قـاعدة أم استثنـاء

بالمعايير الأرضية المادية بدا أن انتفاضة تونس الشعبية ضرب من المستحيل، غير أنها عادية وفق سنن الله تعالى في الكون. وقد تضمن القرآن الكريم كتاب الله ورسالته الأخيرة للإنسان قصصا كثيرة تصور مآل الطغاة وعاقبة المستكبرين، قصصا تحمل رسائل وعيد لمن أراد أن يسلك مسلك الهالكين قبله، وتنبه إلى سوء الخاتمة، مثلما تحمل رسائل أمل تبشر المستضعفين بالفرج والفتح والانعتاق متى قاوموا وواجهوا الطغيان. يقول عز سلطانه: ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين ونمكن لهم في الأرض ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كانوا يحذرون. إذن الانتفاضة على الجور والظلم قاعدة وليست استثناءً.

مسـاق الطغـاة: فرعون نموذجا

لم يفصل القرآن الكريم في قصة تفصيله في قصة فرعون، فقد تكرر ذكر فرعون أربعا وسبعين (74) مرةً، وذكر سيدنا موسى مائة وستا وثلاثين (136) مرةً مقترنا في أغلبها باسم فرعون. ولا شك أن لهذا الحضور الكثيف دلالات واعتبارات منها ـ والله أعلى وأعلم ـ أن حكم فرعون استكمل منظومة الاستبداد: نظام سياسي مؤسس على “عقيدة دينية” أساسها أن الفراعنة آلهة لا يفنون وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري. لذلك يتم تحنيطهم بعد موتهم ويدفنون في قبور وأضرحة خاصة ـ الأهرام ـ صممت بمعايير هندسية وعلمية تحمي الأجساد من التجفف والتعفن ترسيخا لفكرة الخلود في عقول الشعب. وأجهزة أمنية استخبارية ومستشارين ووزراء ـ ضمنهم وزير أم الوزارات صانعة أمجاد فرعون الوهمية أتى القرآن الكريم على ذكر اسمه لمحوريته في المسلسل القمعي للشعب: هامان ـ وسحرة أنيطت بهم مهمة تخدير وتبليد حس العامة بتقديم الولاء المزيف لـ”قداسة” فرعون.

لقد اكتمل بنيان صرح النظام الفرعوني وأحكم سيطرته على الشعب، يقول سبحانه وتعالى: إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين، ولم يخطر على بال فرعون الواثق من أجهزته الأمنية والاستخبارية أن تقويض أركان حكمه سيكون على يد سيدنا موسى عليه السلام الفتى الذي رأى فيه بنو إسرائيل المستضعفون المخلص المنقذ فاستجابوا لدعوته وساروا معه مستشرفين العزة والحرية ومستدرجين جند فرعون إلى حتفهم إذ تكفلت العناية الربانية بإغراق الجند في عُبُب البحر جزاء وفاقا، واقتضت الحكمة الربانية أن ينجو فرعون بنفسه ليكون عبرة لغيره. يقول الحق جل وعلا مخاطبا فرعون: الآن وقد عصيت قبل وكنت من المفسدين فاليوم ننجيك ببدنك لتكون لمن خلفك آية وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون.

في التوقيت والمدة والكلفة

انتفاضة الخضراء تونس فاجأت الجميع توقيتا ومدة وكلفة. فمن حيث التوقيت جاءت في أوج استكمال النظام هيمنته على الشعب، فاستفرد بسلطة القرار وأخضع الخصوم وسيج حكمه بديمقراطية صورية واحتكر الثروة وجوع العباد وغدت المعارضة تتطلع للحد الأدنى من المطالب. نظام يقدم نفسه لمستكبري العالم وقواه الاستعمارية نموذجا لعلمانية مستبدة فجفف منابع هوية الشعب ـالإسلام ـ حتى لا يلدغ من جحر شاه إيران، وراقب المساجد و”قنن” ارتيادها 1 ، ومكن لثقافة التمييع وشجع السياحة الجنسية، ووأد العفة والكرامة إمعانا في إذلال الشعب. في كلمة واحدة أصبح “فخامة” الرئيس الكل في الكل إلى درجة أن التلفزيون الرسمي يقدم أثناء نشرات الأخبار صورة “فخامته” أكبر حجما من خريطة تونس. أليست زحزحة هكذا نظام ضربا من الخيال؟ أما من حيث المدة ـ ثلاثة أسابيع ـ فقد اعتبرت زمنا قياسيا عالميا لأسرع تغيير سياسي في العالم وفي كل العصور، وبالتالي أضحت نموذجا يستحق أن يحلل ويُدرس في العلوم السياسية وتنجز في تحليل ميكانزماته البحوث والدراسات. ومن حيث الكلفة البشرية التي لم تتجاوز المئة شهيد ومئات الجرحى فتعتبر كلفة بسيطة لإسقاط نظام لا يرقب في تونسي أو تونسية إلا ولا ذمة. كلفة بشرية بسيطة جدا إذا استحضرنا كابوس تجربة العراق الفظيعة حيث أتت الفتنة على الأخضر واليابس.

