3) القوانين الدولية وسؤال العدالة الإنسانية

الأصل في القوانين أنها ما وجدت إلا لتضمن العدالة للناس وتحفظ حقوقهم، لكن واقع العالم اليوم يكشف عن اتخاذها في أحيان كثيرة دعاوى كاذبة تستعمل غطاء لمآرب أخرى بعيدة عن روح القانون، خاصة من طرف أولئك الماسكين بزمام القوانين الدولية، ومن الأقوياء الأغنياء الجالسين على مائدة الاقتصاد العالمي، وهي نفس المائدة التي صُنعت ووُقعت عليها تلك القوانين الدولية التي كثيرا ما توظف بطريقة تجعل غُنم المائدة الاقتصادية القانونية لمن يجلس عليها، وغُرمها لمن هم على الأطراف من الجنوبيين المستضعفين المبعدين عن مائدة المستكبرين وعما يُصنع وما صُنع عليها من قوانين لم يحضروها.

لكن وبالرغم من ذلك، تبقى فكرة القانونية الدولية متمسكا للمسلمين حاملي رسالة رب العالمين، يدخرونه لمستقبل تكون فيه هذه القوانين مجالا واسعا، يشتركون فيه مع الضمائر الحية في الغرب، لفرض مبادئ الوفاء بالعهود والمواثيق والعدالة الإنسانية على العالم، خاصة أن الإسلام جعل قانونه في العالم الدولي قائما على الوفاء بالعهود، قال عز وجل: وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولا.

وهذا ما سماه الإمام الشهيد حسن البنا رحمه الله “بالشرف الدولي للإسلام”، قال رحمه الله في رسالة “نحو النور”: فعلى ساسة هذه الدول جميعا (أي الدول الغربية) أن يفهموا أن شرف الإسلام الدولي هو أقدس شرف عرفه التاريخ، وأن القواعد التي وضعها الإسلام الدولي لصيانة هذا الشرف وحفظه أرسخ القواعد وأثبتها). ولذلك يجب أن يعتبره الغربيون ضمانة أخرى تضمن لهم حقوقهم) 1 .

فالعهد في الإسلام مقدس، مهما يفوت على المسلمين من مصالح قريبة، ومطامح مرغوبة؛ وإن الشرف مرعي مهما يسبب للمسلمين من خسائر ومتاعب، وإن الشعور الإنساني ملحوظ ،مهما تكن قسوة المعركة، وحرارة الضرب والحرب) 2 .

وهذا ما نستخلصه من فكر الأستاذ عبد السلام ياسين الذي يؤكد على ضرورة احترام القوانين الدولية وعدم خرقها لعدة اعتبارات منها:

1_ أن في خرقها إعطاء فرصة للآخر لتأليب العالم على المسلمين، بحجة فرض احترام الشرعية الدولية.

2_ أنه من مصلحتنا أن نحترمها اليوم على عِلاتها، بما يبقي لنا حضورا في العالم، حتى نقوى، فإن قوينا فمن واقع القوة نساهم في إعادة ترتيبها وتعديل ميلها بما يخدم صالح الإنسانية كلها دون تمييز.

3_ إضفاء أخلاقيات الإسلام في غد القوة، من حلم وسلم ورحمة… على القانونية الدولية، بما يعطي البرهان العملي للعالم على النموذج الطيب والناجح للإسلام.

4_ أن تسيير شؤون العالم اليوم في قنوات قانونية دولية ضرورة لابد منها للحفاظ على الاستقرار العالمي، وهو مطلب آخر مشترك للإنسانية جمعاء.

4) الاستقرار العالمي وضرورة الحوار والتواصل الحضاري

يقول الأستاذ المرشد: الأصل في تعايش أهل الأرض الأمان، والاستقرار العالمي مطلب لنا عزيز (…) وأفضل مناخ لتبليغ رسالتنا هو السلام في العالم والتواصل والتعارف والرحمة) 3 ، وليس الهدف الإسلامي إشعال الحروب وإثارة الصدام العسكري وتبني الصراعية المبدئية التي ليست لنا دينا) 4 .

ويقول سيد قطب رحمه الله: فكرة السلام في الإسلام فكرة أصيلة عميقة، تتصل اتصالا وثيقا بطبيعته، وفكرته الكلية عن الكون والحياة والإنسان) 5 .

