الحرية ضياء ووضوح: أقول ما أريد و تفهم عني ما أقول. والاستبداد ظلام وغموض: أقول ما أستطيع ولا تفهم عني ما لا أستطيع. وفي الزوايا المظلمة تسكن الشياطين، والنجاة أن تضاء الظلمات).

شكل سقوط الرئيس التونسي السابق بن علي ومغادرته البلاد سابقة في العالم العربي الحديث، ومفاجأة لم تكن متوقعة، بالنظر إلى مستوى النتائج، حتى من طرف تلك الجموع الغفيرة من أبناء الشعب التونسي، الذين واجهوا بصدورهم العارية رصاص الطاغية، أو بالنظر إلى المدة القياسية بين بداية الأحداث في دجنبر الماضي وما وصلت إليه اليوم. وكذلك إذا نظرنا إلى ظروف تونس السياسية، حيث أشد الأنظمة قمعا واستبدادا واحتكارا للحكم لأزيد من عقدين، مما يعني أننا أمام نظام امتدت أذرعه الأخطبوطية لتحكم قبضتها على كل مقاليد الحكم ومفاصل الدولة الحساسة، أضف إلى ذلك أن رأس النظام شخص ذو تجربة بشؤون الدولة وقادم من المؤسسة الأمنية ووزير سابق للإدارة المشرفة عليها متمثلة في وزارة الداخلية التي جمع بينها وبين رئاسة الوزراء قبل أن يستولي على رئاسة الجمهورية، كما أن الظروف الجغرافية والسكانية لتونس أسهل على الضبط إذا ما قورنت بدول أخرى يفوق تعداد سكانها سكان تونس بكثير، وربما ضمت مدينة واحدة منها نفس عدد سكانها مجتمعين.

حدث كهذا لابد من الوقوف عنده لاستخلاص الدروس والعبر التي ينبغي أن لا تفَوّتها الشعوب وساستها ونخبها، خاصة إذا كان هذا الحدث موعدا مع التاريخ الذي لا يكشف في الغالب عن مواعيده.

الخلاصة الأولى: الاستبداد دثار لأنظمة الورق، ومصنع لنخب الملق

أظهرت السرعة التي انقلبت بها الأوضاع في تونس، خاصة إذا استحضرنا أن تاريخ الأمم وتحولاتها لا يقاس بالشهور أو حتى بالسنوات وإنما بالقرون، مدى هشاشة بنية الأنظمة التي لم تُقم أسسها على القواعد الشعبية، رغم ما يظهر من صولتها وبطشها وشدتها على الناس.

لكن ما الذي يجعل مثل هذا النظام قائما كل هذه السنوات، وهو يوهم الناس ويخيل إليهم أن عصاه السحرية تسعى في حين أنها لاتراوح مكانها، وإنما تهتز إلى الأعلى لتنزل على الظهور المستعبدة؟

لاشك أن للعصا الغليظة دورا في إرهاب الناس وإخضاعهم، لكن هذه الوسيلة الخطيرة وإن حققت الإخضاع وأرغمت الناس على الانصياع، فإنها لا تحقق الاستقرار، وأخطره استقرار النفوس على أمر ما والتسليم به والانقياد له ولو بعد أفول نجمه وضعف أمره. وهكذا شأن الاستبداد الذي قد تبدأ قوية شوكته، ثم ما تلبث أن تضعف أو تنكسر بعد ذلك، لكن يبقى أثرها في إحساس الناس ونفوسهم، فلا يحتاج المستبد بعد ذلك إلى غير الظهور بمظاهر القوة، وإن كانت حقيقتها قد ذهبت. حتى إذا أصاب النفوس من قوارع الواقع ما يزاحم قوارع الاستبداد وبطشه، تكشّف دثاره القاتم عن أنظمة ورقية مترهلة تعيش على استخفاف العقول، كما قال الله تعالى عن فرعون: فاستخف قومه فأطاعوه، وأوهمهم بقوله: أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي، وإن كان الناس لم يروها تجري من تحته، كما رأوها تجري من فوقه، فإن استخفافه بهم قد ربى نفوسهم على الخضوع والطاعة العمياء التي تكذب ما تراه وتصدق ما تسمعه من فرعون.

وما أجمل مقالة المفكر الفرنسي “أتين دي لا بويسيه” المعروفة باسم “العبودية المختارة” والتي جاء فيها: لست أبتغي شيئا إلا أن افهم كيف أمكن هذا العدد من الناس، من البلدان، من المدن، من الأمم، أن يحتملوا أحيانا طاغية واحدا لا يملك من السلطان إلا ما أعطوه، ولا من القدرة على الأذى إلا بقدر احتمالهم الأذى منه، ولا كان يستطيع إنزال الشر بهم لولا إيثارهم الصبر عليه بدل مواجهته).

