حدثنا مفجوع الزمان الجوعاني، وهو من ضحايا القمع المجاني، فقال: في زمن استأتن فيه الحمارْ، واستنوق فيه الجمل بين الديارْ، واستأسد فيه القرد من غير إشعارْ، تاه عني النظم وتفلّتت مني الأشعارْ، واستبد بي اليأس في واضحة النهارْ، فلا أمل يلوح في يمين طبقوا عليه أسس الإستحمارْ، ولا خير يرجى من يسار مسه الإنكسارْ، ولا شيء يرى غير ضباب في المسيرة والمسارْ، ولأنني أكره حروف اليأسْ، وأمقت لغة لا تفرق بين الرِّجل والرأسْ، ولا أطيق الجلوس مع عبّاد الفلس والكأسْ، خرجت من داري الشاهدة على تلاوين البؤس والبأسْ، الحافظة لوعيد اليوم ووعود الأمسْ، وتوجهت بعدما استعذت بالله من شر وسواس النفسْ، إلى حي النمس الأملسْ، وهو حي فيه فنون الأدب تقدّسْ، وفيه أعلام النفاق والرياء تنكّسْ، وبأركانه كل متكبر ومستهتر يدنَّسْ، الصدق فيه عِلم بالصدق يدرَّسْ، وخلي ابن أبي الرعاية لحلقياته يتزعم ويترأسْ، لا يمل من لعبة السين والجيمْ، ولا يضجر من رغبات جمهور كريمْ، ولا يخاف في قول الحق لومة لائم لئيمْ، ولا يرى في كل مسؤول خوان أثيمْ، وكل وزير حلاف مهين زنيمْ، وكل من يشبههم في كل حزب وجمعية ونقابة وتنظيمْ، إلا صورة لشيطان رجيمْ، يستعاذ منه بالله وبالكلام الموزون من غير تعتيمْ… ووصلت إلى حلقيته بعد جهد جهيد متألما حيرانَا، واتخذت لي مع المتقابلين معه مكانَا، فقلت له لما رأيته بات بالشعر سكرانـَا:

ـ يا من بنظم الجاهلية أعيانَا، وبقصص الجاحظ ونوادر الأعمش قد كسانَا، فتية العدل زادهم الله نورا وإحسانَا، لما جعلوا من الغربي والمغربي ـ بفضل الله ـ إخوانَا، وأقاموا نواة وطنية كان حماتها بحق شجعانا وفرسانَا، أطلقوا سراحهم ببراءة كانت برهانا وفرقانَا، وفي السجن لا زال يقبع مع من عاثوا في الأرض فسادا وعدوانَا، خمسة رجال رجال ظلما وزورا وبهتانَا، وشاب “خياري” قال لمن بات لوطنه ناهبا خوانـَا، ولمن بالرشوة أمسى في عرض البحر ربانـَا، ولمن لأموال الشبهات والريع دعانَـا “لا أبيع الحق بفلس يجعل الكاسي عريانَا”، فهل لك من مثل يضرب لهكذا واقعْ، فقد ضُيِّع الحق في ثلة من المواقعْ، وزل القاضي وجاء الحكم مليئا بالمواجعْ، فساد الباطل في محاكم عن حرمتها لا تدافعْ؟؟؟

فقال بعدما أصغى لكل جملة وعبارَهْ، وأضعف ما للمخبرين في حلقيته من إشارهْ: ((يا أيها المكتوون بنيران الوزارة والسفارهْ، ويا أيها الباحثون عن شقة في عمارهْ، ويا أيها التائهون عبر الأزقة والدروب والطرق السيارهْ، ويا أيها المتعثرون بأقدام لها ألف أمارة وأمارهْ، حب الكراسي خسارة ما بعدها خسارهْ، وقد خاب من لم يأخذ بالنصح والاستشارهْ، وضل من استبد برأيه في التسيير والإدارهْ، ولنا في قصص العرب حكم وتنوير وإثارهْ، ولنا في أمثالهمْ أدب يصلح لكل زمن وينفع كل حضارهْ، فمن أمثالهم التي على واقعنا تشهد من غير تحريف أو استعارهْ، قولهم “حور في محارةْ”، وهو مثل يضرب للرجل ينقص بعد الزيادهْ، ويقال عند حلول نكسة وتقهقر بعد طول تزعم و ريادهْ، ومعناه كما تواترت بذلك كل شهادهْ، نقصان في نقصان بهيمْ، ولعمري إن لهذا المثل في مغرب الله الكريمْ، من الدلائل التي تجسده واقعا مرا في مغرب عليل النسيمْ، ما لا يعد ولا يحصَى، ونظرة بسيطة فاحصة لأحوال المغرب الأقصَى، تؤكد من غير برهان يقصَى، على أنه ما بعد الكمال والتمام إلا النقصانْ، وما بعد الشرارة إلا الدخانْ، فلا يضحكن عليك بالقول ذئب في صورة إنسانْ، ولا يأكلن منك المخ والمخيخ لغوي مبين فصيح اللسانْ، وعند الأرقام يا ابن المغرب كل دليل وبرهانْ، فمهما قالوا عن الحرية والعدالة وما لديموقراطيتهم من انتقالْ، فيا ما في السجون من مظاليم تشكو قسوة الاختطاف وقيود الاعتقالْ، ومهما ضربوا لنا عن عدالتهم الأمثال والأمثالْ، فالمرواني والمعتصم