بديل هو الأصعب.

لقد انتقل التونسيون، بعد سقوط نظام بنعلي، من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر، وهو جهاد البناء. فهل ينجحون في الامتحان؟

نتمنى لهم ذلك من كل الأعماق لأن عالمنا العربي في أشد الحاجة إلى واحات ديمقراطية تنعش أمل شعوب تستحق أن تنعم بحياة أفضل.