أجرت جريدة الصباح، في عددها 3341، حوارا مطولا مع الأستاذ فتح الله أرسلان، الناطق الرسمي باسم جماعة العدل والإحسان، حول العديد من القضايا السياسية، كالاعتقالات الأخيرة ومنها ملف فاس، والعلاقة بالدولة، وبالخارج، والنظرة للفرقاء السياسيين والمجتمعيين، وغيرها من القضايا.

نعيد نشر الحوار تعميما للفائدة.

كيف ترى الاعتقالات الأخيرة التي همت أطرا من الجماعة؟ هل هي مرتبطة بسياق معين؟ أم إنها هادفة إلى لجم تحركاتكم أو الضغط عليكم؟

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وإخوانه وحزبه.

السياق العام الذي حكم تعامل الدولة معنا منذ أكثر من ثلاثين عاما هو سياق الاعتقالات والحصار والضغط والخنق والتضييق بهدف إرغامنا على القبول بشروط النظام القهرية التي تنظر إلى المكونات السياسية باعتبارها رعايا تابعين منصاعين لا شركاء قائمي الشخصية المادية والمعنوية. وهذا السياق، للأسف، بقية مما ورث العهد الجديد عن العهد القديم. والمؤكد أن الاعتقالات الأخيرة تدخل في هذا السياق العام، كما لا يمكن استبعاد وجود بعض الاجتهادات الفردية لبعض المسؤولين المحليين أو المركزيين خاصة في ظل تطاحن تيارات النظام المتنافرة والمتناقضة المصالح وفي إطار سياسة التوريط والتأزيم المتبادل بينها، وهذا أصبح طافيا على السطح ويعرفه الجميع وتوظف فيه كثير من الملفات الضاغطة.

كيف تعلق على الأحكام بالبراءة الصادرة في حق بعض معتقلي الجماعة في فاس، ألا ترى أنها تنم عن إشارات معينة من الدولة تجاه العدل والإحسان؟

الأصل في الدول العادلة أن يأخذ القانون والقضاء مجراهما دون انتظار إشارات من جهات فوقية؛ وبالطبع هذا منعدم في المغرب، حيث إنه في غياب العدل في الحكم تطغى لغة التعليمات والإشارات، والحديث عن إشارات من الدولة هو إدانة واضحة لها بالتدخل في السلطة القضائية. لو كان بين يدي القضاء والدولة دليل واحد على صحة المزاعم التي حوكم بناء عليها قياديو الجماعة السبعة لأنفذت القانون وزادت عليه من سطوتها المعهودة ولم تَهتَم بأي أبعاد سياسية للقضية لأنها تترقب أي فرصة للانقضاض علينا بحق أو بباطل. أما الإشارات المروج لها في الإعلام فلا يمكن الحكم عليها من خلال ملف واحد أو من خلال سياق سياسي معين قد يكون أملى عليها اختيارا حسبت فيه حساباتها الخاصة في ملف شكل ورطة كبيرة لها، وما حدث يقرأ في اتجاه البحث عن الخروج من المأزق أكثر منه شيئا آخر. ولا نستطيع الحكم بصدق إشارات السلطة إلا من خلال تعاملها مع ميراث ثقيل وسلة كبيرة تضم ملفات كثيرة منها ملف الاعتقال السياسي الذي ما يزال البلد يتخبط فيه، وملف الحقوق السياسية للأفراد والجماعات. ونحن، في جماعة العدل والإحسان، لا نزال نعاني من الحصار العملي بالتضييق على اجتماعاتنا وتشميع بيوتنا ومن المتابعات القضائية المتوالية غير المبررة. ومع كل ذلك نحاول أن نقنع أنفسنا أن هناك جهات لها نيات حسنة تحاول ألا يسير الوضع إلى مزيد من التأزيم، نحاول.

