يبدو أن تاريخ الأمة العربية والإسلامية تاريخ الأزمات والنكبات المتتالية، حتى صرنا نخلد أيام ومناسبات هذه النكسات لنزيدها تكريسا في الوعي العربي الإسلامي، وصرنا نشهد انقساما بعد آخر وننتظر التالي، ولا ندري متى تكون نهاية هذا الانفراط في عقد الأمة التي بات المتفرجون فيها أكثر من غيرهم. أزمات أنستنا سجلا حافلا بالمواقف البطولية، دونت الحضارة الإنسانية فصولها، وتربت عليها حضارات، وصبغت العالم بالطابع الإنساني، وصهرت في طياتها كل معاني المروءة والعزة والشرف والكرامة.

نكبات كاد الوعي العربي معها أن ينسى أنه كان، إلى يوم قريب، كمًّا مجموعا، عقدا متناسق الحبات، رغم كل ما قد يقال عن تلك الحقبة، أي قبل أقل من 90 سنة ليس إلا، وبتنا كأننا متفرقون منذ قرون وقرون. نكسة فلسطين، إلى أفغانستان إلى العراق إلى لبنان إلى السودان ولا ندري على من تدور الدائرة في المرة المقبلة، ولعل المواطن العربي يترقب ذلك لما يثخن جسم الأمة من جراح، ولاعتبارات عديدة مختلفة، يمكن أن نجمل أهمها في الآتي:

الاعتبار الأول: العامل الخارجي، الذي يستمد قوته وغطرسته من الوهن العربي الإسلامي؛ ففي عالم اليوم قوى استكبار عديدة مستعدة لتفعل المستحيل لحماية مصالحا ولكي لا يجتمع الجهد العربي. نعم، مستعدة للقتل والتعذيب والتمويل والتدريب و… والشاهد بغداد وغزة والضاحية الجنوبية وكوسوفا والشيشان وجوبا… إن هذه القوى ترى في تلاحم واجتماع الكلمة العربية الإسلامية تهديدا لمصالحه ومطامعه في السلب والنهب وسياسة “فرق تسد”. فالأمة العربية تملك من المقومات البشرية والموارد الطبيعية والمقومات الحضارية ما تملك به، إن تحررت الإرادات ورسمت على أساس المصلحة اختيارات الأمة وأحسن استثمار هذه المقومات، مفاتيح القيادة العالمية. لهذا نجد اليد الخارجية تتدخل دائما وعلى مراحل وفي أشكال مختلفة لتعبث بالأمن والدين والسياسة والاقتصاد وبث لدسائس والتعامل بالمعايير المزدوجة. ولعل “ويكيليكس” قد استطاع أن يكشف لنا جانبا من ذلك، والذي خفي أعظم. كل هذا يجد في الأمة العربية تربة خصبة، وبذور التبعية والاستجابة لا تحتاج إلا لمن يتكفل بسقيها.

الاعتبار الثاني: غياب النخبة العربية أو الطليعة المحركة والباعثة على الحركة والمشكلة للوعي العربي الإسلامي الفاعل والوازن، سواء النخب الفكرية أو العلمية أو الحزبية أو النقابية أو السياسية. إذ لا نجد إلا أشباه أحزاب وأنصاف علماء وأرباع مفكرين. ولا نعمم لأن التعميم لا يكون إلا من الحمقى والمجانين. قد نختلف في سبب غياب أو تغييب هذا الاعتبار لكن الحقيقة الماثلة أمامنا هي غيابها. ولا نشهد وجودها إلا ظرفيا أو كردة فعل على حدث لم يكن ليقع لولا غيابها، بمعنى غياب الموقف الاستراتيجي الواعي بالتحديات. أو ربما نشاهدها في حروب هامشية تذكيها نعرات ونزغات ما تلبث أن تثمر العوسج والعلقم لتتجرعه الأمة الإسلامية سما زعافا.

أقول إن مختف هذه النكبات لم نر معها بَعْدُ اكتمال النضج والبرنامج، فما معنى وجود علماء إذا كانت الشعوب تسبقها في الفعل والقول والحركة بآلاف الأميال في مضمار التدافع السياسي، والحضاري؟ وما معنى وجود أحزاب تدخل مجالس “الشعب” لتغير فإذا بها تتغير هي لتولي وجهها شطر الحاكم ومن يدور في فلكه؟ حتى إذا ما يئست صارت تارة تدخل إلى غمار الانتخابات وتارة تتراجع عن ذلك رغم أن الواقع هو هو لا يتغير ولا يرتفع.

ما معنى وجود أحزاب سياسية لا تملك مشروعا سياسيا؟ ما معنى وجود نقابات لا أثر لها في الواقع إلا على شكل بيانات، وتصريحات وخرجات إعلامية؟ لتترك المواطن البائس يخرج من غير سند ولا تأطير مطالبا بحقه في رغيف وشربة ماء وغطاء يقيه برد الشتاء أو لفح الصيف.

الاعتبار الثالث: ضعف، أو قل هو الموت السريري للأنظمة الحاكمة، التي اتخذت قرارها بأن تكون لغير شعوبها، وتتمسح بالأعتاب الأمريكية وغيرها طلبا للاحتماء، وحق لهم ذلك، لأنهم أذاقوا شعوبهم كل ألوان التفقير والتجهيل والتضييق والتعذيب والتنكيل، وكل معجم الإذلال والإهانة. وبالتالي فهم يعرفون جريمتهم في حق شعوبهم والمجرم لا يأمن على نفسه: “كاد المريب أن يقول خذوني”.

هذه الأنظمة التي تعض على العروش بالنواجذ، وتتوسل إلى ذلك بكل الطرق المشروعة وغير المشروعة، بسياستها- إن كانت لها سياسات- حاصرت وضيقت على أبناء الوطن الواحد وحاربت أصحاب الأفكار النيرة من الحركات والأحزاب المعتدلة في حروب استئصالية خبيثة، على مدى سنوات طوال، الشيء الذي سنح لأفكار التفرقة والتطرف وقوى التقسيم بأن يسطع نجمها وتجذب مزيدا من التأييد. ولأن الحياة والوجود لا يقبلان الفراغ فقد وجدت هذه الأفكار مكانا لها وصارت خيارا جذابا يفت في عضد الوطن والأمة، لتكون النتيجة ما تتلظى به الأمة من نيران الطائفية والعنف.

سننتظر تقسيما آخر بعد السودان، وسنشاهد نكبة أخرى ما لم تتنبه الأمة إلى حقيقة دائها لا أعراضه، سنشهد ذلك ما لم تتكاثف قوى الخير والغيرة على الأرض والعرض، وتضع لها منهاجا يصلح الفرد والجماعة، ويأخذ بسفينة الوطن والأمة إلى بر النجاة، سنكون كذلك ما لم تشملنا رحمة إلهية تجمعنا على الخير لنجمع الأمة والإنسانية على العدل والكرامة والحرية.