الخبر من تونس

مرة أخرى يشهد العالم العربي نهاية حكم ديكتاتوري مستبد تحكم في زمام السلطة السياسية، واستفرد بخيرات البلاد، فحكم الأرض ومن عليها ثلاثا وعشرين سنة. غرر بمعارضيه غداة انقلابه على سابقه، إلى أن تمكن من بسط نفوذه، فأتاح لحاشيته من الأقارب والأصهار حرية الفساد والإفساد في ممتلكات الشعب وقيمه ودينه وعرضه… لم يستفد من بورقيبة، الشيخ الهرم المعجب بنفسه، تركةِ الاستعمار، الذي ضل مستمسكا بكرسي الحكم إلى أن خانته الصحة والعقل. لقد شرع بن علي لنفسه حكما مدى الحياة، وهيأ للورثة ظروف تسلم الأمر من بعده، ولسان حاله يقول لشعب تونس: نحن هنا إلى نهاية التاريخ… طمأن حكام الغرب المهووسين بالإسلاموفوبيا بأن قضى على الحركة الإسلامية، حيث قتل وشرد ونفى واعتقل… ومنع الحجاب، وقام بتأطير الحقل الديني، فأمر بإغلاق المساجد خارج أوقات الصلاة، وفرض خطب الجمعة على مقاسه… وأعطى للعالم أرقاما عن التنمية البشرية يستدل بها أعداء الديمقراطية والاستئصاليون في العالم العربي على أن القمع إن جاء برفاهة فلا بأس فيه، وهو أهون من فتنة وحرب أهلية لا تبقي ولا تذر… ضمانات تبخرت في ظرف شهر من الزمن. ثورة شعبية أشعلها خضار متجول، أضرم في نفسه النار لما أهانته شرطية صفعته بعد صفعة البؤس والحرمان. فثار الشعب، وقدم الشهداء، وانتهى الأمر بالرئيس إلى الفرار… تخلى عنه رفاقه في الخارج وتبرؤوا منه، ورفضوا استقباله… من يستقبل لصا هاربا، يكون متواطئا مشاركا في الجريمة، إلا أن يسلمه للعدالة. حدث مهم لاستخلاص الدروس والعبر، لكنه إلى حدود كتابة هذه السطور ما يزال مفتوحا على احتمالات متعددة. فالشعوب تتمنى أن ترفع الدول الغربية يدها عن التدخل في شؤون شعب يريد الحياة، وتدعو الشعب إلى عدم الرضى بأنصاف الحلول، وكنس كل آثار الاستبداد البائد إلى مزبلة التاريخ، وتدعو الجيش إلى السهر بأمان على الأمن في المرحلة الانتقالية دون أن يظهر في صوفه أو حواشيها من يطلب الإمارة لنفسه… والأنظمة والعائلات المتحكمة في رقاب العالم العربي تتمنى أن يتحول المشهد إلى فتنة دموية ونهب وفوضى عارمة تبرر بها صلاحية الاستبداد، أو أن يقوم مستبد مكان الذي فر هاربا ليبقى الحال على ما هو عليه، أو يكون أسوأ… فهل يدوم ليل الظلم على تونس، أم إن البوعزيزي قد قال للقيد انكسر؟

سمعت أطفال الحي يحيون البوعزيزي

مر مجموعة من الأطفال أمام مسجد اصطفت بجواره عربات بائعي الخضر المتجولين، فقال أحدهم: إن هؤلاء الباعة المتجولين يحسون بنوع من الأمان هذه الأيام، فالبوعزيزي أبعد عنهم إهانات ومطاردات السلطة وقواتها، ولو لأيام في انتظار ما ستؤول إليه الأمور في تونس). وقال آخر: لو كتب للبوعزيزي أن يعيش لاستحق أن يقطن في قصر بن علي، وأن تتسلم عائلته ممتلكات عائلة الرئيس الهارب)، فأجابه ثالث: تكريس للطبقية والاستبداد إذن؟ المهم أن يتخذ الباعة المتجولون يوم فرار الرئيس التونسي عيدا سنويا، وأن يضعوا أمام عرباتهم صور البوعزيزي والراية التونسية، لعلها تدفع عنهم الشر، أكثر من “صورة الكف”، وربما تبناها أيضا أصحاب الشاحنات الذين يعانون من “الحكرة” واستبدلو بها عبارات “عين الحسود فيها عود، وعلى جناح السلامة”…وغيرها من العبارات).

