منذ اليوم الأول الذي انطلقت فيه انتفاضة الكرامة والحرية في تونس – الأسطورة – وأنا أحاول أن أكتب شيئا عن هبة شعب بكامله ضد نظام قمعي، عقيدته في الحكم المقولة الشهيرة لكرومويل: تسعة مواطنين من أصل عشرة يكرهونني.. ولكن ما أهمية ذلك إن كان العاشر وحده مسلحا).

نظام لم يؤمن في حياته إلا بالقبضة الحديدية التي ترهب المواطنين، قتل وعذب، وسجن ودمر، وحطم كل الأرقام القياسية في الطغيان، وقهر المواطنين، ولم تسلم منه فئة ولا شريحة، منذ أن اعتلى عرش والده الروحي الحبيب بورقيبة إثر انقلابه الأبيض وتحت غطاء غربي، لكني لم أتمكن لشدة المفاجأة، وجلست مبهورا أتتلمذ، فالحدث تاريخي بكل المقاييس، لأنه سجل أعظم حدث في المنطقة العربية ومنذ عقود من القمع والاستعمار الداخلي والخارجي، حتى ظن الجميع أن الأمة استسلمت للأمر الواقع الذي لا انفكاك منه، وأين المفر من هذا القضاء الذي نزل؟ فالأنظمة البوليسية قتلت في الشعوب العربية كل ذرات الكرامة والحرية، فسار الاستسلام أمام الآلة الجهنمية هو الخيار الأسلم لغالبية الشعوب التي اختارت التنازل عن كل حقوقها مقابل الاستمرار في الحياة، وإن كانت حياة ذل وقهر وهوان.

لكن تونس صنعت المعجزة الحقيقية حينما خرجت عن بكرة أبيها وفي كل الأرجاء لتلعن النظام الذي قهر كل أبناء الوطن، مطالبة بمحاسبته على كل جرائم الفساد والتي أوصلت البلاد إلى الإفلاس التام، متحدية كل الأجهزة القمعية، وتتلقى بصدرها العاري رصاص الطغاة، في تحدي فريد، وإصرار غريب على الموت فداء للوطن، والوطن الذي لا ترفرف فوق سمائه راية الحرية سمه أي اسم شئت إلا الوطن.

حرص الشعب أن يكسر القيد مهما كان الثمن، سقط الشهيد إثر الشهيد، سالت الدماء في كل الأرجاء، والشعب لا زال مستمرا في زحفه نحو القصر. خطب الرئيس وكرر في الخطب، وأقال الوزير الأول والثاني، وعدة ولاة ومستشارين، والشعب لم يبال بكل هذا العبث، لأنه أدرك أن من رأس العين يأتي الكدر، ولهذا فهو لا يطلب سوى رأس كبير القوم الذي أعدم كل الحقوق، واحتقر الشعب دوما، مما جعل الكثير من شبابه المثقف يختار الانتحار ولا يستمر في حياة كلها عذاب وهوان.

ها هو الشعب التونسي يسطر بدمائه الزكية أنه أقوى من كل طاغية متجبر، ويكتشف فجأة أن الصمت الرهيب والخوف من البطش هو الذي يصنع الطغاة، فقرّر في لحظة تاريخية أمام تفشى الظلم واستفحال الطغيان أن يقطع رأس الأفعى ويتخلص من سمها القاتل، فنزل إلى الشارع ليحسم أمره، وتجلس الشعوب العربية مشدودة إلى البلد الصغير الذي يصنع ما عجزت عنه غيره من الدول فرادى وجمعا.

ظن النظام الاستبدادي في تونس أنه قد تمكن من قمع جوهر الإنسان، فصيَّره إنسانا آخر ممسوخا بدون إرادة، وبدون حرية وكرامة، فإذا بالسحر ينقلب على الساحر، ولا يفلح الساحر حيث أتى.

فكان النداء من بلاد القيروان: إذا الشعب يوما أراد الحياة *** فلا بد أن يستجيب القدر
ولا بد لليل أن ينجلي *** ولا بد للقيد أن ينكسر
فرددت الجماهير الغاضبة: لا عاش في تونس من خانها.)