نهدف من خلال هذا الجزء الثاني إلى ربط سياق مشروع الشرق الأوسط الكبير وشمال إفريقيا بمساق إصلاح التعليم في العالمين العربي والإسلامي، مستحضرين دائما حقيقة الإنسان العربي الذي تتجلى إحدى مشكلاته الكبرى في كون العقل العربي سريع النسيان والذاكرة العربية قصيرة المدى. لذلك يصعب على من ينسى أن يجد الخيط الرابط بين “فكرة/الاستراتيجية” الأمس و”مخطط/التنفيذ” اليوم.

ثانيا: أي سياق لإصلاح التعليم في العالمين العربي والإسلامي؟

1. واقع مأزوم

بعد 11 شتنبر2001؛ كثيرة هي المصطلحات التي أضيفت في القواميس السياسية والاجتماعية والثقافية. كثيرة هي المفردات والعناوين التي أصبحت لازمة في خطابات السياسيين وكتابات الأكاديميين. لكن واحدة هي التصنيفات التي تصنف الدول والشعوب والأفراد: دول شمال جنوب بدل دول شرق وغرب وفق المؤشرات الاقتصادية، شعوب متحضرة وأخرى متخلفة وفق مؤشرات عديدة من بينها المؤشرات المعرفية. أفراد متفتحون وأفراد متزمتون وفق التقارير الاستخباراتية الدولية والإقليمية والمحلية.

وهكذا ظهرت نسخة ثالثة لما يسمى “الشرق الأوسط الكبير” الذي يمتد من المغرب العربي إلى أفغانستان ويشمل بالطبع البلاد العربية، وإيران، وتركيا، و”إسرائيل” بدعوى محاربة الإرهاب، ودمقرطة هذا الشرق الأوسط الكبير ليتحول إلى جنة يختال في نعيمها الإنسان العربي المسحوق منذ دهور، وينعم بالحرية والديمقراطية، وعدم التمييز بين المرأة والرجل، ويتمتع بالحقوق المدنية، والتنمية الشاملة، واللحاق بركب العصر المعرفي 1 ، وينسف نظم التعليم البالية المعتمدة على الحفظ والتلقين وليس الفهم والقدرة على التحصيل. وهذا الإصلاح كان أمنية للشعوب العربية منذ عشرات السنين؛ جاءت به نبوءة الإدارة الأمريكية للأرض العربية التي تعرف استبدادا سياسيا وفجوة معرفية عميقة أفرزت تخلفا وهجرة للشباب نحو المدينة الفاضلة. كل ذلك قطب رحاه فساد التعليم الذي يرتكز على التعليم الديني، الذي يغذي الإرهاب ويكرس ثقافة الكراهية… فحصة الدين مثلا تستغرق 10% في مصر و33% في السعودية من وقت المتعلم 2 . وهذا أمر أثار غضب السيد الأمريكي على الدول العربية، التي امتثلت لإملاءاته بضرورة إعادة النظر في مسألة التعليم، خاصة التعليم الديني.

مصطلح “التعليم الديني” يراد به التعليم الذي يقوم على مؤسسات علمية دينية، تبدأ من أول السلم إلى نهايته كتعليم الأزهر في مصر، الزيتونة في تونس، القرويين في المغرب، ديوباند في الهند، الجامعات السعودية الدينية، أم القرى، جامعة الإمام محمد بن سعود، الجامعة الإسلامية بالمدينة، الجامعة الإسلامية العالمية في إسلام آباد ومثلها في كوالالمبور 3 .

أصبح التعليم الديني ضمن المطالب الأميركية من الأمة العربية والإسلامية. الولايات المتحدة الأمريكية اكتشفت فجأة أن التعليم الديني الإسلامي تحديداً هو الذي يفرِّخ الإرهاب، والحجة التي تُساق للتدليل على ذلك أن حركة طالبان في المحصلة النهائية هي نتيجة طبيعية لهذا النوع من التعليم.

على رأس قائمة الدول التي تحتضن التعليم الديني: باكستان والمملكة العربية السعودية والتي يضغط عليهما بالدرجة الأساس لتغيير مناهج التعليم. يؤكد على ذلك توجيه إيلينور عبد الله دوماتو الباحثة في جامعة براون الأميركية نقداً لاذعاً إلى برنامج التعليم الديني في المملكة العربية السعودية 4 التي وصفته بنشر “الكراهية نحو الآخرين”.

