بسم الله الرحمن الرحيم

وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه ومن والاه

جماعة العدل والإحسان

الدائرة السياسية

المجلس القطري

ملخص التقرير السياسي 2009- 2010

I – مدخل عام

يغطي هذا التقرير المرحلة الممتدة بين دورة المجلس القطري للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان الرابعة عشرة المنعقدة في أكتوبر2009 والدورة الخامسة عشرة المنعقدة في يناير 2011.

وكعادتها كل سنة، تقدم الدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان تقريرها السياسي أمام المجلس القطري، تعرض فيه مبادراتها وتفاعلها مع مستجدات الساحة المحلية والدولية في مجالات العمل السياسي العام، الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والحقوقية والتضامنية والإعلامية، للتقييم والتقويم بغية رصد المكاسب لتثبيتها وتقويتها، وكشف مكامن الضعف أو القصور أو الخطأ للعمل على تجازوها. كما يقدم هذا التقرير تقييم الدائرة السياسية لأداء السلطة السياسية ومعالجة قضايا الشأن العام، واقتراح مداخل حلول.

إن هذه السنة كسابقاتها أكدت بما لا يدع مجالا للشك أن حالة المغرب يغلب عليها العبث السياسي واتساع دائرة التراجعات. كيف لا والقرار والفعل السياسيان ما يزالان محتكرين من قبل القصر، والحكومة تتخبط في تدبير سياسات عمومية لا تستجيب لانتظارات المغاربة مقابل إهدار الملايير من أموال الشعب، والبرلمان معطل عن أدواره المؤثرة، والأحزاب شبه مغيبة، والمجتمع المدني مهمش، والحركة الإسلامية مضيق عليها في العمل الدعوي والسياسي والاجتماعي.

لقد عرفت هذه السنة، بشهادة المراقبين والتقارير المحلية والدولية، اشتداد الأزمات الاجتماعية، وتزايد التراجع في مجال حقوق الإنسان، واستشراء الفساد في جل القطاعات… وكل هذه مؤشرات على أن الوضع بالمغرب بلغ من الخطورة ما يفرض تعبئة شاملة لكل قوى البلاد تداركا لما يمكن تداركه قبل فوات الأوان.

في ظل هذه الأوضاع استمرت جماعة العدل والإحسان، بحمد الله وفضله، في صلب الأحداث بكل وسائلها التربوية والدعوية والسياسية والاجتماعية رغم القمع والحصار الشديدين المسلطين عليها بهدف إقصائها عن دائرة التأثير في مجريات الأحداث. وإن كان من عنوان يمكن أن يسم أداء جماعة والإحسان في هذه المرحلة فهو ” الثبات والصمود”:

• ثبات على موقفها المعارض لنمط الحكم الاستبدادي المهيمن.

• وثبات على موقفها بمقاطعة عبث المشاركة في الانتخابات في ظل دستور يشرع وواقع يؤكد صورية المؤسسات وعدم فعاليتها.

• وثبات على الحضور في معترك الفعل السياسي داخل المجتمع، رغم جميع المضايقات، بمبادرات تربوية وسياسية واجتماعية تعضد بها جهود الضمائر الحية في بلدنا، سعيا إلى إنقاذ البلد من الخطر المحدق الذي يسوقه إليه الحاكمون من خلال سياسات فاسدة في معظم المجالات.

• وصمود أمام ألوان القمع والاضطهاد والانتهاكات التي تمارسها السلطة منذ شددت حربها الشعواء على جماعة العدل والإحسان في ماي 2006، والتي استعملت فيها لحد الآن أخس الوسائل وأحقرها، آخرها اختطاف قياديين من جماعة العدل والإحسان بمدينة فاس في رد متهور على افتضاح وفشل محاولة جديدة من محاولات النظام المستمرة لاختراق الجماعة والتجسس عليها أو التأثير في مسارها.

ومن خلال قراءة تقييمية تقويمية لمجمل منجزات الجماعة خلال هذه السنة يسجل أنها عرفت في العموم تطورات هامة، لكن بالمقابل تم رصد ثغرات ونقائص يلزم تداركها في المقبل من الأيام والبرامج.

II – الوضع العام في المغرب

“المغرب يتحرك”، شعار من الشعارات البراقة التي روجتها الآلة الدعائية الرسمية والأبواق المنتعشة في الأزمات والمآسي، وصدقها المواطن الذي ضجر من الأزمة وطول الانتظار، فأصبح قابلا لتصديق أي شيء يبشره بغد أفضل، لكن بعد انقشاع سراب الدعاية وتصاعد غبار التوترات الاجتماعية، يبرز السؤال: هل المغرب يتحرك فعلا، وفي أي اتجاه؟

التقارير الرسمية تتغنى بالتقدم في مجالات التشغيل والتعليم والصحة…! وتزعم هذه التقارير أن البطالة في المغرب تراجعت هذه السنة عكس ما عرفته أقوى البلدان في ظل الأزمة العالمية من تراجعات حادة ! وتجزم بأن التعليم عرف قفزة نوعية وأسهم في تراجع معدلات البطالة! وتدعي أيضا تحسن مؤشر استفادة المواطنين من الرعاية الصحية! كما تشتغل الآلة الدعائية المرافقة للجولات “التدشينية” مروجة لاستفادة مشاريع التنمية في المناطق القروية والجبلية من الدعم بزيادات مهمة في الاستثمارات ! ناهيك عن الحديث غير المنقطع عن آلاف المشاريع تحت مسمى المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وآلاف المستفيدين من جنتها الغناء !!!

