تشهد تونس، منذ أكثر من أسبوعين، موجة احتجاجات شعبية غير مسبوقة عمت مختلف أنحاء البلاد، وهي احتجاجات ذات صبغة اجتماعية انطلقت شرارتها الأولى بعد إقدام خريج جامعي، يمتهن بيع الخضر والفواكه، على إحراق ذاته بسبب المضايقات التي تعرض لها من قبل القوات العمومية، لتنتهي بغضب شعبي مندد بالفساد ومحتج على تردي الأوضاع المعيشية والتهميش والإقصاء ومطالب بالحرية والتوزيع العادل لثروات البلاد.

تؤشر موجة الغضب هاته على تحول نوعي في الأشكال الاحتجاجية التي لم تعد تقتصر على التظاهر، ولكنها دخلت نطاق تعريض الذات للخطر، مما يدل على أن اليأس بلغ مداه ولم يعد عند هؤلاء الشباب بصيص أمل في مستقبل ينعمون فيه بحياة كريمة.

تأتي هذه الواقعة لتضع في دائرة المساءلة نموذجا تنمويا لطالما دعا العديد من الساسة، ومنهم مغاربة للأسف، إلى الاقتداء به، حيث كانوا يقدمون هذه التجربة باعتبارها رائدة في المنطقة بحكم أن هذه الدولة استطاعت، رغم صغر مساحتها وقلة إمكانياتها، أن تجلب الاستثمارات وتحدث حركة اقتصادية نشيطة وتحقق معدلات نمو مقبولة جدا وتحوز رضى المؤسسات الدولية.. ولكنهم تناسوا مساوئ هذه التجربة التي فضحت بعضَها هذه الاحتجاجاتُ.

نسي هؤلاء أنه لا يمكن حصر التنمية في نسب مائوية وأرقام جامدة لا أثر لها على معيش الناس اليومي، ونسوا أن التنمية والحرية وجهان لعملة واحدة لأن التنمية هي التي تخلق القاعدة المادية للديمقراطية ولأن الحرية هي التي تهيئ الإطار المحفز للتنمية، ونسوا أن التنمية لا تنتعش في بيئة يحيط بها الفساد من كل جانب، ونسوا أن رضى المؤسسات الدولية لا يعني سير المرضيِّ عنه في الاتجاه الصحيح لربح رهان التنمية.

لقد ظلت تونس تقدم نفسها كقبلة للسياح والمستثمرين وكأول مصدر في جنوب المتوسط، ولكنها تناست تقهقرها في سلم الفساد لأنها تراجعت من المرتبة 51 سنة 2006 إلى المرتبة 65 سنة 2009، أي أنها خسرت 14 نقطة خلال أربع سنوات، وهذا يؤكد صحة الشائعات المنتشرة حول انعدام الشفافية والنزاهة والحكامة وحول تكدس ثروات البلاد في أيدي مقربين من النظام، وتناست أن معدل البطالة بلغ سنة 2008 نسبة 14 في المائة، وهي نسبة تتزايد وسط الفئات المتعلمة. ولهذا يقع المتتبع لهذه التجربة في حيرة وهو يحاول تفسير هذا التناقض!

ينسى المنبهرون أن هذا النظام وصل إلى الحكم بعد انقلاب أبيض قدم بعده وعودا كثيرة، ولكنه منذ ذلك الحين لم يغادر سدة الحكم، بل شهدنا مؤخرا حملة مناشدات مبكرة أطلقها الحزب الحاكم من أجل التمديد لـ”بن علي” لولاية سادسة رغم أن ولايته الخامسة لن تنتهي إلا في سنة 2014 وسيكون حينها قد تجاوز سن الترشح القانونية المحددة في 75 سنة، مما يستدعي تعديلا جديدا للمادة 40 من الدستور. وبذلك، سنكون أمام تعديل “يشرعن” الرئاسة مدى الحياة ويصنع دستورا على مقاس شخص!

