اليوم فعلتها تونس الخضراء، وأعلن شعب الزيتونة أنه يريد الحياة، حياة العزة والكرامة والحرية، فبشكل متلاحق ومتسارع وغير متوقع للأحداث سقط نظام بوليسي قمعي جثم على صدر شعبه وكتم أنفاسه طيلة 23 سنة إن لم نقل أكثر، لأنه كان استمرارا للنظام البورقيبي الذي ورث تونس من الاستعمار الفرنسي. لم تفلح أجهزة القمع ولا الرصاص الحي في الشارع ولا سقوط عشرات الشهداء ولا خطابات الرئيس المناورة والمتسولة في ثني الشارع عن مواصلة الاحتجاج والتظاهر حتى فرار بن علي وعائلته.، نعم، لم يكن يتوقع الكثيرون أن يستسلم هذا النظام بهذه السهولة وكان من المتوقع أن يقاوم بكل ما أوتي من قوة، لكن يبدو أن تيار الجماهير كان جارفا ومفاجئا وأن هذه الهياكل الخربة المسوسة إنما هي دمى فارغة تتهاوى عند أول هبة ريح أو هي أوهى من نسج العنكبوت: إِنَّ أَوْهَى النَّسْجِ نَسْجُ الْعَنْكَبُوت *** تَخِذَتْ مَسْكَنَهَا بَيْنَ البُيُوت
وَكَــذَاكَ الْظُّلْمُ فِيمَا بَيْنــَنَا *** يَتَلاَشَى إِنْ نَهَضْنَا لِنَمُوت
1 اليوم وقد سقطت الديكتاتورية بسبب توحد المعارضة، التي استثمرت الفرصة التاريخية بذكاء،

والشارع، فهل تحافظ تونس على ما حققته من إنجاز تاريخي وما قدمته من تضحيات جسيمة طوال عهود، لأن ما حققته تونس اليوم ليس وليد هذه اللحظة بل هو نتيجة تراكم تضحيات كبيرة قدمها التونسيون في سجون النظام البائد وفي المنافي وفي المعتقلات السرية؟

السؤال الملح اليوم الذي يطرح نفسه بقوة هل تتوحد تونس بأطيافها وبكل قواها الوطنية والديمقراطية والإسلامية لبناء تونس الحرة والديمقراطية، أم إن ما وقع في نوفمبر 1987 سيتكرر في ثورة 14يناير؟. التونسيون مدعوون للحذر من أن يسرق الحرس القديم للنظام البائد والسياسيون المرتزقة ثورة الشعب وأمله وحلمه في التغيير بطرق شيطانية خبروها وتمرسوا عليها، وليحذروا الحذر كله من أن تتغير الوجوه والأسماء وتستمر نفس السياسات والاختيارات، فلابد من محاكمة رموز الفساد وتحديد المسؤوليات ورد المظالم للقطع فعليا مع حقبة بن علي وليلى الطرابلسي.

قدمت تونس الدليل لكل الشعوب المقهورة في عالمنا العربي من البحر إلى البحر على أن عصر الجماهير قد هل هلاله، وأثبتت أن الأمل في التغيير السلمي ممكن، وأن الرهان على الشارع وعلى إرادة الشعوب وصمودها وعلى العصيان المدني هو الحل، وأن حالة السبات الشتوي الطويل التي عرفتها الشعوب المسلمة هي على وشك الاستيقاظ منها الآن.

وكشفت تونس اليوم، كما كشفت الثورة على الشاه أن رهان هذه الأنظمة البوليسية على حلفائها في الغرب إنما هو سراب في سراب، فاليوم “تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا” وبن علي رفضت العواصم الغربية استقباله وقد لفظته أرض تونس إلى غير رجعة. قد يكون استوعب الدرس، متأخرا، بعد أن خذلته فرنسا والغرب عموما، وقد أمهلوه أياما ليخمد الانتفاضة الشعبية، لكن لما تبين أن الكلمة اليوم للشارع وللشعب تململ الغرب بعد أن سقط عشرات الأبرياء العزل ليستنكر على استحياء “الاستعمال المفرط للعنف”. نفاق وأي نفاق وعبرة كبرى لمن يعتبر!

اليوم وقد قام الشعب بما عليه وأدى مهمته على أحسن وجه، يتعين على النخب السياسية بألوانها أن تكون على موعد مع التاريخ لتصنع مستقبل تونس المشرق، الذي يكفل الكرامة والحرية والرفاهة لشعب عانى كثيرا. اليوم بعد سقوط الديكتاتورية في تونس على العقلاء فيها أن يوحدوا الجهود ويتعالوا على الخلافات الإيديولوجية والسياسية، وأن يكونوا على وعي دقيق بطبيعة المرحلة وعلى مستوى الانتفاضة الشعبية. وأول هذه الخطوات تشكيل جمعية تأسيسية تمثل كل قوى الشعب وحساسيته تصوغ دستور متفق عليه يطرح للاستفتاء شعبي، تتلوه انتخابات تفرز مؤسسات حقيقية تعوض المؤسسات الصورية الحالية، تشرف عليها حكومة وحدة وطنية انتقالية مؤقتة محددة المدة الصلاحيات والمهام.


[1] من ديوان “شذرات” للأستاذ عبد السلام ياسين.\