لماذا تونس بالذات؟

مما سبق يتبين أنا للانتفاضة التونسية رسائلَ يمكن استخلاصها ومنها:

* الثقة في موعود الله الذي يمهل الطغاة ولا يهملهم، وسنته جارية على المفسدين السابق واللاحق.

* التدافع بين الحق والباطل سنة كونية، فالحق لا يضيع ما دام أصحابه يطالبون وينافحون من أجله، والباطل إلى زوال ولو بعد حين؛ وبيته مهما بدا متراصا فهو أوهن من بيت العنكبوت.

* رد الاعتبار لإرادة الشعوب التي لا تقهر متى نفضت عليها غبار الوهن والركون للطغاة.

* بوار مخططات الإصلاح من داخل مؤسسات الفساد لعدم قابليتها للانصلاح لأنها صممت لتدجين الأغيار السياسيين وترويضهم.

على سبيل الاعتبار

على مستوى الحكام: إن انتفاضة تونس تدعوهم لتوبة عمر بن عبد العزيز رحمه الله دون تماطل أو تسويف، فأعظم التوبة ما كان عن قريب. والتوبة مشروطة برد المظالم إلى الشعب مادية ومعنوية وندم على ما فات باعتذار شجاع للشعب وقطع العهد مع الاستبداد ببناء أسس الدولة الحديثة وعمادها دستور يعبر عن إرادة الشعب ويحدد الصلاحيات وينظم السلط ويضمن التداول السلس على السلطة. توبة يصطلح بها الحكام مع شعوبهم قبل غرغرة النظام فلا يفيد عندها أن يتفهم “فخامة” الرئيس مطالب الشعب، مثلما لم ينفع فرعونَ إقرارُهُ بنبوة سيدنا موسى عليه السلام لما أدركه الغرق. يقول عز سلطانه: وجاوزنا ببني إسرائيل البحر فأتبعهم فرعون وجنوده بغيا وعدوا حتى إذا أدركه الغرق قال آمنت أنه لا إله إلا الذي آمنت به بنو إسرائيل وأنا من المسلمين...

على مستوى العلماء والنخب الفكرية: العلماء أحد الصنفين اللذين بهما ينصلح حال المجتمع؛ ومسؤوليتهم مصيرية تنويرا للعقول وتفنيدا للأباطيل وتوعية لشعوبهم بالمواقف الجريئة في وجه الطغيان ألا يصبحوا أداة للتخدير وتبريرا للاستبداد وأعوانا له على شعوبهم.

على مستوى النخب السياسية: لقد عرفت الشعوب العربية أساليب مختلفة من التغيير بعد الاستقلال الصوري عن الاستعمار المباشر، فجربت مرارة الانقلابات العسكرية التي اسبتدلت استبدادا باستبداد جثم على الشعوب فصادر الحقوق والحريات وقمع المعارضين ونكل بهم واحتكر السلطة والثروة وفقر وجهل الشعوب تماما كما فعل فرعون. وعاش الشعب العراقي تجربة مريرة حيث الضحايا البشرية تجاوز المليون وتلاشي مقومات الدولة ونهب لثروات البلد ومقدراته النفطية وإذكاء لنار الطائفية المقيتة أفظع وأبشع. واليوم يقدم الشعب التونسي بانتفاضته نموذجا مشرقا للتغيير يحتاج ليؤتي أكله أن تتضافر مساعي شرفاء البلد ومروءات الشعب للتأسيس لمرحلة تصحيح حقيقية قطعا لدابر الاستبداد.

وقد يكون أفضل وأرقى من تجربة تونس الغراء تداعي أحرار البلدان العربية لميثاق جامع وتكوين جبهة ممانعة تواجه أنظمة الاستبداد المحلي وتنافح من أجل تقويم مسار الحكم حقنا للدماء ودرءًا للفتن وحماية لثروات البلد ومقدراته.


[1] للاطلاع على التدابير يرجى قراءة مقال “الدرس التونسي” لأحمد زقاقي نشر بالموقع بتاريخ: الأربعاء 19 يناير/ كانون الأول 2011.\