إن فرعون علا في الأرض، وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم، يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين، ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين، ونمكن لهم في الأرض، ونري فرعون وهامان وجنودهما منهم ما كان يحذرونالقصص/ 3-4 -5.

إن أهم ما فعله موسى عليه السلام ليستنقذ بني إسرائيل من استعباد واستبداد فرعون هو أنه اجتث من قلوبهم وعقولهم عقدة الخوف منه، ولذلك عندما آمن السحرة واجهوا فرعون بالقول الصريح الفصيح اقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا، ولسان حال الشعب التونسي في هذه الأيام وهو يواجه آلة القتل على يد نظام بنعلي هو كذلك اقض ما أنت قاض.

وليس من اليسير تصور مدى الرعب الذي زرعه نظام بن على مدار ما يقرب من ربع قرن بدون التنبيه على إجراءات التخويف والترهيب، واستخلاص الدروس، وكل ذلك يقتضي رسم أمور:

1- عندما انقلب بن علي على بورقيبة رفع شعار التغيير، وأصدر عدة قرارات لم تمس جوهر النظام، وأتاح حرية التعبير ليصُبَّ الناس جام غضبهم على سلفه، وسمح بتنظيم انتخابات أفرزت بروزا واضحا للإسلاميين الذين كانت تمثلهم “حركة النهضة”، كما نشط العمل النقابي الطلابي لا سيما المنظمة الطلابية “الاتحاد العام التونسي للطلبة”، ثم بعد ذلك ظهر أن النظام لم يكن صادقا في ما اتخذه من قرارات، بل كان هدفه هو تحديد حجم “التهديد” المستقبلي الذي يمكن أن تشكله معارضة حقيقية، فأيقن أن التحكم المريح بدون مُنَغِّصات يقتضي إزاحة راشد الغنوشي وأصحابه، فاستفرد بهم أمام تغاضي العديد من الأحزاب والقوى الغربية، وبَحَّ صوت “حركة النهضة” من كثرة التحذير من أن الدور سيأتي على كل معارضة حقيقية كيفما كان نوعها، فامتلأت السجون بالآلاف من السجناء الإسلاميين الذين تعرضوا لانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان من قبيل التعذيب ومصادرة الأرزاق، وعانوا من تصرفات النظام المهينة للكرامة الإنسانية.

2- أمعن النظام في ترسيخ “استبداد حداثي” قوامه تفريغ المعارضة الموجودة بعد التخلص من الإسلاميين من كل معنى يرتبط بالدفاع عن الحقوق السياسية والاقتصادية والثقافية للمواطن، وبناء البرامج التعليمية على سياسة تجفيف الينابيع أي تجنيب ذاكرة الأجيال التونسية الإحالة على أي شيء له صلة بالإسلام، ولا أوضح لتبيان هذا من ذكر مثالين اثنين للتدخل في ضمائر الناس:

المثال الأول: الإجراءات التنظيمية لولوج المصلين للمساجد، إذ جاء في تصريح صحفي لوزير الداخلية الأسبق الهادي مهني: أنه وعملاً بالسياسة القومية التي ينتهجها صانع التغيير -أي الرئيس بن علي- وسعياً منه لترشيد ارتياد المساجد ودفعاً للفوضى فان مصالح وزارة الداخلية ستقوم بتسليم كل من يتقدم بطلبها بطاقة تمكنه من ارتياد أقرب مسجد من محل سكناه أو من مقر عمله (إذا اقتضت الحاجة) فمن هنا وصاعدا:

– يتعين على كل تونسي الحصول على بطاقة مُصلّ وأن يودعها عند أقرب قسم شرطة أو حرس وطني وستحمل البطاقة صورة المصلي وعنوانه، واسم المسجد الذي ينوي ارتياده؛

– يتعين وجوبا على المصلي اختيار أقرب مسجد لمكان إقامته أو لمركز عمله، أما إذا كان المسجد المختار غير جامع فيجب على المصلي التقدم بطلب بطاقة خاصة بصلاة الجمعة؛

– يجب على أئمة المساجد أن يتأكدوا من أن جميع المصلين داخل قاعة الصلاة حاملون لبطاقاتهم؛

