من أمارات غثائيتنا الحاضرة أن يكون فينا علماء وخطباء ووعاظ يدعون المسلمين في أوطاننا إلى تمثل الإسلام وأركانه، والاستمساك بالإيمان ومقوماته، طلبا للصلاح الفردي الذي لا ينتصب خطرا محدقا بالسلطان، ولا يمس في شيء أركان الفساد ومظاهر الطغيان. وقد يلمح بعضهم إلى أن ذاك المشروع الفردي هو تحقيق لوصية نبوية في زمن الفتن بأن تعض على أصل شجرة.

ولعل من أبرز منن الله الكريم علينا في هذا الزمان المبارك، أن بعث فينا من يجدد لنا ديننا الذي أبلاه إعراضنا عن المحجة البيضاء، ومزقه وهننا وخوفنا على أنفسنا وأهلينا من بطش السلطان المفارق للقرآن.

لقد أخبرنا الله عز وجل في محكم التنزيل أنه يكافئنا، إن علم في قلوبنا خيرا، بما هو أعظم وأحسن: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِمَنْ فِي أَيْدِيكُمْ مِنَ الْأَسْرَى إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. ونحن اليوم أسرى نفوسنا المريضة أولا، وأعدائنا النصارى واليهود وأشياعهم ثانيا، ونتطلع إلى رحمة الله وعفوه ومغفرته. إنه القادر على كل شيء.

يكافئنا الله الرحمن بالرجوع والإنابة إليه، في أوقات الشدة والرخاء. يكافئنا إن تهيأ منا العلماء والدعاة وعصبة من المؤمنين لإحياء شعوبنا، الأسيرة لدى حكام الجبر، المغلوبة ضعفا، المسلوبة إرادة، المهزومة ظاهرا وباطنا.

يكافئنا الله القوي العزيز إن قام منا الدعاة المجاهدون، الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فشمروا عن سواعد متوضئة لتأليف جماعة المسلمين من جديد، استجابة لتكليف ولتكن منكم أمة، واستئنافا لمسيرة وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل. وإن القوة الباطنية النَّفِيسَة، قوة التعلق بالله، لهي الأساس الصلب لجميع القوى السياسية الاقتصادية العسكرية العلومية، وما اتصل بها من مظاهر ومجالات.

وَفْقَ هذه الرؤية الممتدة، يتحرك المؤمنون الساعون لتحقيق قوة الأمة وعزتها ومنعتها، أمام الأمم الجاهلية المتحضرة التي تصارعنا بكل الأساليب والطرائق لصدنا عن ديننا، وفتنتنا عن بعض ما أنزل الله إلينا من هدى ونور.

وفق هذا المنهاج النبوي الواضح، نتجاوز “الوجه الفردي” للدعوة مثلما يروج له الواقفون على أبواب حكام العض والجبر، أو القاعدون المتهاونون عن نصرة الحق في زمن التكالب على الإسلام وأهله، إذ تتوالى الشواهد مؤكدة استحالة صمود “الدعوة الفردية” بين يدي الهجوم الصليبي اليهودي على بلادنا الإسلامية، والنهب المتواصل لثرواتنا المادية، والتبديد الواضح والخفي لطاقاتنا البشرية.

لا يتأتى للمسلمين اليوم وغدا أن يقيموا دولة قوية تحفظ كيانهم المعنوي من الاحتيال والتدمير، وكيانهم المادي من العبث والتبذير، وتعيد لهم عافية الأمن، إلا إن قويت قبل وأثناء ذلك شوكة الكيان الدعوي الإيماني الجماعي الذي يمثل روح الشعوب الناهضة شيئا فشيئا لنصرة دينها ورسولها عليه وعلى جميع الأنبياء والرسل أفضل الصلوات.

الوجه الجماعي للدعوة هو عنوان مستقبل الأمة الناهضة من تحت رماد الذلة والوهن. هو منهاج النبوة الذي أمرنا باقتفائه. هو الأمر الإلهي الذي يتعين أن نستجيب له بكل عزم وحزم: وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وأيُّ خير أعظم من حث العباد على الرجوع إلى مولاهم خاضعين تائبين؟ وأي منكر أكبر من تغييب شرع الله عن حياة المسلمين في سائر تجلياتها ومظاهرها؟

إن التوجه الجماعي للمؤمنين المجاهدين نحو وعد الخلافة مطلب ضروري لا يصرفنا عنه المتغربون من بني جلدتنا، ولا “التواصل الفكري والثقافي” مع النخب في المجتمعات غير المسلمة. يجب ألا يفتنونا عن ديننا القائم على الرحمة والرفق والخير، ولاسيما خدمة البشرية جمعاء في هذا العالم الموَّار بالظلم والبغي وسائر الأدواء. وفي ديننا يرتبط التمكين السياسي بالدعوة البانية بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ونشر قيم الحق والصدق والعدل. قال الله سبحانه: الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ.

ليس التمكين في الأرض هدفا مركزيا لجند الدعوة القائمين، وإنما هو المحجة الضرورية والوحيدة لإقامة الدين، كل الدين. ولله الأمر من قبل ومن بعد.