كل هذا وسط كم هائل من الخطابات الرسمية من جميع مستويات السلطة لبث الطمأنة وإشاعة التفاؤل والمسارعة إلى تكذيب أي حديث عن سوء الأوضاع الاجتماعية وعن الـتأثر البليغ للمواطن بالارتفاع المهول لكلفة العيش.

وإذا نظرنا بتجرد إلى كثير من تلك المبادرات في شتى المجالات، والتي تتحدث عن محاربة الفساد والقطع مع كل سلبيات الماضي والانخراط في مسار التنمية والتحديث وترسيخ أسس دولة الحق والقانون، وتعزيز مسلسل الإصلاح والدمقرطة، فلا يمكن نكران إيجابيتها. لكن ينتصب السؤال الملح والحقيقي والواقعي؛ ما مدى نجاح هذه المبادرات والبرامج ومدى فعاليتها في الإقلاع التنموي للمغرب؟ وما مدى انبعاثها من إرادة سياسية حقيقية للإصلاح والتنمية ؟

بالجواب الدقيق والصادق عن هذه الأسئلة نخلص إلى أن الطابع العام لجل هذه المبادرات يغلب عليها تفرد القصر، كما يطبعها الإعداد المتسرع والمرتجل من التشخيص إلى التخطيط فالتنزيل فالمتابعة، ومن أخطر مثالبها الميزانيات الضخمة المرصودة لهذه المشاريع مع عدم وضوح وشفافية سياسة تمويلها، وضعف إشراك كفاءات القطاعات المعنية وأطرها، وتهميش الفاعلين الاجتماعيين، والمحسوبية الصارخة في تفويت هذه المشاريع للشركات الاستثمارية، والاعتماد المفرط على مساهمة القطاع الخاص فيها مع ما في تخلي الدولة عن دورها كمنظم ومسير ومراقب من مخاطر…وكلها مظاهر خلل واضحة.

ولاستيضاح هذه الخلاصات نعاين واقع أهم المجالات الحيوية بالمغرب لنمحص حقيقة شعار “المغرب يتحرك”.

1. في المجال السياسي: استمرار الاستبداد بالحكم

كانت هذه السنة حلقة أخرى من سنين الاستفراد المطلق بالحكم والإمعان في تركز السلط الأساسية السياسية والاقتصادية والاجتماعية والدبلوماسية في يد واحدة.

وقد أنتج هذا الوضع مزيدا من الأزمات منها ما استفحل ومنها ما استجد، ونخص بالذكر هنا الفراغ السياسي القاتل الناجم عن جمود المؤسسات ” المنتخبة”، جمود ذاتي بحكم تركيبة تلك المؤسسات لأنها من جهة تفتقد للمصداقية الشعبية، ومن جهة ثانية لأنها مشكلة من ضعف مركب لخليط من الأحزاب التي لا جامع بينها. وبالمقابل سيادة الارتجال الرهيب في سياسات الجهات المستبدة بالقرار والفعل السياسيين مما ينتج بشكل طبيعي ما يعيشه البلد من فوضى وتخبط ومزاجية وسياسات ينقض بعضها بعضا مما يهدد الاستقرار ويجعل البلد على صفيح من القلاقل الكامنة والتي لا يعلم إلى أي مدى ستصمد غابات الشعارات الكثيفة في إخفاء الحقائق المرة الكامنة؟ إن لم يعد أصلا لهذا السؤال محل أمام موجات الغضب والاحتجاج الآخذة في التوسع بشكل يدعو إلى كثير من القلق أمام الكوارث الناجمة عن أوضاع مماثلة في دول الجوار.

ونذكر أيضا مشكل الصحراء الذي وصل درجة حادة من الارتباك والارتجال والمتاهات السحيقة بفعل استمرار المستحكمين في الاستفراد به وإقصاء الشعب وقواه عن أي دور مؤثر في الملف، وقد كشفت الأحداث الأخيرة عن حجم الكارثة والفشل الذريع في إدارة الملف سواء على المستوى الدبلوماسي أو الاقتصادي والاجتماعي مما أصبح يشكل تهديدا حقيقيا لاستقرار المغرب.

كارثة لا يمكن تصور الخروج منها من غير تحرر القضية من يد الاحتكار الرسمي المطلق، ومن غير إعمال مقاربة شمولية تستحضر برشد كل أبعاد القضية سياسيا واجتماعيا واقتصاديا وهوية. نقول الرشد لأن ما يطغى اليوم هو الطيش وردود الأفعال المتوترة غير المتزنة وهذا ما يجني على بلدنا في كافة المجالات.

