حرب بالجملة وبالتقسيط

عامان كاملان على ذكرى الحرب المدمرة التي شنها الجيش الإسرائيلي على قطاع غزة المحاصر، حرب برية بحرية وجوية وبترسانة ضخمة من أعتى الأسلحة وأبشعها، حرب أهلكت الحرث والنسل، وشردت ودمرت وقتلت بدم بارد. ذكرى تحل لتعيد إلى أذهاننا صور الأشلاء والتدمير والتنكيل تحل الذكرى لتذكرنا بمشاهد الدمار والقتل وبحجم الترهل العربي وجبن الأنظمة وتخلفها عن تطلعات الشعوب العربية، عجز وتخاذل رسميان منقطعا النظير، وقتل لعزة المسلم وأنفة العربي في نصرة المستضعفين والمظلومين. عجزت الدبلوماسيات العربية كلها وجيوشها وأموالها وعلاقاتها في إيقاف المجازر اليومية بحق أناس عزل إلا من إيمانهم بربهم وعدالة قضيتهم. وتُركوا يواجهون الطائرات والدبابات بالصدور والنحور.

اثنان وعشرون يوما كانت كافية لإعادة غزة عقودا إلى الوراء: أكثر من ألف وأربعمائة شهيد، وآلاف الجرحى، وتدمير كامل للبنية التحتية الفلاحية والصناعية والخدماتية قدرت بأزيد من أربع مليارات دولار أمريكي.

وفي المقابل رأينا تلك الصورة المشرقة لحسن بلاء الغزيين، وصبرهم وجهادهم في مواجهة الصلف الصهيوني وفي غياب السند والنصير، ثبات وبذل حتى اللحظة الأخيرة، شرفاء قاموا يدبون عن العرض والأرض والكرامة والشرف، فكانوا هم الاستثناء في زمن الانحناء. فكما أدمت قلوبنا مشاهد القتل والبطش والإبادة وتخاذل النظام الرسمي العربي، أثلجت صدورنا مشاهد الرجولة والإيمان والشهامة التي أكدت أن للإسلام نورا لا ولن ينطفئ وإن تكالبت عليه كل قوى الظلم والظلام، وثغر لا يفتأ يشتعل كلما هبت رياح الإيمان تذكيه حرارة الشهادة ليفقأ عيون المستكبرين بتأييد من رب العالمين. رغم قرون العض والجبر والاضطهاد والحصار والكيد ذكّرتنا غزة أن لنا عزة وإباء يهز كيان الأعداء وإن كانوا خلف الجدر المتينة والدبابات الحصينة. كلما دعا منادي الإيمان إلا وقام من بين الركام، إنها العنقاء نفسها لا تختفي إلا لتعود من جديد.

ولإن كانت الحرب الشاملة قد وضعت أوزارها في 22 يوما، فإن حرب التقسيط لم تتوقف يوما حيث الانتهاكات والاجتياحات والغارات، والاعتقالات، والتجريف، والحرب الإعلامية والنفسية والاقتصادية والعزل والحصار… كلها واجهة أخرى للحرب الشاملة.

ولأن الأنظمة الرسمية لم تستطع على مدى أيام الحرب إيقافها، ولا على مدى سنوات الحصار من إدخال شحنات الدواء أو الغذاء أو الغطاء، ولا أن تفي بالتزاماتها التي قطعتها على نفسها -وربما لم يكن ذلك إلا لامتصاص غضب الشارع- بتقديم ملايين الدولارات وإعادة إعمار القطاع، لم تتجرأ على إدانة الغارات اليومية ولا التنديد بها، فهي لا تمانع في هذا القتل البطيء، مما أعطى الضوء الأخضر لشن العديد منها.

قبل الحرب الأخيرة على غزة سمعنا الكثير من لغة التهديد والوعيد وبلغت أوجا بعيدا قبيل الحرب، وفيما يشبه التسليم بالأمر الواقع فإن أيا من الزعامات العربية ندد أو اعترض على هذه التهديدات، بل إنه حتى لما شنت الحرب كان ما كان في قمة الدوحة.