وأصحابهما يشهدون على زور مثل هذه الأقوالْ، وشكيب ومنع تكريمه يفندان ما يرددونه على كل حالْ، ومهما قالوا عن التعليم وجودته ومخططاتهْ، فلغة خطاب الوزراء والنواب في قبة البرلمان وجنباتهْ، وحال المعطلين مع التدخل السريع وقواتهْ، وترتيبنا في العالم بخصوص هذا المجال وتبعاتهْ، تؤكد بما لا يدع مجالا للشك والريبهْ، أنه من نقصان إلى نقصان نمضي لا نبالي بالنميمة أو الغيبهْ، وتلك لعمري أكبر رزية وأعظم مصيبهْ، فالبلد الذي كان منارة للعلم والعلماءْ، وقبلة للطلاب والباحثين من شتى الأنحاءْ، أمسى اليوم بسبب ثلة من الوزراء والمدراءْ، لا يصدر إلا عصيا وقمعا خبيثَا، ولا يفقه في لغة التقدم والازدهار حديثَا، وما أبشع الفرق بين ما كان قديما وما صار إليه حديثَا، فلا الاقتصاد يحد من فقر ينجب الجريمهْ، ولا الريع يجد عند من يتصدى له إرادة وعزيمهْ، ولا المساواة ترى عند توزيع كل غنيمهْ، ولا دخل الفرد لنفسه أو لمن يعول يكفِي، ولا الرواتب لسقم الجيوب تشفِي، ولا وجود إلا لمن لهكذا كلام يسجن وينفِي، فإن تكلمت عن الصحة وأحوالِهَا، فاحذر من سخط وزيرة وأخوالِها، وقل الحمد لله الذي أزاحنا من بالِها، ولا تتحدث عن مغادرة طوعية من بطش جيوشِها، باتت المستشفيات خاوية على عروشِها، وأضحت كل الإدارات ترثي أحوالها لجدرانها ونقوشِها، وإن سئلت عن السياسة في هذا البلدْ، فقل من غير بحث عن الهم أو النكدْ، يد واحدة لا تصفق وإن طال الأمدْ، ودستور ممنوح من زمان لبدْ، لا يصلح ليساس به الوالد والولدْ، والذي قال لمن قلد و لمن اجتهدْ، “قل هو الله أحدْ”، سياستنا نقصان للنقصان تلدْ، “حور في محارة” هذا الذي منها تجدْ، فالأحزاب مفككة لحوض العبث تردْ، والقبة فيها الكلام المعقول فُقِدْ، والجمعيات للتمييع تناشدْ، وفي سبيل نيل حصتها من الدعم المادي تجاهدْ، ولا خير يرى من أكثرها واسأل المتتبع والمشاهدْ، وإن سئلت عن الدين في هذا الوطنْ، فاسأل الله السلامة من الفتنْ، وقل التدين عندنا مسموح به في العلنْ، هكذا قالوا من قديم الزمنْ، لكن لعنة الإرهاب ومن به افتتنْ، والخوف من حركات إسلامية بها الوضوح اقترنْ، لا ترضى السباحة في مستنقعات العفنْ، ولا تريد التلوث بمياه الضحك على الذقونْ، أو المشاركة في ترقيع ما لا يرقع من الأمور والشؤونْ، كل ذلك وغيره مما الكلام عنه وحوله ذا شجون وسجونْ، حوّل كل ذي لحية وذات حجابْ، وكل مصلي ومصلية في مساجد رب الأربابْ، إلى متهم ومتهمة قد لا يثبت براءتهما قانون الإرهابْ، وهكذا أغلقت دور القرآن بفتوَى، وسكتت مجالس علمية لها غثاء أحوَى، عن كبائر قوم تقام على أرضنا وبماء وجوهنا تروَى، وأضحت الأمية الدينية في البيوت سيدة المواقفْ، وحوصر بشتى الطرق كل عالم وعارفْ، فسبح باسم ربك الأعلى يا أيها السائل الخائفْ، وقل لوزارة أوقاف ضاع عندها الوقف والواقفْ، ولغيرها ممن هو للأوامر لا يخالفْ افتحوا أبواب الحرية للعلماء العارفينْ، وافتحوا الحوار أمام المغرر بهم في أمور الدينْ، وأبعدوا آذانكم عن دعاوى الشياطينْ، فما كان المغرب أبدا بلدا للإرهابيينْ، وما عرف عنه ترويع الآمنين والمطمئنينْ، بل هو بلد الأولياء والصالحينْ، بلد الرجال الربانيين على مر السنينْ، وما الإرهاب إلا تخطيط سوء يأتي بعد سوء تخطيطْ، فاسمع فهذا الكلام لن تجده في أي شريطْ، إنني ما قلت هاهنا فندا يشكو الإفراط أو التفريطْ، إنما هو جزء من حقيقة ملؤها المرارهْ، وغيض من فيض نراه في مواسم القرّ والحراره، وما خفي أعظم مما تراه أعين النظارهْ، وما كلامي إلا غيرة لا تبحث عن فتنة ذات شرارهْ، فإن أصبت في كل جملة وكلمة وعبارهْ ، فذلك أمر من الله الآمر إيانا بالطهارهْ ، وإن أخطأت فإنما هو “حور في محارهْ”، والحل لما ذكرنا اجتماع النقط واللبيب من يفهم بالإشارهْ.