تتهمون أجهزة الأمن بمحاولة اختراق الجماعة، كيف ذلك؟

الاختراق نوعان: النوع الأول قد يهدف إلى استقصاء وجمع أي معلومات أو معطيات يمكن أن يستفيد منها من يشن الحرب المتواصلة علينا، وما يعرفه الحاكمون أنفسهم ويعرفه القاصي والداني هو أننا، من أول يوم، كنا واضحين في خطابنا وبسطنا لمشروعنا ووسائلنا وأهدافنا وغايتنا وطريقة عملنا وتحركاتنا بما يجعل من الجهد الذي يبذله المخزن والإمكانات المادية والبشرية التي تهدر فيه خسارة يتحمل الشعب في نهاية المطاف تبعاتها. أما النوع الثاني من الاختراق فهو الذي يهدف إلى ضرب الجماعة بمحاولة زرع واستنبات من يحاول أن يحرف وجهتنا أو يغير في المنهاج الذي اعتمدناه على مدى سنين طويلة مثل محاولة إلصاق أفعال عنف بنا، والمؤكد أن جهات في الدولة تسعى لهذا منذ أن أدركت عبثية الأسلوب الأول في مراقبة الجماعة. وأظن أن هذا النوع من الاختراق يستحيل تحقيق أهدافه بحكم طبيعة المبادئ والأخلاق التي تسري داخل الجماعة، وبحكم المنهاج المعتمد في تربية العضو، وبحكم السنوات الطويلة التي خبر فيها الجميع أسلوبنا ومنهاجنا.

تنسقون مع بعض قوى اليسار في عدد من المواقف كان آخرها مع جمعية أطاك حول محامكات فاس، أترون أن الجماعة تحاول فك الحصار المضروب حولها من طرف السلطة ولو عبر إشراك أطراف أخرى لا تتقاسم وإياها المرجعية السياسية ذاتها؟

ليس من أساليبنا التلون المؤقت بلون كل مرحلة لتحقيق مصالحنا الذاتية بتوظيف غيرنا، وتاريخ الجماعة يشهد على هذا. لقد كان تحرك الأستاذ عبد السلام ياسين قبل تأسيس الجماعة مبنيا على أساس اجتماع كل فعاليات البلد للتحاور بشأن مصلحة البلد ومستقبله، فتواصل وتحاور مع الدعاة والعلماء ومع النخب السياسية والثقافية، بل أقام الحجة حتى على الملك الراحل الحسن الثاني في رسالته التاريخية “الإسلام أو الطوفان”. وبعد تأسيس الجماعة واصلنا جهودنا، وما نزال، لتجتمع كل المكونات السياسية على ميثاق جامع يتفق عليه الجميع اقتناعا منا أنه لا أحد يستطيع شيئا وحده دون مشاركة الكل في إعادة البناء. واختلاف مرجعيتنا عن غيرنا لا يعني أنه لا شيء مشترك بيننا؛ فالحقوق السياسية والاجتماعية والإنسانية، والحق في التعبير عن الرأي، والحق في العيش الكريم، والحق في الشغل، والحق في التجمع، هي مطالب مشتركة بيننا جميعا لا ينسفها اختلاف مرجعياتنا، بل هي مطالب مشتركة بين البشر جميعا. ولأننا أكثر من دفع ضريبة معارضة المخزن فإننا أكثر الناس وعيا وإحساسا وتضامنا مع من تلفحه نيران التسلط أفرادا وجماعات.

ألا ترون أن عملية شد الحبل بينكم وبين الدولة التي لا تتردد في رفع إيقاع الحملات ضدكم وخفضها بين الفينة والأخرى تفيد أنها تتعامل معكم كورقة سياسية مؤجلة إلى حين؟

أي حين تقصد؟ فإن كان ذاك “الحين” هو أن يستفيق من يناوئنا ذات صباح فيجد أننا قد تبخرنا، فهذا مجرد وهم. وإن كان ذاك “الحين” هو أن نتنكر لمشروعنا ولعهدنا وذمتنا مع الله ومع الناس فالأيام والسنوات لم تزدنا، ولله الحمد، إلا اقتناعا بمشروعنا ورسوخا لدعوتنا في قلوب الناس وانتشارا لدعوتنا في المدن والقرى والمداشر والدواوير وبين الفلاحين والعمال والمثقفين والأطر العليا رجالا ونساء. أما إن كان المقصود بـذاك “الحين” أن تعي هذه الدولة حقائق التاريخ وسنن الله في خلقه، وأن تتذكر أن الأيام دول، وأنه لا يدوم إلا وجه الله تعالى مهما طالت السنون واستفحلت المعاناة، وأن تعرف أن الله تعالى مؤيد عباده الصالحين المصلحين ومسبب الأسباب مما لا راد له إلا هو سبحانه، وأن تتصالح هذه الدولة مع الملايين من شعبها المسؤولة عنه غدا يوم لقاء الله تعالى واحدا واحدا، فتتدارك البلد وتوجه المقود إلى الاتجاه الصحيح قبل فوات الأوان، إن كان هذا هو المقصود بذاك “الحين” فهذا مما نأمله لأنه الأقل كلفة لنا ولشعبنا وللحكام أنفسهم.