هل يمكن أن نتصور حزبا حاكما لمدة عقدين من الزمن لم ينجح في إعداد شخص واحد يخلف الرئيس؟ هل هذا نموذج يحتذى به؟ هل نتخيل دولة تنموية تقوم على أشخاص وليس على مؤسسات؟ هل يمكن للتنمية الاقتصادية أن تتحقق بدون تنمية سياسية؟

أما الفضيحة الثانية فتتجلى في الصور المنشورة عن هذه الاحتجاجات لأن مصدرها هو الأنترنيت، وسبب ذلك هو التعتيم الذي تمارسه السلطات التونسية لتفادي نشر غسيلها الداخلي أمام المنتظم الدولي، وهذا كان الشغل الشاغل للرئيس حين صرح في خطابه بأن هذه الأحداث تشوه سمعة البلاد وتؤثر على السياحة.. ولولا هذا التطور التكنولوجي لما سمع العالم عن حقيقة هذه الأحداث وحجم انتشارها والقمع الذي تواجه به. فهل يمكن أن تكون هذه هي سياسة نموذج يقتدى به؟ هل هكذا تعامل وسائل الإعلام؟ وهل بهذه السلوكات نقدم الحقيقة إلى العالم؟

الجواب عن هذه الأسئلة يلمسه كل من أتيحت له فرصة متابعة إحدى نشرات الإعلام الرسمي التونسي الذي فسر هذا الزخم الاحتجاجي باعتباره حالات فردية ومعزولة.

وتتجلى الفضيحة الثالثة التي فجرتها هذه الاحتجاجات في افتقار البلاد إلى تعددية سياسية حقيقية ومؤسسات وسيطة تتولى تأطير وتمثيل وتوجيه المواطنين، وهو ما تبين من خلال الطابع العفوي لهذه الاحتجاجات ولجوئها إلى الشارع للتعبير عن مطالبها وسرعة انتشارها في كل المناطق بدون حاجة إلى تنظيمات مدنية مؤطرة لوجهتها.. وهذه هي النتيجة التلقائية لسياسة المطاردة التي تطال المعارضين قصد ترهيبهم أو استقطابهم ولأساليب التضييق التي تستهدف كل الأحزاب والنقابات والهيئات الحقوقية المعارضة، وهو ما خلق فراغا في المجتمع لم يغطه الحزب الحاكم الذي اكتسح الانتخابات البلدية الأخيرة، في مايو 2010، وفاز بـ90.67 في المائة من المقاعد.

أليس غريبا أن يطلب من حزب عجز عن تهييء بديل للرئيس خلال عقدين أن يؤطر شعبا بأكمله؟

من السهل أن نتوسع في الاستنتاجات لأن الحدث غني بالعبر، ولن يتسع المقام، بالتأكيد، لبسط كل المساوئ التي كانت خافية على بعض المفتتنين بهذا النموذج المنخور.

لقد سارع الرئيس إلى اتخاذ تدابير لاستدراك الأمر فأعفى، ولاة وأحدث تعديلا حكوميا أعفى بموجبه أربعة وزراء ووعد بإنجاز مشاريع تنموية في المناطق المتضررة.. ولكنها، للأسف، تدابير علاجية متأخرة ومغلفة بطابع سلطوي بدت نبرته التهديدية في الخطاب الأخير للرئيس والذي كال فيه الشتائم للمحتجين.

والمثير في كل ما سبق هو سلبية العديد من “الدول العظمى” التي اعتادت التلويح بورقة حقوق الإنسان والمساعدات والضغط على الدول التي تشهد مثل هذه الأحداث رغم المنحى التصعيدي الذي تسير فيه الاحتجاجات والمواجهة العنيفة التي يواجه بها المحتجون. وهذه هي سياسة الكيل بمكيالين التي تتقنها هذه القوى التي لا تتحرك إلا وفق ما تمليه عليها مصالحها وليس واجبها وضميرها الإنساني.

نتمنى أن يكون في هذا الحادث درس لدعاة “التونسة” ليفهموا أن هذا النموذج لا يصلح لنا ويستوعبوا أننا نستحق الأفضل بسبب تاريخنا وتضحياتنا وإمكانياتنا.