باعتبار التعليم من أهم القضايا في الوقت الراهن المعوقة للتنمية الاقتصادية والبشرية في الشرق الأوسط، فهو ورشة مفصلية حقيقية لتطبيق الأفكار الإصلاحية بالمنطقة العربية في المرحلة القادمة. وكان المنطلق ترسيخ أسئلة صريحة ومحددة:

• مما يتكون التعليم الإسلامي التقليدي على وجه التحديد؟

• ما هي المآخذ التاريخية للتعليم الإسلامي في العصور المختلفة؟

• كيف أثرت تركة الاستعمار الأوروبي على هذه البرامج التقليدية؟

• ما هو دور الإصلاح التعليمي في إحداث التنمية الحقيقية التي تحتاج إليها كل الدول العربية؟

• ما هو حال التعليم في العالم العربي في الوقت الحاضر؟

• ما نتائج محاولات إصلاح برامج التعليم العربي والإسلامي حتى الآن؟

أسئلة مشروعة لكل باحث، لكنها مدسوسة تنم عن سوء نية وإرادة في التشكيك في مسلمات كان دورها ترسيخ المبدأ والغاية والسلوك.

أسئلة أفرزت توجيهات عامة للدول العربية والإسلامية، كما أفرزت توجيهات خاصة حسب المعطى الجيوستراتيجي، ورصدت لها ميزانيات كبيرة وقروض ضخمة وهبات وعطاءات متواصلة يسيل لها لعاب من تستهويه سياسة التبعية والولاء اللامشروط.

الحكيم الغربي تنبه مبكرا ليكون إملاؤه بلسان عربي مبين، إنها قاعدة الاستبداد: خطاب قوم بأداة التطويع والتركيع المألوفة عندهم.. تكون أكثر فعالية ومضمونة النتائج لأهداف بعيدة المدى.

السيد الأمريكي استوعب قواعد اللعبة في الحقل العربي، فأنشأ المؤسسات العربية الناطقة باسم سدنتها، كما انتهز الوقت المناسب -11 شتنبر2001- للإفصاح عن استراتيجياته في العالم العربي والإسلامي من أجل تحديد سحنة المشهد العربي لما بعد 2025 !!

من أجل ذلك أحدث مراكز دراسات وبحث تقوم بدراسات تدوم لشهور وسنوات على يد مئات الخبراء والمفكرين… الذين يدورون في فلك المنظومة الاستئصالية، وفق قواعد علمية ترصد السيناريوهات المتوقعة في عالم عربي وإسلامي، يعج اليوم بأحداث عنيفة وصراعات خطيرة وعنف رهيب يبعث عن الامتعاض والقلق والتوتر…

ومن الملفت للانتباه أن السيناريوهات الغربية لمنظومة الإصلاح تحمل أسماء عربية، لها خلفيتها وبعدها الاستراتيجي، نموذج: سيناريو “الواحة”- سيناريو “العاصفة الرملية”- سيناريو “الخليج الخصيب”.

أي بديل يكون مقبولا، شريطة أن يكون الإسلام في قفص الاتهام.

2. أسئلة حرجة أفرزت سيناريوهات طويلة المدى

أعلن في جلسة عامة لمنتدى الاقتصادي العالمي 5 -التي حضرها أكثر من 300 خبير من منطقة الخليج وخارجها، 2007- على تأسيس صندوق بقيمة عشرة مليارات دولار لتشجيع ودعم التعليم في الدول العربية، وفق سيناريوهات أفرزتها أحدث دراسات فريق الأبحاث الذي يقوده “المنتدى الاقتصادي العالمي” بالتعاون مع عدد من الهيئات الخاصة والحكومية بعدد من الدول العربية، خلال الفترة بين 2007 و2025. الغاية من ذلك، الإجابة عن سؤالين مركزيين:

– السؤال الأول: هل سيكون قادة القطاعين العام والخاص في دول مجلس التعاون الخليجي قادرين على إجراء الإصلاحات الاقتصادية والسياسية الضرورية وفرض سيادة القانون بنجاح؟

– السؤال الثاني: هل ستتمكن دول مجلس التعاون الخليجي من الحفاظ على الاستقرار والأمن الداخليين في ظل الوضع الإقليمي المعقد والغامض؟

دعم أميركي لعلمنة التعليم بالعالم الإسلامي بالأرقام

أوضحت دراسة، عبر مؤسستي الوكالة الأميركية للتنمية الدولية ومبادرة الشراكة بالشرق الأوسط، أن الولايات المتحدة الأمريكية شرعت منذ سنوات في تطبيق خطة لعلمنة التعليم في العالم الإسلامي ضمن ما يسمى بالحرب على الإرهاب.