هل لارتباطاتكم الخارجية، خاصة مع أمريكا دور في جعل الدولة تتعامل معكم بارتياب؟

إننا ما فتئنا نعلن منذ بدأنا عملنا قبل أكثر من ثلاثين عاما أن من مبادئنا عدم الارتباط والارتهان بأي جهات أجنبية. فأما أن تطلب إلينا سفارة أجنبية توضيحات حول مشروعنا أو بشأن ما تتعرض له الجماعة من مضايقات فهذا من طبيعة عمل أي سفارة في أي بلد في العالم، وهو من المتعارف عليه في العمل الدبلوماسي، وهو أيضا من صميم التزامنا التواصلي. وأما سؤالكم عن استحضار الدولة لهذا الأمر في تعاملها معنا فالدولة هي الوحيدة القادرة على الإجابة عنه.

أبديتم غير ما مرة استعدادكم للدخول في مفاوضات مع الدولة حول أسس دخول الجماعة العمل السياسي، ألا ترى أن ذلك رهين بتنازلات طلبت منكم في وقت سابق وبمحيط معين لم تنضج شروطه بعد؟

نحن في صلب وعمق ولب العمل السياسي، لنا شرعيتنا القانونية التي أكدتها مختلف الهيئات القضائية في البلاد، وأصدرت فيها أحكاما بقانونية جماعة العدل والإحسان، كان آخرها محكمة الاستئناف بفاس إبان قضية إخوتنا السبعة، ولنا شرعيتنا الميدانية الواقعية التي تشهد بها كل المكونات السياسية ، ولنا شرعيتنا التاريخية التي نستمدها من أكثر من ثلاثين عاما من العمل الدؤوب في كل المحافل وعلى كل المستويات، ونستمدها من صبرنا وتحملنا ومن المحن التي ألحقت بنا، ومن الحصار الظالم والتضييق الخانق المتواتر علينا، ونستمدها من صدقنا مع شعبنا والتصاقنا اليومي بهمومه وآلامه. أما تعامل الدولة معنا فلم يخرج حتى الآن عما عاملت وتعامل به كل المعارضين بالضغط المستمر علينا مع التلويح بين الفينة والأخرى بمساومتنا ومحاولة استدرجانا إلى تنازلات مجانية. وفي كل هذا الخضم فإننا لم نطلب أكثر من حقنا في التجمع والتحرك وممارسة عملنا بعيدا عن الحصار والتضييق والخنق.

هل مصير الجماعة رهين بمرشدها الروحي وبتدبير الاستخلاف على رأسها فيما بعد؟

مصير الجماعة رهين، قبل كل شيء وبعده، بالله عز وجل، فهو الذي رعى هذه النبتة وأمدها ويمدها بمدده ويكلأها بعنايته ويحرسها برعايته ويحفظها بمعيته سبحانه. وإن من فضل الله تعالى ومن عنايته ورعايته وحفظه أن هيأ لها، بل للبلاد وللأمة، رجلا مثل الأستاذ عبد السلام ياسين والذي نعتبره، ولا نزكي على الله أحدا، من أعلام هذه الأمة ومن مجدديها، ومن القلائل الذين جمعوا بين السلوك التربوي الروحي في أعلى مقامات الإحسان والقرب من الله تعالى، وبين أصول العلم وأدوات التخطيط والتنظير لإنهاضها من جديد، وبين الإشراف العملي الميداني وما يتطلبه من قدرة على التنفيذ وعلى الجمع والتعبئة، ومن طاقة على التحمل ومن استشراف وبعد نظر، ومن ثبات على الثوابت وتدبير للطوارئ. التقت هذه الصفات مع صدق وحيوية وإرادة جيل من الدعاة ومن الشباب فكانت الثمرة هذه الجماعة التي يشهد الخصم قبل الصديق بوزنها وصدقيتها وتميزها. كان مشروع الجماعة المدبج في مكتوباتها محاولة لوصل المنهاج الخالد لنبي الرحمة صلى الله عليه وسلم بحاضر الأمة استشرافا لمستقبلها، ولكنه أصبح اليوم، ولله الحمد، صرحا متين البنيان راسخ الأركان زكته التجربة الميدانية للعاملين فيه على مدى الأعوام والسنين حتى لم يعد ملكا لصاحبه وحده ولا للجماعة وحدها بل أصبح ملكا للأمة كلها.