ويبقى من أهم صور البؤس السياسي الإصرار على ادعاء الديمقراطية في المغرب وسلطة الانتخاب، والحال أنه في الوقت الذي تشكل فيه الانتخابات في البلاد الديمقراطية مناسبة لتقييم السلطة والتداول عليها، فإنها في المغرب لا تشكل إلا عاملا إضافيا لشرعنة احتكار الجهات غير المنتخبة، وهي الحاكم الحقيقي، لكل السلط، فيما تبقى المؤسسات المنتخبة صورية، دون الخوض طبعا في طبيعة هذه الانتخابات على الصيغة المخزنية التي أصبح الخائضون فيها لا يجدون أدنى حرج في أن يقروا بفسادها ويتعايشون معها وينتعشون منها. وإن المهازل الصارخة ل “قبة” البرلمان العبثية و”حقائب الوزارات” الفارغة من أية صلاحيات وما ينتجان من كل صور البؤس والانحطاط السياسيين لأبسط شاهد على أكذوبة الديمقراطية المخزنية، في حين أن الشواهد الساطعة من الوضوح ما يغني عن تلك التفاصيل؛ فأية ديمقراطية مرجوة في ظل دستور ممنوح يقر بفردانية حكم يمسك بقبضة من حديد بكل السلط والصلاحيات والثروات؟

ومما يزيد في تردي الوضع السياسي حالة عدد من الأحزاب السياسية التي فقدت كثيرا من قوتها بعد سقوطها في فخ توريط النخب الذي دأب عليه النظام المغربي لإفقادها كل مصداقية عند المواطنين. وما عزوف المغاربة عن المشاركة الانتخابية إلا تعبيرا عن الفجوة العميقة بين الأحزاب والشعب وأزمة الثقة بينهما.

وفي الوقت الذي ينبغي أن يكون الوجود في مؤسسات الحكم عامل قوة وتطور، فإن صورية هذه المؤسسات في المغرب يجعل منها عامل إضعاف، وانغلاق السلطة المستفردة بالحكم يجعل التعددية عقيمة، لأنها في غياب الارتكاز على نتائج قوية لصناديق الاقتراع ترهن مجمل عمل الحكومة والبرلمان بحتمية التوافقات مما ينجم عنه إضعاف للعمل الحكومي ولقدرته على الاستجابة للتحديات المجتمعية.

وبالتالي تبقى محورية الملكية هي سمة النظام السياسي المغربي مع ما يترتب عنها من تهميش وتغييب لباقي أطراف العملية السياسية، واختزال أدوارها في مباركة المبادرات الفوقية وتنفيذ التعليمات المرعية… واقع يطرح مفارقة التوفيق بين متناقضين لا يدعي أحد، سوى النظام المغربي، القدرة على الجمع بينهما: الصلاحيات المطلقة للقصر ومطلب تحقيق الديمقراطية.

وفي مقابل هذا الاستبداد المطلق يعمد النظام إلى كبح كل أشكال المعارضة السياسية والرأي الحر والمنافسة الاجتماعية.

وتتجلى أهم صور هذا الكبح في التضييق الهائل على أبرز مكونات المعارضة، وفي طليعتها جماعة العدل والإحسان لما تشكل من دعوة صريحة إلى الحل الجذري المتمثل في إعادة بناء النظام على أسس عادلة، وكذا الحركات والمنظمات والجمعيات التي تعارض النظام في جوهر بنيته أو في بعض أهم أسسها، وإن كانت هذه الحركات قليلة مع الأسف بفعل انجذاب باقي المكونات التقليدية للمعارضة إلى مربع السلطة الوهمي.

ومن الصور البارزة للتضييق أيضا استمرار الدولة في “الإبداع” لمزاحمة الحركة الإسلامية في حقول فعلها الاجتماعي والتربوي و”الديني”. ومع ذلك تبقى الحركة الإسلامية في عمومها، من خلال مؤسساتها وبرامجها، في قلب المجتمع اقتراحا وفعلا وتأطيرا وتفاعلا مع القضايا الوطنية وقضايا الأمة، بأنشطتها الخاصة والأنشطة التنسيقية بينها ومع باقي مكونات المجتمع المدني، كالحركات الاحتجاجية على القضايا الاجتماعية، والوقفات التضامنية مع قضايا الأمة.

ومن ذلك أيضا ما تقوم به الدولة من “إصلاح ديني” مزعوم ليس له من هدف عميق غير حصار الحركة الإسلامية، خاصة جماعة العدل والإحسان، وتثبيت الأسس الشرعية لنظام يصر على التمسح بها في الوقت الذي يعمل ويعمد إلى تقويضها في المجتمع بشكل ممنهج من خلال رعاية وإشاعة الانحلال والتفسخ في المناهج التعليمية والإعلامية والثقافية، في مقابل ضرب حصار شديد على الدعاة والعلماء والمساجد وإشاعة صورة مشوهة للإسلام هي أقرب إلى الطقوس المحنطة والخرافات وأبعد ما تكون عن روح الإسلام الحنيف، وفي ذات الوقت تعمل السياسات الثقافية والإعلامية الرسمية على سلخ الناس عن أخلاق الإسلام بإنتاج ورعاية برامج ومناسبات وفضاءات الرذيلة بكل أصنافها من تفسخ أخلاقي ومخدرات ودعارة وقمار وغيرها.

وضع سياسي بهذا التعقيد هو أكبر من أن تعالجه مطالب جزئية من قبيل التعديل الدستوري أو القانوني في ظل نفس المنظومة وبإدارة نفس الأيادي وبنفس منطق المنح والتكرم. الوضع في حاجة ماسة لعلاج جوهري منطلقه عمل مشترك بين كل ذوي المصداقية والفضيلة والأثر بعيدا عن عقلية الفرض والإملاء والإقصاء والقدسية البشرية، وهدفه تغيير جوهري في بنية النظام يقطع ما كل ما يمت للاستبداد والتفرد بصلة.