– يتعين على كل إمام طرد كل مصل لا يحمل بطاقة أو على بطاقته اسم مسجد آخر غير الذي يصلي فيه؛

– إن البطاقة شخصية ولا تجوز إعادتها ويمنع التنازل عنها للغير؛

– إذا قرر صاحب البطاقة الانقطاع عن الصلاة فإنه مطالب بتسليم بطاقته لأقرب مركز شرطة؛

– لكل مصل الحق أن يرتاد لأجل أداء صلواته الخمس مسجدا واحدا فقط، ما عدا الرخص الخاصة المسلمة في الحالات الاستثنائية من طرف السيد الوالي، فإذا كان المسجد لا يقيم صلاة الجمعة فانه يمكنه الحصول على بطاقة خاصة بصلاة الجمعة إذا ظهر له أن يطلبها؛

– يمكن للسياح المسلمين أن يطلبوا بطاقة مصل عند نقاط شرطة الحدود وبطاقة السائح المصلي هذه تكون صالحة لكل مساجد الجمهورية ويتم إرجاعها لشرطة الحدود قبل مغادرة التراب التونسي؛

– سيتم تزويد كل المساجد بآلات مغناطيسية لتسجيل الحضور، إذ يتعين على كل مصل تسجيل حضوره عند الدخول إلى المسجد وعند خروجه منه).

وبذلك تدخل النظام في أخص خصوصيات الإنسان التونسي وهي علاقته بربه سبحانه، وكان يكفي الوقوف عند هذا المثال فقط لبيان قدر الاستبداد والقمع اللذان سلطا على الشعب التونسي.

المثال الثاني: أما الحجاب فهو في عرف وزير الشؤون الدينية التونسي دخيل ونسميه بالزي الطائفي باعتبار أنه يخرج من يرتديه عن الوتيرة، فهو نشاز وغير مألوف ولا نرضى بالطائفية عندنا، ثم إن تراجع هذه الظاهرة واضح لأن الفكر المستنير الذي نبث كفيل باجتثاثه تدريجيا بحول الله)(كذا)، ولذلك حرمت الملايين من نساء تونس من حقها في حرية اللباس.

3- ما من شك في أن المرأة هي مستضعفة المستضعفين،مما يستدعي الأخذ بيدها نحو التحرر الحقيقي الذي يتجاوز كل أشكال “الاجتهادات” الفقهية التاريخية المنحبسة والمتحيزة ضدها، وكل أشكال المسخ الحداثي والاستلاب والذوبان في النموذج الغربي، ولطالما قُدم النظام التونسي كنموذج للدول العربية الإسلامية التي أقرت قوانين “جِريئة” لصالح المرأة من قبيل منع التعدد، إلا أن النظام التونسي لم يكن في الحقيقة يريد من ذلك غير “تأنيث” المجتمع (لأنه يعتقد أن المرأة كائن ضعيف)، وتعميم “الضعف” على المطالب الاجتماعية والسياسية، وخيبت الانتفاضة الأخيرة ظنه فانبرت المرأة التونسية لتحتج على جوهر المشاكل التي تعاني منها تونس، والمتلخصة في غياب العدل في الحكم وتوزيع الثروة، ولم تفلح إجراءات النظام المتحررة على صعيد قانون الأسرة ثنيها عن الاحتجاج، وتبين مع مرور الزمن أن تلك الإجراءات ما كانت إلا “رشوة” ليضمن بها أصوات “نصف المجتمع” ليتفرغ للنصف الآخر بسياسة الترغيب والترهيب والعصا والجزرة.

4- وقُدِّم النظام التونسي أيضا على أنه نموذج للتنمية الاقتصادية، ونموذج لتدفق الاستثمارات، ونموذج للاستقرار السياسي، حتى أن وزراء الداخلية العرب اعتادوا على عقد جل اجتماعاتهم الأمنية في تونس، وسُوقت صورة وردية عن الأوضاع، ولكن شيئا فشيئا بدأ يتضح أن الذي كان ينمو هو ثروة بن علي وزوجته الثانية وعائلتهما والوسطاء والسماسرة والمتسلقين والمتملقين، وأن الاستثمار كان يسمح به لقاء النسبة المعلومة “للعائلة”، وهو ما أثبتته وثائق “ويكيليكس” عندما قالت إن الرئيس التونسي محاط بمافيا، وكان الأمر يحتاج منها إلى تعديل طفيف فتقول هو الذي يسير المافيا، مما وسع من دائرة الفقر والبطالة، وأسفرت تدابير تحصين النظام لامتيازاته عن نشوء دولة أمنية مخابراتية:

– ففي سنة 1988 أثبتت التحريات تورط الأخ الصغير (36 سنة) لليلى (زوجة الرئيس) مع ابن أخته سفيان الطرابلسي في تجارة المخدرات؛

– في اجتماع لمجلس الوزراء تقرر محو الفوائد على ديون بلحسن الطرابلسي المستحقة والمقدرة بنحو 54 مليون دينار تونسي، أي ما يعادل 45 مليون دولار، وبلحسن هذا هو أخ زوجة الرئيس، وفي إطار عمليات خصخصة شركات القطاع العام تمكن بلحسن من تملك شركة النقل، وهو الممون لكل مواد الأشغال العامة؛

– ناصر الطرابلسي أخ زوجة الرئيس تخصص في احتكار استيراد اللحوم إلى تونس؛

– وتخصص منصف الطرابلسي الأخ الأكبر لزوجة الرئيس في استيراد المواد الغذائية من غير أن يدفع إلى أجهزة الجمارك أية ضرائب عن كل المواد التي يستوردها؛

– ويسيطر إخوة الرئيس بن علي وأخواته وأبناء عمه ويسيرون قطاعات ومؤسسات حساسة ومدرة لأرباح خيالية.

5- شدت انتفاضة التونسيين إليها أنظار العالم، ولم يكن أحد يتوقع المستوى المتقدم الذي بلغته، لأن حجم تعمية النظام على حقيقة الأوضاع كان كبيرا بشكل دفع الشاب محمد البوعزيزي إلى الإقدام على إحراق نفسه لما أهين وهو المعطل المتخرج من الجامعة، لتندلع بعد ذلك انتفاضة التونسيين رافعة شعارات الكرامة والحرية والشغل، ووجهت بقمع شديد وإطلاق الرصاص على المتظاهرين بدم بارد، فجاوز عدد الشهداء التسعين “من قتل دون ماله فهو شهيد”، وعدد الجرحى الألف، وإمعانا في التجاهل والهروب إلى الأمام خرج الرئيس على الناس بخطابين لم يتورع فيهما عن الاستخفاف بالعقول لما أدرج التظاهر في خانة العمل الإرهابي، واعتبر المتظاهرين مجرد متطرفين ومجموعة من الملثمين، وأصدر قرارات التفافية كإقالة وزير الداخلية، وجاء الرد سريعا، فانتقلت عدوى الاحتجاجات إلى مدن أخرى، والتحقت بها مختلف شرائح المجتمع من طلبة وتلاميذ وفنانين ومثقفين ومحامين، وتناهت إلى أسماع المسؤولين المتحصنين في القصر الرئاسي أصوات المنتفضين، واستمر إطلاق الرصاص الحي، ودخلت قوات الجيش إلى المدن الكبرى.

6- تولت وسائل الإعلام والإنترنت والمواقع الاجتماعية فضح جرائم النظام وإطلاع الناس على مجريات الأحداث أولا بأول، فاضطر الرئيس إلى إلقاء خطاب ثالث اشتمل على مجموعة من الوعود، أبانت عن محاولة لركوب الموجة، واستعمال لغة المعارضين، والتنصل من مسؤولية إطلاق النار بادعاء حصوله على معلومات مغلوطة من مقربيه، وأقال مستشاره السياسي والناطق باسم الرئاسة، وخرج الشعب مرة أخرى لرفض إجراءاته والمطالبة برحيله، وإيقاف المجزرة، فقرر حل الحكومة والدعوة إلى انتخابات مبكرة، وازداد الضغط الخارجي الذي عُوِّم في تصريحات محتشمة من قادة فرنسا وأمريكا وألمانيا تندد “بالاستعمال المفرط للقوة” و”بالاستعمال غير المتكافيء للقوة”، أي ليس هنالك اعتراض على استعمال القوة بتوجيه بضع رصاصات، ولكن الاعتراض على الإفراط في ذلك فقط، وهي نفس العبارات التي كان يتم بها التنديد بالجرائم الإسرائيلية في حق المدنيين الفلسطينيين واللبنانيين، والأكيد أن الهدف من الاقتصاد في عبارات التنديد هو عدم إضعاف الرئيس التونسي الذي أبان عن تبعية كلية للدوائر الغربية لاسيما فرنسا.

