إِن كُنتِ حُرّية التّعبير في دُوَل *** فأنتِ فاطمة التّعبير في دُوَل
لمّا غَدوتُ بِقَول الشِّعر مُتّهَما *** أَحسَسْت بالغَبْن والإجحاف والخجل
إنّي إلى مغرب الإقصاء مُنتسِب *** مَن بات فيه قريضي قاذِفَ الهَمَل
للشَّجب والطّعن والتأويل مُعتسَفا *** لا طعم للشِّعر إن أفضى لِمُبتذَل
الشِّعر في سالف الأزمان كان خنا *** وخمرةً وهجاءً لاذعَ العَذَل1
وكان للغَزَل العُذري مِئذَنَةً *** وللإباحة سوقا رائج الكِلَل2
وكان للفخر أبوابا مُفتَّحةً *** بل كان للكُفر مَيدانا وللدَّجَل3
لم يَلق ديوان أجدادٍ لنا سَبقوا *** مُستَعدِياً يشتكي من صَولة السَّفل
وظَلّ ديوانُنا عُهراً ومَذْبَحةً *** للدّين، للعدل والإحسان والمُثُل
لا مَن يَغار ولا شكوى لِمُنتقِم *** كُلٌّ يُغير على التّقوى بِلا مَلَل
مِن شاعرٍ خلفه الغاوون طِلبَتُه *** صَرف العِباد عن البيضاء للسّبُل
وناقدٍ لا يرى في الشِّعر غيرَ هوى *** فالشّعر أعذَبه نوع من الخَبَل4
تَعْليمُنا ضمَّ مِن إبداعهم قِطَعا *** الفِسقُ فيها أقَلّ الذَّنب والدَّغَل5
ما كُنت أحسِبُ أن أحيى إلى زمَن *** يُجَرِّمُ الشّعرَ بالإرجافِ والخَطَل6
قوم لهم في مخازي الغَدْر مَلحَمَةٌ *** الغزو حِرفتُهُم بالزّور والدَّخَل
يا قومُ هلاّ رَفَعتُم سَقْفَ مَكرِكُمُ *** إنّي أراه هوى للسُّحْق في الوَحَل
الشِّعر إن لم يكن بالحقّ مُحتسِبا *** وحارساً للهدى مِن أخبَثِ المِلَل
أَمسى مَديحاً لأشباهِ الرّجال وكَم *** أعلى القريضُ دَنيئاً وازدرى بعَلي
لم يتّهِم أحدٌ بالقَذْف مَن نَظَموا *** إلاّ بفاطمةِ التّعبيرِ واخَجَلي
قَذْف الغُزاةِ بِأَنْكى الوَصفِ كان هُدىً *** في أَمسِ أجدادنا بل أَشرَفَ العَمَل
واليومَ أَمسى يُقاضى الحُرُّ إن خَدَشَت *** أَبياتُه وَجْهَ غازٍ خائِبِ الأَمَل
يا لَيت فاطِمَةَ التّعبيرِ تَفطِمُكُم *** عَن قَوْلَةِ الزُّور والفَتوى بِمُحتَمَل
إن جازَ فَطمٌ لِمَن هانوا ومَن رَكَنوا *** هَيهاتَ يُرعِبُ رَعدٌ قِمَّة الجبَل
الله أكبر جَلَّ الله مُنتقِما *** مِن كُلِّ غازٍ فلا مَولى لِذي ضَلَل
قَد قالَها عُمَر الفاروقُ صادِمَةً *** للمُستَخِفّ بِحَقِّ الخَلقِ لم يَزَل
الأمُّ أَنجَبَت الأَحْرار مِن رَحِم *** والظُّلمُ صَيَّرَ دُنيانا كمُعتَقَل
وقال لامرأةٍ لامَت وما وَهَنَت *** أَخْطَأتُ وهْي أَصابَتْ مَكْمَنَ الخَلَل