2- في المجال الاقتصادي والاجتماعي: تواصل احتكار الثروة وسوء تدبيرها واستفحال المعاناة الاجتماعية

لعله من المفارقات العجيبة لنظام الحكم أن تابعنا مكابرته في إنكار التأثر بتداعيات الأزمة المالية العالمية، وكأن الأمر يتعلق فعلا ببنية اقتصادية قابلة لأن تدخل في المعادلة، والحال أن بنية الاقتصاد المغربي بلغت مستوى من الهشاشة المركبة تستحيل معها أية مقارنة من الأصل.

فماذا ترك احتكار الحاكمين مصادر الثروة للأزمة المالية الطارئة من مجال للتأثير بعدما أعملوا فيها، على مر العقود السالفة، كل عوامل النهب والتهريب والتبذير؟

وضع كهذا لا يمكن إلا أن يعمق تدهور الحالة الاقتصادية العامة، ويزيد في تردي مستوى معيشة الأسر والأفراد، مما ينعكس على الوضع الاجتماعي لعموم أفراد الشعب، في مقابل التزايد الصاروخي في الاغتناء الفاحش للقلة المغتنية باحتكار مصادر الثروة وأهم مجالات الإنتاج والتسويق، المحمية باحتكارها لأدوات السلطة.

وهكذا نسجل أنه خلال السنة المنصرمة ازدادت معاناة الشعب المغربي بسبب الغلاء الجنوني لأساسيات المعيشة بالموازاة مع تدهور حاد في الخدمات الاجتماعية العمومية والتسيب المضطرد في الخدمات الخصوصية. ولندرك حجم المعاناة الشعبية يكفي أن نعرف أن 50% من الأجراء محرمون من التغطية الصحية والاجتماعية، وأن 30% من ساكنة البوادي وهوامش المدن محرومة من الكهرباء، و20% محرومون من الماء الصالح للشرب، وسكان المدن يرزحون بين مخالب ما يسمى بالتدبير المفوض المنفلت من الرقابة الجدية بتواطؤ مع من يفوتون تلك التفويضات.

أما معدل الفقر بالمغرب فقد بلغ نسبة 31.8 % بمعيار دليل الفقر البشري. وتلحق بهذا معضلة البطالة؛ ففي الوقت الذي تقدر التقارير الرسمية معدل البطالة على المستوى الوطني ب 9.1 في المائة، سنة 2009 فإن تقرير التنمية البشرية يحدد نسبتها في 16 بالمائة، معتبرا أنها تشكل أحد مصادر انعدام الأمن الاقتصادي والاجتماعي. وأيهما كان دقيقا فإنه يؤكد أن البطالة ما زالت تمثل تحديا جديا أمام الاقتصاد المغربي خاصة وأن الدولة تراهن كليا على القطاع الخاص، وعلى رأسه الشركات الأجنبية، لتوفير مناصب شغل لمئات الآلاف من المواطنين؛ مع تجاهل تام للمشاكل التي يتخبط فيها هذا القطاع منذ عشرات السنين والاستغلال البشع الذي يطال العاملين فيه في غياب أي ضمانات للاستقرار الاجتماعي والاقتصادي. كما أن استشراء الرشوة والمحسوبية وفساد القضاء وتعقد المساطر الإدارية، كلها عوامل تعطل جلب الاستثمارات وسياسة التشغيل الذاتي وتعمق آفة البطالة.

و هذا ما يؤكده تقرير البنك الدولي حول مناخ الاستثمار بالدول لسنة 2010 الذي صنف المغرب في الرتبة 128، وهي رتبة جد متأخرة عن كثير من الدول العربية.

أما الدخل الفردي فقد صنف البنك الدولي المغرب في الرتبة 136 عالميا من بين 213 دولة.

و حسب “المندوبية السامية للتخطيط”، فإن 20 في المائة من الأسر التي تتوفر على أكبر المداخيل تحتكر 53 في المائة من الكتلة الإجمالية للمداخيل، و20 في المائة من الأسر التي تتوفر على أقل المداخيل تتقاسم 5 في المائة من الكتلة الإجمالية لهذه المداخيل.

أما على المستوى الأمني فالمغرب يصنف ضمن البلدان التي تعرف درجة عالية من انعدام الأمن تفوق % 30.

ومما يذكي هذه الأوضاع المزرية الفساد المعشش في كثير من الإدارات والمسؤوليات والمسؤولين، وقد جاء تقرير المجلس الأعلى للحسابات لهذه السنة ليؤكد حالة النهب والسلب والفساد الذي تعيشه مؤسسات البلاد. وقد احتل المغرب المرتبة 89 عالميا في مؤشر إدراك الرشوة لسنة 2009 أي بتراجع يقدر بتسع نقط حسب منظمة الشفافية العالمية. وهذا التقهقر يشمل المستوى العالمي والعربي والقاري. وقد تراجع المغرب ب 44 رتبة من المركز 45 سنة 1999 إلى 89 سنة 2009. وجل التقارير تفضح حجم الفساد الذي ينخر جسم المغرب في الإدارة والمجتمع وفضاء الانتخابات والمجال الاستثماري.