وقال: إنه لأمر يصعب على التصديق أن نرى الشعب (الناس) متى تم خضوعه يسقط فجأة في هاوية عميقة من النسيان لحريته إلى حد يسلبه القدرة على الاستيقاظ. لا مناص من التسليم بأن سلطان الفطرة (الطبيعة) يقل عن سلطان العادة عملياً لنقل إذن إن ما درج عليه الإنسان وتعوده يجري عنده بمثابة الشيء الطبيعي).

هذا الذي ذكرناه عن حال الشعوب مع الاستبداد، وأشارت إليه مقالة المفكر الفرنسي، هو ما سماه مؤرخنا الكبير الذي لا تزال مآثره وأماكن دراسته وسكناه قائمة إلى يومنا هذا بالعاصمة التونسية حيث مسقط رأسه، منذ القرن الثامن الهجري، ابن خلدون رحمه الله تعالى، الذي سمى ذلك في مقدمته “دين الانقياد”، وهي حالة نفسية تنمو مع الزمن ويترسخ معها في عقائد الناس دين الانقياد لأصحاب الرئاسة والتسليم لهم، والاستماتة على أمرهم وطاعتهم كما يستميتون على عقائدهم الإيمانية، فلا يحتاج الحاكم بعد ذلك إلى كبير عصابة يثبت بها أركان سلطانه كما بين رحمه الله.

لكن في الحالة التونسية بلغ السيل الزبى، وكسرت شدة الواقع حواجز الخوف النفسي، فانكسرت معها بقية القيود.

كما أن من لوازم الاستبداد أن يحيط به نخبا يصطنعها لنفسه، ويسمع في مجاهلها صدى صوته، منبعثا من تحت عباءته، حتى إذا قال لهم: “لا أريكم إلا ما أرى”، أجابوه بلسان الحال: “ولا نريك إلا ما تريد”. أمثال هؤلاء من بطانة السوء يَضلون بالحاكم ويَضل بهم، فإذا هلاك بعضهم ببعض، وإذا هم يجرون الويلات للشعوب، لكن، ولله الحمد، قد تمرض الشعوب لكنها لا تموت إن هي عرفت ترياق الحياة.

أن يأتي الرئيس التونسي المخلوع ليعلن أمام الملإ أن المسؤولين المقربين منه كانوا يغالطونه، فهو عذر أقبح من زلة. فهل تنحصر مصادر معلومات الرئيس في جهة واحدة؟ أم هل ينبغي أن يكون الأمر كذلك؟ لا يعنينا هنا مدى صدق القول من عدمه، لكن ما نحن مستيقنون منه، وهو محل أخذ العبرة هو أن بن علي هو من تسبب لنفسه بذلك عندما أبعد الشرفاء الذين ينصحونه بالحق الذي لا يريد سماعه، وقرّب منه طغمة من المتملقين الذين لا يعرفون لغير مصلحتهم أي معنى، وقد أصاب من وصفهم في إحدى وثائق ويكيليكس “بالمافيا”.

وخلاصة هذه الخلاصة أبيات شعر من قصيدة نظمتها في المعنى نفسه وفيها:ومن سار بالعدل استقامت أموره *** ومن يقترف ظلما من الأمـر زالا
وإن عاش ألفا وهْو في تيهه ومن *** تجبره قد قال: طلت الجبالا
يوافيه أمر ربه فإذا به *** أحاديث تروى في الورى ومقالا

الخلاصة الثانية: الفرص التاريخية تحتاج إلى من يستثمرها ويحميها من السرقة

لاشك أن هَبَّةَ الشعب التونسي وما وصلت إليه فرصة تاريخية لا ينبغي إضاعتها، وأنها لحظة تؤسس لما بعدها.

انطلقت الانتفاضة بعفوية شعبية، غاب عنها التأطير السياسي، نتيجة السعي الممنهج من طرف النظام الحاكم إلى إقصاء كل المكونات السياسية والحد من دورها على الساحة، لكن الطبيعة البشرية لا تحتاج إلى تأطير لتتعرف على الظلم، كما أنها تنتظر أقرب فرصة لتدفعه عن نفسها، لكنها حتى وإن فعلت وساهمت في تقويض دعائم الباطل، فإنه يصعب عليها بدون تنظيم نفسها في تكتلات قوية أن تعيد بناء الحق.

وما نراه اليوم في تونس مكسب شعبي كبير، لكن التحدي الأكبر هو كيفية استثمار الحدث وحمايته من لصوص الفرص التاريخية، وهم أشد خطرا من لصوص الأعراض الدنيوية، لأنه في الوقت الذي يسرق فيه هؤلاء الأفراد، يسرق أولائك الأمة.