وللأسف ففي الوقت الذي ينبغي أن يسعى الجميع لضمان هذا الاستقرار والسلام في العالم والمحافظة عليه، نجد البعض يسعى إلى وضع المجهر على الخلاف الثقافي والحضاري بين الإسلام والغرب للزيادة في تضخيم المميزات والاختلافات الثقافية والاجتماعية… حتى تكون مقدمة للإعداد لنظريات إيديولوجية تتبنى الصراع و”الصدام بين الحضارات”، عوض الحوار والاستقرار والسلم الحضاري. ولعل “النظرية الهنتنجتونية” التي تتنبأ “بالصدام الحتمي” بين الإسلام والغرب، أصدق مثال على ذلك.

طالع أيضا  المدخل إلى التواصل مع الغرب من خلال فكرالأستاذ عبد السلام ياسين(4)

كما أن إحياء العداء الصليبي الموروث عند البعض في الغرب موجة لا بد أن تمر، لأن الواقع الحالي لا يمكنه إلا أن يحتم على الجميع في نهاية المطاف ضرورة التعايش والتواصل والتحاور واحترام القوانين الدولية. خاصة مع وجود مروءات في الغرب تستحق الاحترام وتعرف معنى للحوار من منطلق حرصها على خدمة القضايا الإنسانية الصرفة، وتتمثل بالخصوص في ضمير الغرب الحي الذي أشرنا سابقا إلى كونه يتجسد بشكل خاص في “المنظمات الإنسانية غير الحكومية”، “فمع مثل هؤلاء حوارنا” يقول الأستاذ عبد السلام ياسين 6 .

ويرى الدكتور توفيق الشاوي في كتابه “الشريعة الإسلامية والأصالة الفكرية”: أن في الغرب تيارين أساسين: استعماري يمثل رواسب التعصب والأنانية والغرور الأوربي، والثاني يمثل فكرا إنسانيا أصيلا يعترف بأن “مستقبل الحضارة ملك الإنسانية جميعا). من هنا فإن مستقبل البشرية يتوقف على التعاون العلمي والثقافي مع أصحاب الاتجاه الإنساني في الغرب) 7 .

لذلك لا بد للمسلمين من إعداد العدة لمحاورة العالم من موقع القوة وليس العنف، وبرحمة الإسلام لا بلغة الدموع والحروب، لأنه لا تكون مظاهر الرحمة وحقائقها إلا ضعفا في أعين العالم إن بدت من هزيل مشرد ممزق. لكن القوي يستطيع أن يبتسم فلا يؤخذ ابتسامه على أنه مجاملة انهزامية، ويستطيع أن يحاور بالحكمة والموعظة الحسنة وأن يجادل بالتي هي أحسن فلا يؤخذ ذلك منه مأخذ الضعف المكنون) 8 .

وبمقابل النظريات السائدة في العالم التي تتبنى الصراع والصدام، كحتمية تاريخية للحضارات، يدعو الأستاذ المرشد إلى التقاء البشرية على أرضية “مشروع حلف إنساني عالمي”، يحفظ كرامة الإنسان ويقضي على الإقصاء والحقد العنصري واحتقار خلق الله عز وجل والعنف على الإنسان والوسط الحيوي للإنسان) 9 .

وقد ذكر الأستاذ منير شفيق في كتابه “الفكر الإسلامي المعاصر والتحديات” في فقرة له بعنوان “في سبيل مشروع حضاري عالمي” آراء مجموعة من مفكري الإسلام الداعين إلى هذا المشروع.

كما ينقل عن الدكتور توفيق الشاوي، أن المفكرين والعلماء من جميع شعوب العالم يسعون لنظام عالمي جديد تساهم من خلاله كل الشعوب في بناء الحضارة الإنسانية التي تتسع للحضارات والثقافات المتنوعة المتعددة الأصيلة 10 .

تجد هذه الدعوة الكريمة مستندا لها في السيرة النبوية العطرة التي ورد فيها خبر “حلف الفضول”، وهو حلف للفضائل والمروءة، تعاقد وتعاهد مشركو قريش في الجاهلية، قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، بمقتضاه على حماية الضعيف والغريب والوقوف إلى جانب المظلوم حتى يأخذ حقه.

