لا شك أن ما أنجزته القدرة الإلهية في تونس على أيدي شعبها البطل بفئاته وشرائحه المختلفة لهو مشهد تاريخي عظيم بكل المقاييس، إذ استطاع الغضب الشعبي أن يسقط الرئيس بن علي أحد رموز الاستبداد المقيت في المنطقة العربية ليغادر البلد هاربا من الصوت المزمجر للفئات الاجتماعية المهمشة التي خرجت في الأيام الأخيرة من سنة 2010 لتؤسس نهاية حلم مزعج راود التونسيين في ليلهم الطويل طيلة ثلاثة وعشرين عاما من حكم بن علي وقبله بعقود الرئيس بورقيبة.

لا نريد في هذه المقالة أن نبسط مسار الأحداث المتسارعة في تونس منذ إقدام الشاب المعطل البوعزيزي على إحراق نفسه إلى غاية مغادرة الرئيس بعد ساعات من خطابه الأخير. بل نريد أن نقرأ الدلالات السياسية الكبرى في ثنايا الأحداث المتسارعة يوما بعد يوم، خاصة وأن النموذج التونسي كان لفترة طويلة محط إعجاب مراكز القرار الغربية وبعض النخب السياسية العلمانية في عالمنا العربي.

1. رسائل الأسطورة التونسية

حملت الأيام الأخيرة معطيات جديدة في مسار الاحتجاج الشعبي غير المسبوق في منطقتنا العربية، وهو الاحتجاج السلمي القوي الذي أطاح برمز كبير من رموز الاستبداد في التاريخ العربي المعاصر، وبأسطورة النظام العربي المتماسك ضد الهزات الشعبية.

وفي هذا السياق، نود أن نستخلص جملة من الرسائل التي كتبتها دماء التونسيين الأبطال الذين قرروا مواصلة المظاهرات في ربوع تونس الخضراء على امتداد الأسابيع السابقة.

• أولى هذه الرسائل السياسية هي تجديد فكرة قدرة الشعوب العربية المسلمة على إسقاط الأنظمة المستبدة عبر الاحتجاجات السلمية وليس عبر الانقلابات العسكرية كما حدث في التجربة الموريتانية. ولا ريب أن الحدث التونسي قد خيب ظن من ظلوا يسخرون من مفهوم القومة في الفكر السياسي لجماعة العدل والإحسان المغربية أو مفهوم القدرة الاحتجاجية الشعبية في الخطاب السياسي القومي واليساري (حركة كفاية، حركة 6 أبريل في مصر..).

• ثانية هذه الرسائل تؤكد ان ليست الأنظمة المستبدة بمعزل عن يد القدر وسنة الله في إهلاك القرى الظالم أهلها، مهما تطاولت جذورها في أوصال ومفاصل مجتمعاتنا، ومهما استقوت عليه بأجهزة الأمن والمخابرات والجيش وجحافل المنافقين.

• ثالثتها هي تأكيد حقيقة تفاوت إيقاع النخب السياسية والمدنية من جهة، وإيقاع الجماهير المحرومة المنفجرة في مجتمعاتنا المفتتة من جهة أخرى. فقد بدا من خلال التجارب السياسية المتتالية أن الأحزاب والمؤسسات السياسية العربية المعارضة لا تأخذ زمام المبادرة في الوقت المناسب إذ شاهدنا تباطؤا في تحرك المعارضة التونسية أمام تسارع الأحداث، وكان من المفروض أن تبادر إلى إعلان خطوة سياسية في الوقت المناسب بتزامن مع ما مبادرات النظام التونسي ورموزه كإعلان حكومة إنقاذ أو ما شابه بدل متابعة خطاب بنعلي قبل يوم أو استيلاء الوزير الأول على السلطة.

• الرسالة الرابعة هي سقوط الوجه الحقوقي للمؤسسات الغربية الرسمية وعلى رأسها فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية.. أثبتت التجربة التونسية أن الغرب يمهل المستبدين أياما وأسابيع للإجهاز على روح الصمود والمواجهة لدى شعوبنا، ولا يأبه للدماء والتضحيات المبذولة إلا حينما يتهاوى وكلاؤه وحراس مصالحه.

2. محاذير.. لبناء المستقبل

إن ما وقع في تونس الخضراء على أيدي وسواعد الشعب التونسي الكريم يبعث على التفاؤل والحذر معا لكيلا يتم السطو على التضحيات الجسيمة، ولكيلا يسرق اللصوص ثمارها اليانعة.

علينا نحن معاشر الإسلاميين والقوميين وجميع الغيورين على مستقبل بلادنا العربية وثرواتها ورصيدها البشري والقيمي، أن نكون حرصاء لعدم تفويت مثل هذه الفرص التاريخية النادرة.. ولهذا وجب التنبيه إلى ما يلي:

• إن نخبنا السياسية والمدنية العربية مدعوة لتجنب تكرار تجربة 7 نوفمبر 1987 التي انقلب فيها الرئيس المطرود بنعلي على سلفه بورقيبة، وادعى حينها تمسكه بإطلاق الحريات وتنظيم الانتخابات النزيهة واحترام سيادة الشعب.. لكنها سرعان ما انقلب على إرادة الشعب وزج في السجون بمعارضيه الإسلاميين أولا ثم العلمانيين لاحقاً. على الأحزاب السياسية والمؤسسات والشخصيات العربية ألا تعتمد فقط على الوعود الشفوية، وألا تترك المسؤولين يستفردون بالبعض، ويهيجون طرفا ضد طرف.

• نحن مدعوون أيضا إلى تجنب التدبير الأحادي للملفات والقضايا الكبرى المرتبطة بمصير أمتنا، بل يتوجب علينا أن نؤمن بضرورة التدبير الجماعي للمرحلة مهما كلفنا من تنازلات وتضحيات من قبل جميع الأطراف.

• لا يتم التأسيس الجماعي للمستقبل السياسي إلا على أساس التعاقد المكتوب والمعلن أمام مكونات الشعوب وشرائحها ومستوياتها، لأن هذه الأخيرة لا تخرج بأرواحها إلى الشوارع عبثا، ولا تعرض الأمهات فلذات أكبادها لنيران الرشاشات والدبابات لتنقلب السلطة الجديدة عليهم جميعا بضربة لازب. يتعين إذن على التونسيين أولا وعلى باقي النخب العربية ثانيا أن تتحرر من الموروثات السلبية لتنجز ميثاقا سياسيا واضحا يقطع مع ماضي الاستبداد ويفتح آفاق التداول الديمقراطي وفق مراحل ومهمات لا لبس فيها. والله المستعان.