واليوم يحاول البعض في تونس ركوب المد الجماهيري والوقوف في مقدمة المحتجين، رغم أن عددا منهم لم يشارك حتى تبين له اتجاه موازين القوى بين الشارع والسلطة، وأصبحنا نسمعه من الآن يتحدث عن أنه ضحى وقدم الشهداء في سبيل الحرية، ولو سارت الأمور كما يريد لسمعناه يتحدث في القابل من الزمان عن أنه رائد الحركة الوطنية التي قاومت الاستبداد وأتت بالحرية للعباد، ونحن نرى أن الواقع ليس بالصورة التي يتحدث عنها، ولنا في استقلال الشعوب العربية من الاستعمار عبرة بليغة، حيث سرق جهادها ونضالها وانتصاراتها وحُوّلت عن المسار الذي أراده ذلك الرجل وتلك المرأة عندما وقفا وجها لوجه أمام المستعمر وأذنابه، والمثير للعجب أن الأذناب في أمثلة كثيرة قد صارت رؤوسا.

كما أنه لا ينبغي أن يسقط من الحسبان أنه ليس في الحالة التونسية مكون يستطيع أن يقود البلاد لوحده، فلا جدوى من التسابق إلى الصف الأول، وترك الفراغ قائما في كل الصفوف الأخرى حيث يقف أبناء الشعب لا يجدون لهم محضنا آمنا يعبرون من خلاله عن آمالهم، ويعالجون في ظله آلامهم، كما لا يجد المهرولون إلى الأمام من قوى الشعب من يمنع عنهم و يحمي ظهورهم ، فيَسهل القضاء عليهم، خاصة وأن بقايا النظام البائد لا تستسلم بسهولة.

لذلك لابد من الحذر أن تُسرق تضحيات الشعب وتقسم في الخفاء، بعيدا عن أعينه وفي غفلة منه، غفلة تساهم فيها نشوة النصر واستراحة المحاربين بعد عناء أولى جولات المعركة، وبذلك يكون قد وُضع الحجر الأساس لبناء ديكتاتورية جديدة.

ومما تجدر الإشارة إليه في هذا المقام أنه وحتى مع وجود أحزاب قوية في بلد ما، فإنه لا يمكن لأي منها أن يسير دواليب الحكم لوحده بل لابد لجميع المكونات أن تضع أرضية تتعاون بمقتضاها على تحمل أعبائه، وذلك لأن السلطة لا تكون حقا في مصلحة الشعب، إلا إذا نُظر إليها على أنها متاعب قبل أن تكون مكاسبا. والوحيد الذي ينبغي إقصاؤه هو الاستبداد.

والثابت اليوم أن الدول العربية ليست أحسن حالا من تونس، وأنها ليست في منأى عن يوم المطالبة بالحرية، لذلك فمن الحكمة أن يتداعى العقلاء من مختلف الأطياف السياسية لينقذوا البلاد العربية من المجهول الذي تسير إليه، والحكام كذلك مدعوون إلى مراجعة حساباتهم والتقرب من شعوبهم لأنها الملاذ إدا جد الجد.

ليس بالضرورة أن تتغير كل الشعوب بالطريقة التونسية، لكن لابد لها كلها أن تسعى ليكون لها ممثلون حقيقيون يعبرون عن مطالبها ويستثمرون تضحياتها ويحمونها من عبث العابثين.

الخلاصة الثالثة: الخارج مع من يصلح له، أما من أصابه العطب فلا حاجة إلى إصلاحه

لقد أثار مشاعر الرهبة من جلال الله تعالى في قلبي، منظر الطائرة التي تقل على متنها الشخص الذي كان يظن أن الأرض تزلزل من تحت قدميه، في حين أنه لم يعد يجد لهما موطئا يضعهما فيه.

فرنسا حليفة النظام إلى آخر لحظة تتجنب استقبال الرئيس المخلوع، وأمريكا تدعو الدول العربية لمحاربة الفساد ونشر الديمقراطية للمحافظة على الاستقرار وتجنب القلاقل، وتُحَيي في الشعب شجاعته، في مشهد مثير ينبئ عن أنه قد تم عصر البرتقالة وشُرب ماؤها، وطرح ما تبقى من القشور في مزبلة التاريخ.

لم يعد اليوم الاحتماء بالخارج مضمونا كما قد يُتوقع، ولم تعد أوروبا وأمريكا كالسابق، ولا ننسى أن الجاليات العربية في هذه البلدان قد أصبحت تسبب اليوم إحراجا أكبر لأصحاب القرار، بحيث أنه لا يهرب مستبد من شعبه بهذه الضفة إلا ويجدهم بالضفة الأخرى يقفون له بالمرصاد، والعبرة هنا أن من لفظه وطنه و طرده أبناء شعبه، فالضياع أولى به.