علاقتكم بحزب العدالة والتنمية تراوحت ما بين المد والجزر في عدد من المحطات، كيف تفسرون ذلك، وكيف ترون من وجهة نظركم حصيلة انخراط هذا الحزب في العمل السياسي؟

ما قد تلاحظون من مد هو مظهر من مظاهر ما يجمع الفضلاء في هذا البلد على بعض القضايا المشتركة كالقضية الفلسطينية على سبيل المثال، أما الْجزر في هذه العلاقة فمرده إلى اختلاف نظرتنا عن نظرة الإخوة في حزب العدالة والتنمية. إننا نحترم خيارات غيرنا، لا شك، ولكننا لا زلنا نرى أن محاولات الإصلاح من داخل مؤسسات فارغة وهمية فيما كل السلط مركزة في يد القصر والمؤسسات التابعة له والتي توجد عمليا فوق الأجهزة المنتخبة وتعتبرها مجرد أدوات منفذة لإرادتها النافذة، نرى هذا ضياعا في متاهة وتأبيدا لواقع الاستبداد وتعطيلا للرغبة الشعبية في تغيير حقيقي جوهري.

الجماعة تبدو معزولة عن محيطها إلا أن تنشط عبر أطرها في عدد من التنظيمات النقابية والمهنية، كيف تفسرون وضعا من هذا القبيل؟

في الحقيقة لم أعد أسمع متابعا رصينا يتحدث عن عزلة العدل والإحسان، ولم يعد هذا السؤال إلا أمنية تراود بعض الأخيلة الاستئصالية بعدما تجاوزها الواقع. والواقع أننا رغم ما نعانيه من حصار ومن تضييق ومن خنق لحركتنا ومن حصار إعلامي، فإننا رغم كل هذا ما نزال نتغلغل في أعماق شعبنا لأننا نتوكل على الله تعالى الذي يمنحنا القوة والصبر وطول النفس، ويلهمنا الأسباب التي ينقلب بها حصارنا إلى عامل قوة أكثر منه عامل إضعاف. ومن يعيش العزلة فعلا هو المخزن ومن يتحالف معه، وهذا ما أثبتته كل المحطات الانتخابية الأخيرة التي أظهرت الإعراض الشعبي المطلق عن المخزن وكل من يشترك معه في لعبة الانتخابات الممجوجة حيث لم يستطيعوا مجتمعين أن يصلوا حقيقة حتى إلى نسبة 20 في المائة من الأصوات مع ما رافق الحصول على هذه النسبة الضحلة نفسها من شراء للذمم واستغلال لحاجة الناس واستعمال الترهيب الإداري. فمن المعزول إذن؟

أما إن كنت تقصد بالعزلة عدم مشاركتنا في الانتخابات فالكل يعرف أننا لسنا من اختار هذا الوضع، إنما يفرضه المخزن ومن يتواطأ معه بفرضهم لنمط سياسي ليس له من الديمقراطية غير الأسماء والشكليات فيما جوهره الاستبداد والتسلط، وهذا راجع إلى يقينهم بعزلتهم عن الشعب وبالتالي خوفهم من أية منافسة حرة ومفتوحة مع العدل والإحسان، علما بأننا ننادي دائما بضرورة العمل المشترك ونؤكد على عدم جدوائية هيمنة أي طرف مهما كانت قوته.