ومن لوازم الفساد التفشي المهول للرشوة، فقد أضحت داء بنيويا ينخر جسم بلدنا وضريبة إلزامية للحصول على الوثائق الإدارية وإنشاء المشاريع أو قضاء المصالح الخاصة في جميع المجالات.

ورغم رفع شعار الحكامة الجيدة وترديده بمناسبة ومن دونها من قبل المسؤولين فإن الرشوة والفساد لا يزدادان إلا ذيوعا. وكل المؤشرات تؤكد مزيدا من تغلل الفساد في ظل تغييب الشفافية واستحالة مساءلة الجهات النافذة التي تنتهي إليها المسؤولية عن استحكام كل أشكال الفساد وعائداته.

وهذا ما جعل المغرب يستمر في السقوط المدوي على سلم التنمية البشرية حيث صنفه تقرير البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة سنة 2009 في الرتبة 130 متراجعا عن السنة التي قبلها بأربع درجات. أما انعكاسات هذه الوضعية الخطيرة فتقع بالمباشر على المواطن حيث اتساع رقعة الفقراء، واشتداد الخناق على الفئة العريضة من الموظفين والأجراء متوسطي ومحدودي الدخل، مما جعل أغلبهم يستجير بالرمضاء من النار باللجوء إلى الاقتراض البنكي الذي أدخل معظمهم في مآسي أخرى اجتماعية وأسرية ونفسية.

هذا دون أن ننسى واحدة من معضلات الاقتصاد المغربي وهي استمرار الدولة في اعتماد اقتصاد الريع. فملايير الدراهم ما تزال تضيع مع استمرار نظام الرخص والامتيازات لصالح ذوي النفوذ وشخصيات كبيرة في الدولة في غياب الموضوعية واحترام قواعد الشفافية والتنافسية. إن اقتصاد الريع يكرس التوزيع غير العادل للثروات وينهك خزينة الدولة والاقتصاد المغربي، ويؤثر سلبا على المجال الاجتماعي بتنامي الهجرة السرية وارتفاع نسب الفقر والبطالة والدعارة.

كل المؤشرات إذن تنطق بهول الأزمة الاجتماعية التي يتخبط فيها المغرب وغياب العدالة في توزيع الدخل الوطني وضعف المعالجة الجدية للأزمات التي تعانيها الفئات الفقيرة والمتوسطة والثرية على حد سواء، وتفضح زيف التصريحات الرسمية المبشرة بتحسن المؤشرات الاجتماعية بالمغرب.

3- وضعية التعليم: جريمة مع دوام الإصرار

لم يعد بإمكان النظام المغربي أن يغطي الواقع المتردي الذي تعيشه المنظومة التعليمية المغربية نتيجة فشل السياسات التعليمية منذ الاستقلال، وعلى رأسها ما سمي بالميثاق الوطني للتربية والتكوين والذي حذرنا كما حذر أطر التعليم وخبراؤه من نتائجه عند صدوره من خلال دراسات علمية منشورة. وها نحن بعد نهاية العشرية الأولى من عمر هذا الميثاق نحصد تلك الكوارث التي حذرنا منها نتيجة تطبيق إملاءات المؤسسات المالية الدولية وسوء تدبير الدولة. وبعد الإقرار الرسمي بفشل الإصلاح، نجد الدولة عوض فتح نقاش مجتمعي لتشخيص الواقع والانخراط في خطوات تشاركية لإنقاذ الوضع التعليمي، تصدر “برنامجا استعجاليا” انفراديا جعل معظم الفاعلين التربويين يفقدون الثقة في جدواه. وقد وضع تقرير البنك الدولي بتنسيق مع البنك الإفريقي للتنمية، بلادنا في المرتبة 73 عالميا من خلال سلم التنافسية الدولية وذلك برسم سنة 2009-2010، منبها إلى المراتب الأخيرة التي تحتلها بلادنا في بعض القطاعات الاجتماعية وعلى رأسها التعليم وراء دول جد فقيرة.

وتبقى الأمية من أهم مؤشرات رداءة التعليم، حيث تبلغ نسبتها في المغرب أكثر من 50 % باعتماد الأرقام الأكثر تفاؤلا رغم جهود منظمات المجتمع المدني في مجال محو الأمية والتربية غير النظامية، ورغم الأعطيات الدولية بملايين الدولارات لدعم السياسة الرسمية في مواجهة الأمية، فإن طموح تقليص نسبة الأمية إلى 10 في المائة سنة 2015 و5 في المائة في أفق عام 2020 يبقى ضربا من الخيال في غياب وضوح ودقة إستراتيجية الدولة في معالجة هذا الملف.

فأزمة التعليم بالمغرب أزمة بنيوية مركبة يتداخل فيها ما له علاقة بالمشروع المجتمعي والرؤية الاستراتيجية، وما يتعلق بأشكال التدبير والإدارة، وما يرتبط بطرائق التأطير والتكوين، وإشكالات المناهج والبرامج…وإن الشرط الأساس لإصلاح التعليم بالمغرب يتمثل في ضرورة وجود الإرادة الحقيقية للإصلاح وما يتطلبه ذلك من إشراك جميع المعنيين، والانطلاق من مشروع مجتمعي يرتضيه الشعب ويتوافق مع هويته ويستجيب لطموحه في النهوض والتحرر والكرامة والحرية، ورد الاعتبار لرجال ونساء التعليم..

