تقديم

“مشروع إصلاح التعليم في العالمين العربي والإسلامي” سلسلة مقالات أحاول من خلالها فتح نقاش هادئ وهادف بين المهتمين بقضايا التربية والتعليم، والفاعلين في الحقل التعليمي، من أجل:

• معرفة طبيعة الإشكال وعمقه وتحديد إطاره.

• بسط قضية التعليم على طاولة الأمة، وإخراجها من دائرة النقاش الضيق في صالونات النخب والمثقفين.

• البحث الفعلي عن ميثاق أمة حقيقي يضع الحلول الناجعة على قاعدة التوافق والتكامل من أجل مصلحة الأمة، وليس ميثاق إملاء ترعاه إدارة استبداد.

• الوصول إلى المخرج المنقذ من واقع الأزمة إلى أفق استشراف المستقبل.

لا أدعي امتلاك العصا السحرية لإيجاد حل لمعضلة استمرت عقودا من الزمن، وخلفت خسائر كبيرة في مردودية التعليم وجودته، لكن كل ما أملكه إرادة أرغب في ترجمتها إلى فعل، وعزيمة أطمح أن تصبح قوة مجتمعية، بالتفكير جهرة والتواصل الجماعي بعيدا عن المزايدات السياسوية ولغة المصالح الفردية.

أزمتنا الحقيقية، نحن العربَ والمسلمين، أزمة حوار ومد جسور التواصل.

هي إذن قطيعة رحم وحوار صم أدت إلى التنابز بالألقاب، والانحراف بقضايا الأمة إلى منحدر الهزيمة والاستسلام…

فلنصل الرحم ولنطرح قضايانا بكل جرأة وصدق وإخاء.

سؤال إصلاح التعليم.. ضمن مشروع الشرق الأوسط الكبير (1)

مدخل

رب متسائل يسأل عن علاقة إصلاح التعليم اليوم بمشروع الشرق الأوسط الكبير وشمال إفريقيا الذي مر عليه عقد من الزمن من وضعه؟

سؤال مشروع، لكن قبل الإجابة عنه لابد من التذكير بمسلمة يلمس حقيقتها الغرب قبل العرب:

الأحداث المأساوية التي عرفها – بالأمس- عالمنا الإسلامي والعربي كثيرة: استعمار، تقتيل، نهب للثروات المادية، تهجير للعقول العربية المبدعة… لكن العقل العربي سريع النسيان والذاكرة العربية قصيرة المدى. لذلك يصعب على من ينسى أن يجد الخيط الرابط بين “فكرة/الاستراتيجية” الأمس و”مخطط/التنفيذ” اليوم.

فمنحى مشروع إصلاح التعليم في العالم العربي والإسلامي يتوافق مع اتجاه مشروع الشرق الأوسط الكبير، ومرتكزات الإصلاح تصب في غايات المشروع الكبير.

فما هو الخيط الناظم بينهما؟

سياق المشروع

منذ انهيار الاتحاد السوفييتي والإدارةُ الأمريكية تسعى للهيمنة على العالم كله. بدا ذلك واضحاً في طريقة إدارتها للأزمات التي انتشرت في البلقان، ثم في الصومال، ثم في حرب الخليج الثانية، وكذلك خلال الصراع العربي الإسرائيلي.

حدث 11 شتنبر2001 منعطف تاريخي خطير في التاريخ المعاصر، أعطى الضوء الأخضر للولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها بالتوجه لمنطقة الشرق الأوسط بجيوشها وأساطيلها، ونشر قواعدها العسكرية لخوض الحروب الاستباقية في أفغانستان والعراق تحت ذرائع تستسيغها العقول الساذجة وتقبلها النفوس المنهزمة: امتلاك أسلحة الدمار الشامل، إيواء الإرهاب… من أجل وضع يدها على ثروات الأمة الإسلامية (الإنسان، النفط، الماء…) وبسط نفوذها في المنطقة.