نعم يا رجال الغد، البوعزيزي أعطى الإشارة لكل ذي عقل من حكام العرب المستبدين، الحالمين بشجرة الخلد وملك لا يبلى. تلك الأمنية الحمقاء التي يكتبها المتملقون لهم بلا خجل في الجبال، وعلى الأحجار… جعلوا خيرات البلاد مما تحت الأرض وما فوقها، وما في البحار والشمس والهواء… غنائم يقتسمونها مع الأقارب والأصهار، ومع المستعمرين الأجانب… ويحدو حدوهم صغار الفراعنة في شبكات سلطاتهم الفاسدة… ويقولون لأمثال البوعزيزي: هذا قطاع غير مهيكل، هذا بناء عشوائي، هذه تجارة غير قانونية لأنها لا تدفع الضرائب…). فأي ضرائب تدفع شركاتهم العملاقة؟ إنهم يمتلكون القدرة على استصدار القوانين التي تعفي شركاتهم من تلك المكوس، فيكون الإعفاء قانونيا، أما البوعزيزي فمتملص ينبغي أن يعاقب بنصوص القانون. بئس القانون الذي يشرعن الظلم والاستبداد… لاشك أن الكل يتأسف على الطريقة التي قضى بها البوعزيزي، لكنه سيظل رمزا في الذاكرة التونسية. ومصدر إلهام لدروس وعبر قيمة. وينتظر المسلمون من علمائهم أن يتكلموا في الموضوع لأن الظلم محرم في الشريعة، لكن حب الدنيا والخوف من الموت، والركون إلى الذين ظلموا، قد يوجه فتاواهم إلى موضوع الانتحار أهو حلال أم حرام؟ وهل يصلى على المنتحر أم لا…؟ أما استقبال اللص الخائن السفاح… فخارج دائرة الاهتمام والفتوى…وفي انتظار أن تحدد مجالس العلماء موقعها من الإعراب وسط الأعراب (مع التحية والتقدير للعلماء المجاهدين)، فستبقى صورة البوعزيزي أهم صورة ينبغي لشركات الموضة أن ترسمها على ملابس الشباب وسيتهافت عليها كل المحرومين، والمقهورين، والمظلومين، والمهمشين، والمناضلين، بل كل المجتمعات العربية إلا من كان مع فرعون تونس. وبعدد المبيعات سيعرف الإحصاء الحقيقي لسكان العالم العربي، وما زاد عن ذلك فله أن يختار بين الرحيل والترحيل و… ترى هل نكون مع المستبدين، أم مع البوعزيزي؟ فتحية إجلال وتقدير من خلال ثورة البوعزيزي إلى كل الباعة المتجولين في بلاد قمعستان من المحيط إلى الخليج.

اليد التي صفعت البوعزيزي، والبغلة “المباركة”

ترى أتقطع يد الشرطية التي صفعت البوعزيزي وتحنط وتعلق بباب الإدارة العليا للأمن التونسي، وتوضع لها صور في كل إدارات البوليس، وتحتها عبارة: “لا ظلم بعد اليوم، لا ضرب، لا تعذيب”؟ أم تحنط جثة الشرطية كاملة في قلب العاصمة لتكون تمثالا للحرية في العالم العربي على غرار تمثال الحرية الأمريكي، ودرسا لكل من يتجرأ على إهانة كرامة الإنسان؟ سيقول مفتي الديار، الذي لن يسمح للأجانب بالإفتاء، لأن أهل سيدي بوزيد أدرى بشعبها، ذاك حرام. لكن قبل الإجابة حضرتني مستملحة يحكى فيها أن شخصا حضر في بيت عزاء، ولاحظ جل الرجال يهمسون في أدن صاحب البيت الذي ماتت زوجته بعد تعزيته جهرا. فتقدم إليه معتذرا إن كان في العرف أن يهمس في الأذن بشيء فهو على غير علم بذلك. فأجابه الرجل هامسا في أذنه: إنهم يطلبون مني أن أعيرهم البغلة “المباركة” التي ركلت زوجتي وكانت السبب في وفاتها. وأظن أن العالم العربي في غير حاجة ليستعير بغلة تونس، فلكل بغاله، ولن يستعير نكافة تونس، فلكل نكافاته. ولو كان الصنفان للتصدير لحطم العرب الأرقام القياسية العالمية. وشعب تونس أعقل من أن يخوض في دوامة الانتقامات، وتصفية الحسابات الضيقة. لابد من محاكمات عادلة للمجرمين، ولابد من تنحيتهم من السلطة، وكنس آثارهم إلى مزبلة التاريخ. والحذر الحذر من الإقصاء والتهميش لأي طرف من مكونات الشعب الجادة والراغبة في التغيير، خاصة من عانوا من ظلم البغلة والنكافة.

لقد أصبحت الوصفة جاهزة أمام الشعوب: صفعة بوليسية لبوعزيزي أبي، فغصبة شهر، ومجموعة شهداء (أقل من ضحايا حافلتين في حادثة سير على طريق محفر) تفضي إلى تحرر شعب. أما الوصفة التي تخص الفراعنة الجاثمين على صدر الأمة فهي أسهل لمن سهلها الله عليه، وهي في كلمة واحدة: “فروا”، وفي ثلاث بالفرنسية: à vos marques, prêt, partez.