4- حقوق الإنسان: قمع في كل الاتجاهات

مثلت هذه السنة صفحة أخرى سوداء في سجل الانتهاكات الخطيرة المتواصلة لحقوق الإنسان بالمغرب. وإن اتساع دائرة الانتهاكات اليومية لحقوق المغاربة تكشف بالملموس زيف الشعارات الرسمية حول دولة الحق والقانون وتؤكد أن منح الحريات ليس خطابات تدبج وتلاك في نوادي القوى الدولية المانحة، إنما هو إرادة صادقة لتغيير سياسي عميق يبنى على غير أركان الاستبداد المطلق، لأن ما بني على استبداد لا يمكن أن ينتج إلا قهرا، ومتى كان الاستبداد يرعى الحريات وهي من أهم نواقضه!؟

وهكذا فقد واصل النظام انتهاكاته السافرة لحقوق كثير من المنظمات والجمعيات والجماعات والأشخاص، وتنوعت هذه الانتهاكات بين السلب الكلي لكثير من الحريات وبين التضييق عليها. وسلب الحريات في المغرب لا يقتصر فقط على المعارضين إنما يشمل حتى من يوجدون في كنف النظام، ولعل وضع هؤلاء أشد لأن المعارض إن كان يقمع فلأنه يحتفظ بإرادته وينطلق منها في المدافعة لتوسيع مجال سيادة الإرادة الشعبية، أما الموجودون في كنف السلطة فهم أشد ضحايا سلب الحريات لأن إرادتهم مسلوبة كليا لصالح الرأي الوحيد والقرار المنفرد وسلطة القدسية البشرية.

وهكذا اشتد، هذه السنة، التضييق على حرية التنظيم والتجمع والتعبير والصحافة. وتجسد ذلك في اتساع دائرة المحرومين من حق تأسيس الجمعيات ورفض تجديد التصريح للمؤسس منها. وشمل ذلك مختلف مجالات العمل الجمعوي الخيري والثقافي والتربوي والرياضي والاحتجاجي والتنموي. وتبقى النسبة الكبرى من هذه الخروقات تمس الجمعيات التي يعمل فيها أعضاء من الجماعة. أما التظاهر السلمي فأصبح مقرونا في الأغلب بالقمع الشديد، وسجل ذلك في الاحتجاجات على غلاء المعيشة، واحتجاجات الأطر العليا المعطلة، واحتجاجات العمال المطرودين من عملهم والنقابيين والوقفات التضامنية مع قضايا الأمة.

ومن أبرز مظاهر الانتهاكات لحقوق الإنسان تواصل الاعتقال السياسي، ويبقى أبرزها الإصرار غير المبرر على إبقاء المعتقلين السياسيين الخمسة في السجن بأحكام جائرة قاسية، والتعنت في التراجع عن الأحكام الظالمة في كثير من الملفات العشوائية لما يسمى بمعتقلي السلفية الجهادية. أما الاعتقالات الواسعة في صفوف أعضاء جماعة العدل والإحسان فهي متواصلة من دون انقطاع وتعتبر من أوسع ملفات الاعتقال السياسي سواء بالنظر لكثرتها، حيث شملت الآلاف، أو شمولها لمختلف مدن المغرب، أو تعدد مجالاتها والمستهدفين بها من قياديين، خاصة ملف الأستاذة ندية ياسين الذي يراد له أن يبقى مفتوحا، والملفات الكثيرة لعضوي مجلس الإرشاد الأستاذان محمد عبادي ومنير الركراكي، ومن نساء وأطفال ومختلف الحيثيات الاجتماعية.

وقد بلغ مجموع المعتقلين من أعضاء العدل والإحسان خلال السنة الفارطة 1008 معتقل من بينهم 182 امرأة و15 قاصر. ليصل مجموع معتقلي الجماعة منذ استعار الحملة عليها في ماي 2006 حتى الآن إلى 7014 معتقل.

ويبقى أبرز هذه الملفات خلال هذه السنة ملف مختطفي العدل والإحسان بفاس الذين اختطفوا يوم 28 يونيو من السنة الماضية وتعرضوا لأشد ألوان التعذيب في أقبية الفرقة الوطنية بالدار البيضاء. واستمر اعتقالهم ستة أشهر شهدت كل ألوان العنف من قبل السلطات أثناء جلسات المحاكمة في حق العائلات والمؤازرين والصحافيين. كما عرف الملف إجماعا حقوقيا وطنيا ودوليا على مساندة المعتقلين والدفاع عنهم في المجالات المجتمعية والحقوقية والسياسية والقانونية بشكل يستحق كل عبارات التنويه والتقدير، مما أعطى مؤشرا قويا على تفاهة الملف، كما يؤشر على الإمكانية الواقعية الكبيرة لالتقاء الفضلاء والغيورين على ما يصلح حال بلدنا وشعبنا. وقد انتهى الطور الأول من القضية بتبرئة تامة لمعتقلي العدل والإحسان اعتبرها الجميع كسبا كبيرا لكل العائلة الحقوقية والمجتمعية التي تبنته ولكل المنافحين عن حقوق وحريات الشعب المغربي.