وقد قال عنه صلى الله عليه وسلم، بعد بعثه، كما جاء في السيرة النبوية لابن هشام: “لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لي به حمر النعم، ولو أدعى به في الإسلام لأجبت”. وهذا تأكيد منه صلى الله عليه و سلم على التمسك بهذا الحلف وأمثاله من الأحلاف المروئية ولو وقعت في الجاهلية، وذلك لأنها من المشتركات الإنسانية التي تمد جسور التواصل والتحاور والتعاون بين الناس.

طالع أيضا  المدخل إلى التواصل مع الغرب من خلال فكر الأستاذ عبد السلام ياسين(2)

إن مد مثل هذه الجسور الحضارية بين كل شعوب العالم ،لهو السبيل الأمثل لبلوغ الاستقرار والسلم العالميين ، وهما بدورهما أنسب وسط لتوفير المناخ المناسب لتعريف البشرية برسالة المسلمين، وكذلك للتنمية والازدهار الاقتصادي في العالم.

وإن عصب هذه التنمية، نعمة أجراها الله تعالى تحت أقدام المسلمين، ألا وهي نعمة النفط، الذي لا استقرار للاقتصاد العالمي إلا باستقرار أسعاره، والتي لا يمكن لها ذلك إلا باستقرار أمور المسلمين. وقد أظهرت التجارب التي نشاهدها في عالمنا اليوم، أن إشعال نيران الحروب قرب آبار النفط، يأتي على الأخضر واليابس، وأن لهيبها ودخانها يصل إلى العالم كله، في شكل أزمات سياسية واقتصادية عالمية لا توقفها الحدود السياسية، كما أن شررها يتطاير ليشعل أماكن كانت تعتبر إلى وقت قريب مناطق هادئة ومستقرة.

وعليه ستكون حاجة العالم وحاجة المسلمين إلى الاستفادة من النفط من بين أهم الدوافع الواقعية التي ستدفع العالم وتدفع المسلمين إلى الحوار لا إلى التصارع كما يتمنى البعض، وإلى أن تجعل من هذه النعمة الإلهية عامل استقرار لا عامل دمار. وبذلك يجبر الجميع على الاشتراك في البحث عن أسباب استقرار عالمي يحقق تنمية عادلة، لا تسقط من حسبانها حق المحافظة على الكوكب الذي يجمعنا العيش على سطحه.

5) التنمية والبيئة

يقول الأستاذ المرشد: هَم التنمية يسيطر على العالم، عالم تطغى فيه الشهوات العارمة بهم (أي المستكبرين الذين يعيشون في بحبوحة الاستهلاك)، وتطغى بالمستضعفين منا الحاجة والجوع والكبت والمغلوبية) 11 ، وهذه الآفات وغيرها هي بعض نتائج التحديات الكثيرة التي تواجهها التنمية في دول الجنوب، والتي نذكر منها على سبيل المثال لاالحصر:

– فقدان أغلب الأنظمة السياسية في هذه الدول للشرعية الشعبية، بسبب غياب الآليات الديمقراطية التي تمكن من الاختيار الحر للمؤسسات الحاكمة، الشيء الذي يخل بمعادلة التنمية القائمة على أساس وجود حكم شرعي وعادل، يجمع طاقات الأمة، الملتفة حوله، ليوجهها نحو الرقي في السلم التنموي.

– فشل المخططات التعليمية في تكوين اليد العاملة الماهرة والكفاءات العلمية العالية.

– هجرة الأدمغة الناجية من طاحون التعليم الفاشل وتوظيفها في خدمة الاقتصاد الغربي، واستيراد خبرات الآخر بأبهظ الأثمان.

– البطالة وانغلاق الأبواب والمحسوبية والرشوة وغيرها من آفات التخلف.

– الوصاية الغربية الرأسمالية على اقتصاديات البلدان المستضعفة، ودفعها إلى إنتاج غلل ترفيهية يبتاعها المترفون بثمن بخس…

إلى ما هنالك من تحديات يجب أن نشترك، مع كل ذي نية حسنة في العالم، لمواجهتها وتحقيق تنمية عالمية عادلة مستقلة، فالجهاد لإبادة البؤس والخوف من حضرة تكريم الإنسان أهم ما يعتز به حملة الرسالة الرحمة) 12 .

رسالة تجعل الإنسان وكرامته وتنميته ليس فقط اقتصاديا، بل وكذلك روحيا وأخلاقيا واجتماعيا وغير ذلك… من صلب مبادئها.