وما أشبه الليلة بالبارحة، فهاهم الصهاينة يقرعون طبول الحرب مرة أخرى حتى صار من شبه المؤكد شن حرب جديدة، إذ إن القادة العسكريين وغير العسكريين يصرحون الواحد تلو الآخر بأنهم لا يمانعون في شن حرب على تلك الأطلال المتبقية من قطاع اسمه غزة.

نحن اليوم في أشد حاجة إلى أن تتحرك الأنظمة العربية من موقع المسؤولية الملقاة على عواتقهم قبل أن يقدم العدو الصهيوني على حماقة جديدة، لا تراعي قيم الدين ولا المروءة ولا الإنسانية. نحن اليوم بحاجة إلى قرارات من القمة السياسية قبل أن تتحول القرارات إلى قمامة في مزابل التاريخ. من يصدح اليوم قبل الغد للجم أي عدوان ضد قطاع غزة، من يندد اليوم قبل أن يأتي الغد ليبدأ في عد أيام الحرب وإحصاء الشهداء، من يكون له الموقف الحازم اليوم قبل أن يصبح باكيا على الأطلال مرة أخرى؟؟.

حتى لا تنحرف البوصلة

صحيح أن الحرب على غزة تدمي القلب ويتفطر لها الجنان، كما هو صحيح أن الحصار الجائر المفروض على تلك البقعة الطاهرة لا تقبله الفطر السليمة ولا الضمائر الإنسانية مهما سفلت، ووجب فكه والمساهمة في فضح كل المساهمين فيه من قريب أو بعيد، كل بما أوتي من جهد وقوة وإمكانيات. لكن هذا لا ينبغي أن ينسينا حقيقة الصراع وحقيقة قضية فلسطين المغتصبة، فمهما توالت النكبات وتتابعت المدلهمات ففلسطين قضية وجود لا حدود، قضية حق وباطل، قضية احتلال ظالم بتأييد مستكبر غاشم، إنها قضية مسجد وقرآن ومحراب وكنيسة، قضية إسلام وعروبة.

إن النتائج الكبيرة والعديدة والكارثية للحرب على غزة لا ترقى بحال من الأحوال لما يحدث في بقاع مختلفة من باقي أرض فلسطين كل يوم من تهويد للأراضي والمقدسات، وتقويض أساسات المسجد الأقصى وقضم الأراضي على يد المستوطنين وطرد السكان من أراضيهم وتهجيرهم كما في حي سلوان والشيخ جراح وغيرهما، وتغيير معالم الأرض والتاريخ، ومسح الذاكرة الممنهج، وطمس الوعي العربي والإسلامي…

رغم كل ذلك استسهل البعض التصالح مع المحتل الغاصب، كأنه قدر محتوم لا يرتفع، وتم تفتيت القضية وتشتيتها، وتمسكت الأنظمة العربية بخيار “سلام الجبناء” ولهثت وراء سراب المفاوضات، وصارت تهزم في كل مرة لتتراجع إلى الوراء وتقدم التنازلات الكبيرة في مقابل التعنت الصهيوني لتراجع لائحة المطالب وترجع القهقرى. بالأمس انطلقت المسيرات والمهرجانات للمطالبة بالأراضي المحتلة عام 48 ثم ما لبث أن صار الهم والمبتغى أراضي هزيمة 67، ومن فلسطين إلى دولة متقطعة الأوصال، إلى ضفة وقطاع، ثم من الدعوة إلى وقف الاستيطان إلى وقفه مؤقتا لشهور ليس إلا.

ينبغي إعادة الاعتبار لحقيقة الصراع والقضية، والتحرك على أساسها وتلقينها في المعاهد والمدارس والجامعات، وفي الوعي العربي والإسلامي حتى لا تضيع معالم القضية، وهذا لا ينسينا العمل الآني لفك الحصار عن غزة، ومواساة أهلها من الأطفال والرجال والنساء والشيوخ الذين اختاروا أن يكونوا أحرارا في زمن العبودية الجديدة.