نِعْم الأميرُ أميرُ المؤمنين غدا *** في الحَقّ والعَدلِ رَمزاً مَضرِب المَثَل
ونحن حُرّية التَّعبير كِذْبَتُنا *** إن لَم تُصَدِّق فَجَرِّب فَضْحَ مُنتَحِل
تَجِد ذِئاباً بأثوابٍ مُزَركَشَةٍ *** تعوي وتنْهَش لا تُبقي على عَضَل
وزورِ شاكٍ أَحالَ العَدْل فاطِمَةً *** للشِّعرِ إلاّ عَن الصَّهباء7 والطَّلَل
فإن خَرَجْتَ عن المألوف نِلْتَ لَظى *** مِن مَكرِ ذِئبٍ يُحاكي رِقَّةَ الحَمَل
الله أكبرُ والخِذلانُ مَوعِدُهُم *** ومَوعِد الحُرّ قُرب العَمّ والبطَل
مَقام حَمزَةَ والأبطال مَن وَقَفوا *** ضِدَّ الطُّغاةِ وقالوها بلا وَجَل
لا، لا، ولا حِكمةٌ في الشِّعر تَرفَعُه *** بين الكلام إلى أمضى من الأَسَل8
أَثْنى النبيُّ على حَسّانَ حين هَجا *** أعداءَ بِعثَتِه أعظِم بِمُحتَفِل
ونال كَعب مِن المُختارِ بُردَتَه *** أكرِم بها بُردَةً تزهو على الحُلَل
الحمد لله أن عادَت أمانَتُنا *** لنا وعُدْنا بفَضلِ الله والبَلَل9
والشّكر لله أن عادَت خِيانَتُهُم *** لهُم بخِزيٍ وأَرزاءٍ بلا نَفَل10
الشِّعر في بَلَدي سَخْفٌ ومَهزَلَةٌ *** أو نَزوَة المُخمِر المُستَهتِر الثَّمِل
في سَبِّ رَبِّك قُل شِعراً فلا حَرَجٌ *** أو قِصَّةً هل يَعيبُ الفَنّ غيرُ خلي؟
هِمْ في بِحارِ الهَوى ما شِئتَ مُنتَشِياً *** إلاّ قريضٌ يُصيبُ الخِبّ11 بالنَّبَل12
فإن فَعَلتَ فلا شِعرٌ ولا حِكَمٌ *** بل تُهمَةٌ واقتِرافُ القَذْفِ والزَّلل
كُلٌّ يَهونُ ولا هَوْنٌ ولا حَزَنٌ *** على دُعاةِ الهوى مِن مُضمَرٍ وجَلي
كأَنّ غَيرَتَهُم باتَتْ على بَشَرٍ *** فِسْلٍ13 وليس على الجبّار ذي الجَلَل
ولا على المصطفى المُختارِ إسوَتِنا *** وآلِه مِن ذوي القُربى وكُلِّ وَلي
صلّوا عليهم صلاة ذِكرُها سَكَن *** لِقَلب صَبٍّ يُعاني مِن لَظى العِلَل
إنّ الصّلاة عليهم قُربَة وندى *** فوق الجِراح وفيها سلوتي جذلي
فاس: الجمعة 26 محرم 1432هـ

الموافق: لـ31 ديسمبر 2010 م

1 – العذل: اللّوم.

2 – الكلل: ج كِلّة: الثوب الرّقيق تتستّر به المرأة.

3 – الدّجل: الكذب حتى قيل: أعذب الشّعر أكذبه.

4 – الخبل: الحمق بلا جنون.

5 – الدّغل: الغشّ والفساد مثل الدّخل.

6 – الخطل: المنطق الفاسد.

7 – الصّهباء: الخمر.

8 – الأَسَل: السّيف.

9 – البلل: النّصر والظّفر.

10 – النّفَل: الغنيمة.

11 – الخبّ: الماكر.

12 – النّبل: صغار الحصى.

13 – فِسل: أحمق.