إن المشاريع الأميركية التي تنفذ بالتعاون مع دول العالم الإسلامي نفسها تركز بالدرجة الأولى على المدارس الدينية التي تحمل توجهات تتعارض مع المصالح الأميركية.

1. بعض الأرقام الدالة

خصصت الإدارة الأمريكية مليار دولار لتنفيذ خطة لخمس سنوات بهدف تغيير مناهج التعليم للمدارس الدينية في باكستان-نموذجا- التي يزيد عددها عن 13 ألف مدرسة وتضم أكثر من مليوني طالب. وترى الحكومة الأميركية أن من شأن “إصلاح نظم ومرجعيات التعليم” في هذه المدارس دعم ما تسميه “الحرب على الإرهاب”.

رؤية أراد الحاكم العربي تصحيحها، فوعد -منذ 2002- بإعادة ترتيب أوضاع المدارس الدينية ضمن خطة لخمس سنوات بلغت ميزانيتها 113 مليون دولار بهدف علمنة المناهج في 8000 مدرسة باكستانية وهو ما لاقى احتجاج الكثير منها.

سنة 2006 أجبر الكثير من الطلبة الأجانب على مغادرة باكستان، ومع مطلع هذا العام أخضعت الحكومة 12 ألف مدرسة دينية لنظام التعليم الرسمي. وقدمت أميركا لمؤسسة “ترنجل” غير الحكومية 60 مليون دولار مقابل خطة لإصلاح النظام التعليمي الباكستاني.

كما أبرز تقرير للكونغرس الأميركي عام 2006 القلق من تنامي ما أسماه “الإسلام الراديكالي” في المدارس والمساجد والجامعات السعودية، ووجهت إشارات لحكومة السعودية بشأن المناهج الدراسية بأنها تقوي المشاعر المعادية للغرب واليهود.

سنة 2007 خصصت واشنطن 211 مليون دولار لدعم مشروعات تركز على المناهج التعليمية في مصر والأردن والمغرب واليمن وباكستان وإندونيسيا وبنغلاديش.

2. اعتمادات مالية غربية للمدرسة العربية

قدمت الإدارة الأمريكية بين العامين 2002 و2003 أكثر من 382 مليون دولار لمؤسسات الشراكة في الشرق الأوسط بهدف علمنة التعليم في الدول العربية.

وفي سنة 2005 خصصت الحكومة الأميركية 150 مليون دولار لمساعدة المؤسسات المتعاونة في العالم الإسلامي وقدمت مساعدات مباشرة لمؤسسات تعليمية في لبنان.

وفي سنة 2006 خصصت واشنطن 197 مليون دولار لدعم برنامج الوكالة الأميركية للتنمية الدولية الموجهة للتعليم في مصر وبنغلاديش وأفغانستان وباكستان وإندونيسيا والمغرب واليمن وقطاع غزة والضفة الغربية.

وسنة 2007 خصص 211 مليون دولار لدعم مشروعات تركز على المناهج التعليمية في مصر والأردن والمغرب واليمن وباكستان وإندونيسيا وبنغلاديش…

خلاصة

إن الاستقرار الأمني في العالم العربي والإسلامي- حسب WEF – سيتيح الفرصة لدول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لتركيز جهودها على تطوير عنصرها البشري على المستويات كافة والاستثمار بقوة في التعليم ومواصلة مسيرة الإصلاح السياسي والمؤسسي من أجل دعم مجتمعاتها واقتصادياتها المتنامية.


[1] فرض هذا المصطلح نفسه في الخطاب الاقتصادي والسياسي على مستوى العالم بأسره منذ التسعينات كما لعب البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة وتقاريره السنوية عن التنمية البشرية دورا بارزا في نشر وترسيخ هذا المصطلح.\
[2] سيرا كيردار الباحثة بجامعة هارفارد.\
[3] تعريف للدكتور يوسف القرضاوي.\
[4] في ندوة إصلاح التعليم بجورجتاون أبريل 2006.\
[5] المنتدى الاقتصادي العالمي World Economic Forum/ WEF:هي مؤسسة مقرها جنيف، وتقيم اجتماعها السنوي في دافوس، بسويسرا. يحضر الاجتماع كبار رجال الأعمال، وقادة سياسيون، ونخبة من المثقفين والصحفيين من كل أنحاء العالم.\