طالع أيضا  المدخل إلى التواصل مع الغرب من خلال فكر الأستاذ عبد السلام ياسين (6)

يقول الدكتور إدريس مقبول في مقال له بعنوان: “دولة الإسلام هي دولة الإنسان”: والتنمية التي تجري خلفها الأمم وتتسابق مهما كانت مواردها المادية من حيث الوفرة والتنوع والجودة… لا يمكن لأي شيء ذي قيمة أن يتحقق منها كما لا يمكن لأية استراتيجية أو برنامج أن ينجح ما لم يراع الإنسان ذلك الكائن ذو البعد الأخلاقي كما يعرفه الدكتور طه عبد الرحمن في جوهره. هكذا نفهم المنهج الإسلامي في التغيير، والفلسفة القرآنية في التنمية والبناء الحضاري) 13 .

وقد أدى تنكر الغرب للجوانب الروحية والدينية والأخلاقية السامية والإنسانية إلى تبديد الإنسان والبيئة وتعريض الوجود البشري إلى خطر الإبادة) 14 .

إن عنف الحضارة الرأسمالية الجاهلية لم يقتصر على الإنسان وتنميته فقط، بل امتد إلى الطبيعة والبيئة المحيطة به.

يقول الأستاذ عبد السلام ياسين: إن الحضارة المادية وآلتها الصماء العمياء تسيء إدارة الكوكب وتجحف بحقوق ساكنيه وتعرضه لأخطار مميتة) 15 .

ومن بين هذه الأخطار التي لا يخفى أثرها السيء على حاضر البشرية ومستقبلها:

– تلويث الجو بغازات الأوكسيد الكاربوني مما يهدد بكوارث حقيقية تصيب البشرية.

– رمي النفايات والفضلات الضارة في الأنهار والبحار مما يؤدي إلى تسمم الأسماك وتلوث المياه والأجواء بالأبخرة المتصاعدة منها.

– اكتراء أراضي المحرومين وتدنيس تربتها بما يدفن فيها من فضلات الأورانيوم التي يدوم إشعاعها الخطير قرونا وقرونا…

– الامتناع عن توقيع المعاهدات والاتفاقيات الدولية للحد من الأنشطة الملوثة…

وهكذا تحول الحضارة المادية المعمور إلى مخروب – حسب تعبير الأستاذ المرشد – يزداد خرابه كلما ازداد نموها.

لكن لا ينبغي أن نغض الطرف عن أنه، ومن وسط هذه الأخطار والأجواء الملوثة، يستيقظ ويرتفع طموح الضمير الإنساني ويطالب بحق الإنسانية في الحفاظ على الكوكب الأرضي نظيفا، وعلى البيئة الطبيعية مصونة للأجيال. هذه مرتبة عالية من الوعي نعطيها من الاحترام مثل ما تعطيه الأصوات الحرة.) 16


[1] انظر كتاب “العدل: الإسلاميون والحكم” مصدر سابق، ص307-308.\
[2] سيد قطب، “السلام العالمي والإسلام” الطبعة 11 دار الشروق 1993. ص 189.\
[3] “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين” مصدر سابق، ص 213-214.\
[4] كتاب العدل 372-373.\
[5] سيد قطب “السلام العالمي والإسلام” مصدر سابق، ص 13.\
[6] كتاب “العدل: الإسلاميون والحكم” مصدر سابق، ص523.\
[7] انظر “الفكر الإسلامي المعاصر والتحديات” مصدر سابق، ص 63.\
[8] كتاب “العدل: الإسلاميون والحكم” مصدر سابق، ص 373.\
[9] “الإسلام والحداثة” مصدر سابق، ص 22-23.\
[10] انظر “الفكر الإسلامي المعاصر والتحديات” ص57 وما بعدها.\
[11] كتاب “العدل: الإسلاميون والحكم” مصدر سابق، ص 206.\
[12] “حوار مع الفضلاء الديمقراطيين” مصدر سابق، ص 119.\
[13] د. إدريس مقبول “دولة الإسلام هي دولة الإنسان” مقال بمجلة منار الهدى مصدر سابق، ص 62.\
[14] “الفكر الإسلامي المعاصر والتحديات” مصدر سابق، ص 52.\
[15] كتاب “العدل: الإسلاميون والحكم” مصدر سابق، ص 404.\
[16] كتاب “العدل” ص 317.\