وإن كان ليل تونس لم ينجلي بعد، وصبحها القريب الموعود بخضاب دماء شعبها الثائر في وجه طاغوتها الكبير، هذا الصبح لم يُطلق سراحه إلى الآن بقايا حكم الجور والجبر هناك، بقايا نظام بن علي الفاسد البائد الجالسون إلى الآن في كراسيهم الحكومية والأمنية والمخابراتية يسارعون في جولتهم الأخيرة هاته عبر خرجاتهم الإعلامية وقراراتهم غير الدستورية وأيضا عبر حملات فرق الإجرام والإرهاب لترويع المواطنين العزل والالتفاف بأية وسيلة متاحة لهم محاولات ماكرة وسعي محموم لسرقة هذا النصر الشعبي التونسي التاريخي، جهد حثيث يعاكس إرادة الشعب وعجلة التاريخ لإرجاع الظلم والاستبداد إلى سدة الحكم من جديد.

إن حدث هروب الدكتاتور بن علي من تونس فارا بجلده هذا الجنرال الدموي أشبه الحكام العرب سيرة ببينوشيه الرهيب، هروب هذا الطاغية العربي الكبير مع أسرته المتواطئة معه في الإجرام والفساد على عجل لا يلوي على شيء هائما بطائرته ذليلا صاغرا يتسول مكانا يأويه بعيدا عن غضب شعب شامخ صمم على أن يسترد كرامته وحريته بثورة سلمية عظيمة سماها الشعب التونسي ثورة الياسمين، هذا الحدث الاستثنائي الذي نشاهد فصوله اليوم لم ينهي دولة الظلم بتونس بعد، نعم الحدث زلزال سياسي كبير، باب الإصلاح الحقيقي والتغيير السياسي المنشود بالوطن العربي يفتح الآن على مصراعيه بتونس وبإرادة وتصميم شعبي غير مسبوق أذهل العالم، الشعب التونسي خسف أخيرا برئيسه المستبد الظالم بن علي وأطاح به إلى غير رجعة، وهو الآن في تحد ومسعى لا يقل خطورة وأهمية أيضا للإطاحة بكل المتورطين والمسؤولين وبقايا النظام البائد بلا استثناء ولا تنازل أو تهاون.

قفزة محمد الغنوشي الدستورية، رئيس حكومة بن علي الحاكم العربي الهارب، جاءت بلا توفيق ورجع العجوز حاسرا لم يعمر في كرسي الرئاسة سوى سويعات كأنه لم يكن رئيسا ليحاول من باب تكليفه بمهام تشكيل حكومة جديدة من طرف رئيس الدولة الجديد والمؤقت فؤاد المبزع، فرق وعصابات وزارة الداخلية التونسية ذراع بن علي التي طالما نكلت بالشعب التونسي تحركت وبشكل فوري ومسعور لكنه منظم علها تربك حركة التغيير السلمية هاته بحملات ترويع وقتل واختطاف ونهب للمواطنين، هدف هذه المجموعات السائبة من إحداث هذا الفلتان والفوضى الأمنية واضح لكل المراقبين، محاولة أخيرة لحرق واقع جديد اسمه أرض عربية حرة وأيضا مجتمع العدل المنشود الذي يولد اليوم يجب أن يوأد وقبل الميلاد وبأي شكل بتونس الخضراء حقا ليس بزيتونها فحسب ولكن بثورتها التي أزهرت بلون الياسمين نعم تونس الياسمين!.

معركة الكرامة هاته التي يخوضها الشعب التونسي الأبي لم تكن لتُحسم لصالحه -رغم تصاعد محاولات بقايا النظام البائد- لولا وقوف الجيش بشكل إيجابي من هذا التحول الديمقراطي الكبير.

مواجهة مصيرية غير مسبوقة، شعب عربي يثور سلميا ويقوم بنفسه أخيرا لا ينوب عنه أحد لنيل حق تقرير مصيره، هذا الشعب التونسي البطل يواجه اليوم فلول نظام ديكتاتوري بإرادة لا تلين وهو على ما يبدو يعرف جيدا أعداءه الحقيقيين ويصر على منعهم من الاستمرار بالعبث ببلادهم من غير حسيب ولا رقيب.

الحقيقة الأهم التي أفرزها حدث تونس الياسمين هو أن المجتمعات العربية قادرة اليوم على التغيير وتطهير بلدانها من الفساد والظلم من غير وصاية ولا خسائر جسيمة خلافا لما يروجه إعلام حكامنا العرب، والمثال تونس اليوم وثورة الياسمين التي أشعل شرارتها عمليا المواطن التونسي محمد بوعزيزي بجسده قبل أسابيع.

لننظر إلى صمام الأمان وطوق النجاة ومفتاح الانعتاق الأوحد لشعوبنا العربية قد أظهره للعالم كله الشعب التونسي العظيم، إذا لم يقف الشعب بنفسه لتغيير أوضاعه ولم يملك زمام مصيره بيده إذا لم يطلقها في وجه المستبدين به صرخة شجاعة ويدا واحدة صامدة تتحول تدريجيا إلى قومة شعبية شاملة تكسر أصنام العرب الجدد حكامها الطغاة، فنماذج الفشل الشعبي العربي لكسر حصار الحرية المضروب عليها ستتكرر للأسف من جديد، تماما كما حدث بالعراق وقبله موريتانيا والجزائر، واليوم السودان الذي يتمزع قطعة قطعة وفي صمت وهدوء شعبي مثير وعاجز.

الشعب التونسي أنجز مهمته الآن وبنجاح باهر أشعل الأمل في انفراج سياسي شامل وقريب وأيضا قابل للتحقيق بوطننا العربي، بقيت الآن مهمة طرفين أساسيين آخرين لإنجاح الثورة التونسية، هامين للغاية ويحملان المفاتيح المتبقية لتحقيق العدالة الحقيقية والمنشودة ببلدنا الشقيق تونس، أولا الفاعلون السياسيون والحقوقيون التونسيون الشرفاء، خصوصا من المعارضة، التي وقفت بكل أشكال النضال في وجه بن علي وزبانيته ودفعت من أجل ذالك آلاف الشهداء والمنفيين، الطرف الثاني والأساسي هو مؤسسة العسكر التي سهلت رغبة الشعب التونسي في خلع بن علي ووقفت في وجه أجهزة وزارة الداخلية التونسية وأجندتها المكشوفة لتعطيل وإفشال ثورة الياسمين.

هو حلم عربي كبير واحد على الأقل يتحقق اليوم بتونس ويصبح واقعا يراه العالم أجمع، يبقى خلفه ما يربو على عشرين حلما عربيا آخر حبيس حصار أنظمتنا العربية. فمتى تتحقق كل أحلامنا العربية الكبيرة؟

جواب عند المواطن العربي وحده ولا أحد سواه.