ظهر مشروع الشرق الأوسط الكبير، الذي يحمل مبادئ نشر الحريات والديمقراطية وحقوق الإنسان والإصلاح الاقتصادي والسياسي لدول تلك المنطقة التي تعاني من انتشار الفساد، والاستبداد السياسي، والفقر والبطالة، وتدهور التعليم، وانتشار الجريمة والإرهاب والتطرف والهجرة…

من خلال هذه الشعارات الكبرى التي بني عليها مشروع الشرق الأوسط سطرت استراتيجيات ووضعت مخططات لعالمنا العربي والإسلامي من أجل ترويض الشعوب وكسر الإرادات والهمم وحقنها بثقافة الهزيمة وإلزامها بالقانون الجديد للسيد الغربي ورقابة الحاكم العربي.

مشروع الشرق الأوسط الكبير ظاهره فيه الرحمة وباطنه من قِبَلِه العذاب.

يبدو – ظاهريا – أنه مشروع طموح وواعد لتكامل الأمم وتجانسها، مشروع يرفع رايات السلم بين شعوب العالم وتسامح الديانات، ونهاية صراع الحضارات، وذلك بإصلاح العقول وإعادة بناء الإنسان، من خلال منظومة تعليمية تتلاءم مع متطلبات القرية الكونية.

إنها المدينة الفاضلة التي يرسم المشروع معالمها للعرب، ويحدد سحنة إنسانها وأبعاد حضارتها، من خلال تعليم يرتكز على منظومة قيم جديدة تتبنى ثقافة التسامح والعطاء ومبادئ حقوق الإنسان والديمقراطية والحرية…

• من منا لا يطمح للحرية والكرامة إلا خانع ومستبد؟!

• من منا لا يبحث عن حقه في التعبير عن رأي وعيش كريم إلا مستلذ بطعم المهانة والعبودية؟!

• من منا لا يتوق إلى مجتمع تسود فيه المعرفة إلا جاهل ينعم في ظلمات الفقر والجهل؟!

مساق الإصلاح

نضع في هذه السلسة من المقالات، بحسن نية، مشروع الشرق الأوسط تحت المجهر، ونسائل شعاراته الواعدة للأمة العربية والإسلامية بتطوير مناهج التعليم على مدى مشروعية أهدافه، وأبعاده الإستراتيجية المخفية وراء تلك المبادئ.

ذلك لما للتعليم من صدارة في أولويات البناء، فهو منبت الرجال وميدان صقل الهمم وورشة لصناعة حياة الأمم.

وأعظم ميدان للمواجهة ميدان التربية والتعليم، ذلك الذي فيه يتقرر المستقبل، وعلى نتائج غرسه يتوقف مصير الأمة. فنظام التربية والتعليم هو العمود الفقري للدولة، وإعادة ترتيب هذا الجهاز ضرورة الضرورات في حياة الأمة. فيجب إنشاؤه إنشاء جديدا، وصياغة قنواته، وسد منابع الفساد المخلفة فيه لإعداد أجيال سليمة العقيدة والفطرة مسلحة بالمعارف العملية التطبيقية.

تعليم عالمنا العربي والإسلامي يشهد واقعه على أنه مأزوم، يحتاج فعلا إلى إصلاح. عملية الإصلاح فريضة إسلامية، والتجديد سُنة كونية فإنه لا مناص من التغيير.

• فما هو التغيير المطلوب؟

• ما هي المعايير والمقاييس التي ينبغي أن تستند إليها عملية التغيير التعليمي ولمصلحة من تتم محاولات تغيير مناهج التعليم في الدول الإسلامية؟

• لماذا البدء بوضع التعليم في سياقه العالمي عوض الابتداء بالمعطيات الموضوعية للواقع التربوي المعيش؟

مشروعية السؤال

مجموعة أسئلة نطرحها باعتماد الأسلوب التذكيري الرحيم بعيدا عن السجال المتعصب، مذكرا كل من يحمل شعار الإسلام ويفخر بالانتساب إلى رموزه أن ذلك لا يعتبر قيمة مضافة للاستعمال السياسوي وإنما هو تكليف يملي التزامات أمام الأمة الإسلامية، وإذا حسبه البعض نياشين فخرية في الدنيا فهو أمانة تطوق الرقبة يوم الوقوف بين يدي من لا تخفى عليه خافية.