وقد تعددت التفسيرات لخلفيات هذا الحدث ومنها من ذهب بعيدا في التفاؤل به، وإن كنا نتفاءل مع المتفائلين بكل ما من شأنه أن يشكل ضوءا وسط المدلهمات التي يغرق فيها البلد انطلاقا من حرصنا على أمن واستقرار بلدنا، فإننا انطلاقا من معطيات الواقع اليومي لا نلمس ما يدل على أن الأمر يتعلق بخيار للتعامل مع كل قضايا الرأي والحريات، وفي مقدمتها باقي ملفات العدل والإحسان المتعلقة بعشرات المحاكمات والبيوت المشمعة والمنع من التجمعات الخاصة والعامة… وملف المعتقلين السياسيين الخمسة وكثير من ملفات ما ينعت بالسلفية الجهادية.

كما عرفت السنة اشتداد الخناق على الحق في التعبير وحقوق الصحافة تمثل ذلك في محاكمة عدد من الصحافيين والمدونين انتهى بعضها بالحبس ومصادرة الصحف والغرامات المالية القاسية.

وقد انعكست هذه الأوضاع السيئة في تقرير منظمة مراسلون بلا حدود الذي صنف المغرب في الرتبة 127 عالميا في مؤشر احترام حرية الصحافة لسنة 2010 من أصل 175 دولة.

أما إذا وسعنا المجال إلى عموم حقوق المواطنين فإن الانتهاك فيها وصل درجة الاستشراء العصي على الحصر والعد. ويتجلى ذلك أساسا في استمرار التعامل التسلطي مع المواطنين وقضاياهم سواء في الإدارات حيث تفشي الابتزاز لقضاء الأغراض الإدارية، أو المحاكم حيث الإنصاف والعدل أعز وأنذر، ناهيك عن مخافر الأجهزة الأمنية حيث التعذيب هو العملة الغالبة في التحقيق وصياغة الملفات، أما السجون وأحوالها البئيسة فهي أبعد ما تكون عن فضاءات لبشر.

أمام وضع بهذه الحدة والسوء فإنه لا أمل في إرساء دولة الحق والقانون بالشعارات الجوفاء دون مراجعة شاملة للبناء العام للنظام بمنظومته السياسية والإدارية والقضائية، والتفعيل الحقيقي لرقابة الشعب بمؤسساته المجتمعية.

5- انعكاسات الوضع العام بالمغرب: بين الانفجار والكمون

إن أوضاعا سياسية منحبسة، وظروفا اقتصادية متدهورة، وحالة اجتماعية قاهرة لهي التفسير المباشر لما يعانيه المغرب من استشراء ظواهر خطيرة في صفوفه كالتعاطي للمخدرات، والسقوط في فخاخ الدعارة والسياحة الجنسية، والهجرة السرية للقاصرين، وتشغيل الأطفال، وأطفال الشوارع، وتفشي الأمراض الخطيرة. هي ظواهر تجسد انحرافا اجتماعيا خطيرا ناتجا عن تدني الأوضاع على جميع المستويات وعن غياب إرادة سياسية واضحة وشمولية لمواجهة تلك الظواهر والحد منها.

ومن أبرز المظاهر الانتشار الكبير للجريمة، حيث بلغ معدل الجرائم التي ترتكب شهريا بالمغرب 28 ألف جريمة، 65 % منها ترتكب تحت تأثير الخمر أو المخدرات، وهي صورة تعطي الشعور للمواطن بالفقدان التام للأمان.

ثم آفة التسول، وهو نتيجة مباشرة للفقر والمشاكل الصحية، وتستفحل هذه الظاهرة في الجنسين ومن مختلف الأعمار، وتتطور أساليبها يوما بعد يوم.

أما المخدرات فيسجل اتساع شبكات المتاجرة في كل أنواعها، وأصبح المغرب يعتبر منطقة عبور نحو أوربا. ومن حين لآخر يكشف عن تورط أطر عليا وموظفين سامين في هذه التجارة. وينتج المغرب 30 إلى 40 مليون لتر من الخمور سنويا، يوجه أغلبها للترويج الداخلي، كل هذا والمغرب بلد مسلم له قوانين تمنع بيع الخمور للمسلمين!

وكنتيجة مباشرة للانسداد السياسي وسوء الأحوال الاقتصادية والاجتماعية اتساع دائرة الاحتجاج على هذه الأوضاع. وهكذا فقد عرفت خريطة الاحتجاجات الاجتماعية توسعا ملفتا سواء كانت الاحتجاجات مؤطرة من قبل النقابات أو الساكنة المهمشة.

فقد شهدت العديد من مناطق المغرب احتجاجات اجتماعية ضد التهميش أو للمطالبة بتوفير بعض الخدمات الأساسية التي بدأت تعرف شحا ونقصا واضح المعالم. كما انتشرت الإضرابات القطاعية بشكل كبير في جل القطاعات، خاصة القطاعات العمومية المؤثرة كالتعليم والصحة والجماعات المحلية والمالية والعدل.