7- لقد بدا النظام التونسي قبل الانتفاضة منتشيا بتمكنه من الإخضاع الكامل للتونسيين، حتى استيأس الناس حتى إذا استيأس الرسل وظنوا أنهم قد كذبوا جاءهم نصرنايوسف/110، ورددت الألسن والتقارير والصحافة أسماء وزارة الداخلية ومستشاري الرئيس لتحديد أطراف عملية الإخضاع، فبالنسبة لوزارة الداخلية أرغم تطور أحداث الانتفاضة على إقالة المسؤول عنها، وهي خطوة غير كافية بالنظر إلى أمثلة في بلدان مجاورة تم فيها عزل وزير الداخلية كالمغرب ثم سرعان ما تجددت أساليب “سنوات الرصاص” في التعامل مع المعارضين المبدئيين، فأوغل الكثير من المسؤولين المتنفذين والقريبين من الحكم في نهب المال العام والحصول على امتيازات بغير وجع حق، وتناقلت الصحافة الوطنية، وتقارير الجمعيات الحقوقية أنباء الاختطافات، والتعذيب الذي تعرض له مجموعة من المواطنين، وانهالت الهراوات على المعطلين ذوي الشهادات العليا المحتجين لسنوات أمام البرلمان، وبالنسبة للمستشارين فإن هؤلاء أصبحوا يشكلون “حكومة الظل”، وصار بإزاء كل وزارة مستشار، وتُتخذ القرارات لا على أُسس برنامجية واضحة، أو رؤية وإستراتيجية متكاملة، بل على أساس “تدبير اللحظة” والعداوة المجانية للمعارضين بناء على وشايات كاذبة وتقارير تخلق “فوبيا” من المعارضة، وإن أحداث تونس درس لكل الذين يتجاوزون القوى المجتمعية التي تمارس تلك المعارضة من موقع القوة الهادئة والسلمية والمبدئية، ولا شك أن الكثير من القيادات العربية والإسلامية الشائخة أو المبتدئة في طريق العلو والاستكبار تحس بأن الأرض تتزلزل من تحت أقدامها، ولذلك سيعمل الكثيرون على عرقلة التغيير في تونس لأنه لا يراد لانتفاضتها أن تكون مثالا يحتذى من العرب والمسلمين.

8- إن رسالة الشعب التونسي قد وصلت وبدأ مشوار الإطاحة بالمفسدين، وأبانت الأحداث أن التونسيين قد تمنَّعوا على كل محاولات تحويلهم إلى بشر يتلذذون بالخضوع، وتأبوا على كل المخططات التي رامت عزلهم عن الحركية العامة للمجتمعات، كما أعطوا المثال للدول العربية والإسلامية لما يمكن أن يفعله شعب دولة صغيرة، اعترته غضبة فطرية شديدة على الظلم فنهض للمطالبة بحقوقه مهما كلفه ذلك من دماء، وهو مدعو إلى الحذر من أن يسرق ركاب الموجة انتصاراته، فيستبدلوا دكتاتورا بدكتاتور، ففي تاريخ جل حركات التحرر الوطني سرقت النخبة المُغَرَّبة الانتصار من المقاومات الشريفة التي افتدت الأرض والعرض والعقيدة بدمائها، ولم يقتصر الشعب التونسي على المطالب الاجتماعية فتعداها إلى المطالب السياسية مدركا جوهر وأصل المشاكل كلها، ومثبتا أنه ليس بالخبز وحده يحيى الإنسان، وتغنى بأبيات الشابِّي التي قالها يوما لإذكاء جذوة النضال في شعبه لمواجهة المستعمر القديم، واليوم نزل إلى شوارع تونس لتقويض بنيان المستعمر الجديد:إذا الشعب يوما أراد الحياة *** فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلـي *** ولا بد للقيد أن ينكسـر