الخلاصة الرابعة: الاستهانة بالشعوب وهم خطير، وفهم إشاراتها درس كبير

أتصور أن يصير مثلا من الأمثال التي تنتقل بين الأجيال قولهم: “أبطأ من فهم ابن علي”.

أن يقف الرئيس المخلوع، بعد أن أُسقط في يده، واجمة عيناه، ليعلن في الناس أنه قد فهم أخيرا الرسالة التي لم تفلح كل وسائل اتصالاته أن توصلها إليه منذ عشرين سنة ونيّف، رغم أنه يعرف عنهم حتى من صلى منهم لله تعالى ومن لم يصل، ومن ترك الصلاة ومن لازال يصلي، ومن أطال لحيته ومن لم يطل، ومن غطت شعرها ومن لم تغط، ومن سُمع عنه أنه يفكر في ذلك أو سبق له أن فكر أو فكر أنه سوف يفكر، بل إنه من الوارد أن يُسجل عنك ما لم تفكر به لو كنت فكرت فيه… حقا إنه الخبال وأغلال ما بعدها أغلال، أن يحول البشر بين المرء وبين ربه ذي الجلال.

ومن العبر التي ينبغي أن يأخذها هنا كل مسؤول في عالمنا العربي، أن ينصت باهتمام لنبضات الشعب، وبنية الاستجابة للمطالب المشروعة، لا بِهَمٍّ استخباراتي كل مسعاه ضبط الوضع وإسكات الأصوات التي تجاوزت حدود المسموح وأرادت أبعد مما هو ممنوح، وقديما قيل: أول العلم الإنصات).

وقد أبانت انتفاضة الشعب التونسي رغم ما يعرف عنه من انفتاح وما يقال من وداعة، أنه من الغباء النظر إلى مطالب الشعوب وآرائها وتحركاتها على أنها آخر ما يلتفت إليه. فالشعب في تونس، هو من بدأ الانتفاضة وهو من سار بها لتصبح ثورة، وهو من تكفل بتبليغها للعالم، بوسائله الشخصية المتواضعة، لما خذلته وسائله العمومية الخاضعة، التي ظل مجبرا على أن ينفق عليها من قوت عياله، رغم أنه لا يشاهدها لا هو ولا حتى عياله، الذين ولّوا أبصارهم نحو ما يلبي حاجاتهم.

كما أن واقع القمع في العالم العربي جعل هذه الشعوب لا تصرح، في غالب الأحيان، بمطالبها، وإنما تكتفي بإرسال الإشارات، أو تغيير العناوين والشعارات، وإن كان العمق واحدا، ومن مصلحة الجميع أن تترك الحرية للتعبير، وأن تواجه الكلمات بالكلمات لا باللكمات، التي رأينا ما فعله تأثير واحدة منها، عندما أصابت كرامة الشاب التو نسي قبل أن تصيب خده.

ومن الإشارات القوية التي تجتاح اليوم كل عالمنا العربي أنه لم يعد يمكن الفصل بين المطالب الاجتماعية والاقتصادية وبين المطالب السياسية لأنهما لا ينفصلان، وكثيرا ما تكون المطالب الأولى غطاءا للثانية، فالسياسي هو من يرسم الطريق للاجتماعي والاقتصادي، خاصة في الدول العربية حيث السياسة والاقتصاد في يد واحدة.

معطى آخر قد ترسخه الانتفاضة التونسية في الضمير العربي، وهو أن سلوك النموذج التونسي في التغيير، قد يحقق نتائج أفضل مما يمكن أن يتحقق من خلال المراهنة على صناديق الاقتراع، وهذا وضع غير طبيعي ينذر بكوارث حقيقية إن لم تعط للشعوب الحرية في قول كلمتها بشكل سلمي، ومن خلال انتخابات حرة ونزيهة، يشارك الجميع في وضع قواعد إجرائها قبل خوض غمارها، مما يجنب الدخول في مواجهات يمكن تجنبها.

وختاما أهنئ الشعب التونسي وكل شعوب العالم التواقة إلى الانعتاق والحرية، وأنسج على منوال ما قاله: “الجنرال دوغول” بعد تحرير فرنسا من الغزو النازي، وإن كانت تونس لازالت لم تصل بعد إلى ما وصلت إليه فرنسا من التحرر، لكننا نستبشر أن ما وقع فيها هو صفحة من كتاب القدر الإلهي، الذي يسير وفق سنة الله تعالى في خلقه، نحو عزة الأمة كلها و تحررها من الظلم والطغيان. وأقول:

“تونس انتهكت، تونس استبيحت، تونس خربت، لكن تونس حررت، والحمد لله رب العالمين”.