ودائما يكون القمع هو الأسلوب الغالب في التعامل مع الاحتجاج كما حدث مع عدد من مدن الصحراء والحسيمة وورزازات وتنغير… ناهيك عن القمع الممنهج الذي تعرض له الطلبة في الجامعات المغربية والمعطلون المعتصمون بالرباط في محطات متعددة هذه السنة.

ويكون هدف الدولة دائما في التعامل مع هذه الملفات الثقيلة والحساسة هو الإخماد عوض المعالجة الجذرية، وليس كل ما أخمد قد انتهى، ولا أخطر على أي بلد من كمون المعضلات.

وإزاء هذه الأوضاع الصعبة تحرص جماعة العدل والإحسان، ضمن باقي الحركات والقوى والشخصيات الصادقة، على الوقوف في وجه الاستبداد والفساد، وتبذل كل الجهود إسهاما مع الفضلاء في التأسيس لمغرب أفضل، رغم أن جهودا كبيرة مماثلة تبذلها الجماعة في الدفاع عن نفسها ضد من يعملون بالليل والنهار لعرقلتها ومحاولة إشغالها بذاتها عوض توجيه كل اهتمامها للبناء في المجتمع.

ومع كل هذا يسجل حضور الجماعة في التحركات الشعبية المركزية والمحلية، من مظاهرات ومسيرات ووقفات واحتجاجات على الأوضاع الاجتماعية وعلى انتهاك الحريات العامة وخرق حقوق الإنسان، أو المناسبات التضامنية مع قضايا أمتنا الإسلامية، أو التي تنظم لمناهضة موجة الغلاء الفاحش للأسعار أو للتنديد بالفساد الإداري وسوء تدبير الشأن المحلي وهشاشة البنية التحتية التي تفضحها الفيضانات لثلاث سنوات على التوالي. وغالبا ما تواجه هذه التحركات بالقمع المخزني الشديد.

ويتجلى ذلك أيضا في التزايد الكمي والمجالي والجغرافي لحضور وفعل أعضاء الجماعة في الهيئات النقابية والنسوية والشبابية والحقوقية.

وتحرص الجماعة دائما على أن يكون مجمل فعلها في المجتمع ضمن الإطارات المجتمعية التشاركية والتعاونية، وذلك انسجاما مع اقتناعها بضرورة العمل المشترك لتحقيق البناء السليم والمتين والنافع والدائم. وفي هذا الصدد نسجل حصول تطور مهم في التواصل والتنسيق والتعاون مع مكونات المجتمع المدني والسياسي والإسلامي بالمغرب رغم استمرار المخزن في عرقلة كل محاولات الجماعة للتواصل والانفتاح بغية عزلها والتعتيم على مشروعها.

ونسجل بكل ارتياح تطور مساحة ومجالات التواصل والتعاون بالمقارنة مع السنوات الفارطة. وهم ذلك الأنشطة المركزية والمحلية سواء في المجالات المتعلقة بالقضايا الشعبية المجتمعية أو بقضايا الأمة. وبالرجوع إلى مجمل أعمال القطاعات (النقابي والنسائي والشبابي) والهيئة الحقوقية والهيئة المغربية لنصرة قضايا الأمة نلمس التطور النوعي والكمي في المجال، وما وصلت إليه العلاقات في كثير من الملفات، وكان وآخرها ملف معتقلي العدل والإحسان بفاس، كل ذلك يعتبر مؤشرات هامة ودالة لمستقبل أفضل.

وبالموازاة مع ما تقوم به الجماعة من أدوار الضغط للحد من آثار الاستبداد فإنها تستمر في إيلاء أهمية معتبرة لمجال الاقتراح، ويظهر ذلك في استمرار المكاتب التخصصية للجماعة في تطوير المشاريع التفصيلية للمشروع العام للعدل والإحسان في مختلف المجالات السياسية والقانونية والفنية والثقافية والتربوية، وأيضا من خلال حضور الخبراء والمتخصصين من أبناء الجماعة في كثير من مجالات الخبرة والتخصصات الميدانية والدراسية المجتمعية.

III – خلاصة: إلى الميثاق الوطني قبل فوات الأوان

كل المؤشرات السالفة تؤكد عدم إمكانية إخراج البلد من وهدته السحيقة إلا بحوار وطني صادق جدي وبناء. المطلوب اليوم، قبل غد، التأسيس لحوار وطني تشارك فيه كل القوى السياسية من أجل النظر العميق، وليس الشكلي، في جوهر البناء السياسي للبلد. حوار واضح أمام أعين الشعب دون خطوط حمراء، ودون إقصاء لأي طرف سياسي. حوار يتجاوز أجواء عدم الثقة التي كرسها المخزن بكل الوسائل والأساليب، إذ استطاع التشويش على العديد من المبادرات ويجهضها. حوار يؤسس لميثاق جامع بين كل الفاعلين ويوحد جهود كل الغيورين على هذا البلد لإيجاد مداخل التغيير من أجل غد أفضل لبلدنا الحبيب.

فهل نكون أذكى ممن لم يلجأوا إلى الحوار والائتلاف إلا بعد أن أوصلهم الارتهان للاستبداد السياسي والتسليم له إلى كوارث سياسية واجتماعية واقتصادية ساحقة ممزقة؟

صودق عليه في الدورة 15 للمجلس القطري

للدائرة السياسية لجماعة العدل والإحسان

السبت 10 صفر 1432 الموافق 15 يناير 2011