المطلب الثاني: السياق الداخلي الخاص للقانون 01.00

إن أهم ما ميز المنظومة التعليمية بالمغرب سنة 1999 صياغة ميثاق وطني للتربية والتكوين 1 ، اتسم بنوع من الشمول، إذ عالج المسألة التعليمية في كل مراحلها، كما اتصف بشيء من الإجرائية بتحديده لأهداف معينة في إطار زمني محدد.

إلا أنه وخلافا لما تحمله كلمة ميثاق من دلالة على حرية الإرادة، وما تحمله صفة وطني من سيادة في الاختيار، فإننا لا نجانب الصواب إذا أكدنا بأن الميثاق الوطني للتربية والتكوين ليس إلا تنزيل أمين لما

جاء في تقرير البنك الدولي لسنة 1995 سواء على مستوى الأهداف العامة أو على المستوى الإجرائي 2 .

وبالتالي فإذا كان هذا الميثاق يشكل مرجعية مباشرة للقانون الجديد المنظم للتعليم العالي، فإنه وبمقتضى علاقة التعدي نستنتج ارتهان القانون 01.00 في اختياراته الأساسية لإرادة البنك الدولي، وإذا كنا سنعود إلى ذلك بشيء من التفصيل في الفصل الثاني من هذا الباب، فحسبنا هنا التطرق إلى الميثاق الوطني للتربية والتكوين قصد التحقق من فرضية الارتهان لإرادة خارجية من جهة أولى، ومن أجل رصد إيجابيات الميثاق وسلبياته من جهة ثانية، لذلك سنقسم هذا المطلب إلى فقرتين، فقرة أولى نتطرق فيها إلى لمحة عامة حول الميثاق الوطني للتربية والتكوين شكلا ومضمونا، وفقرة ثانية سنبحث من خلالها رؤية الميثاق للتعليم العالي والبحث العلمي.

الفقرة الأولى: الميثاق الوطني للتربية والتكوين شكلا ومضمونا

بكل تأكيد لا تسعنا هذه الفقرة للتطرق إلى الميثاق الوطني للتربية والتكوين في كل أبعاده وجوانبه، ولكنها محاولة شديدة التركيز يشفع لنا فيها كون بحثنا حول إصلاح التعليم العالي وليس حول إصلاح التعليم بصفة عامة. فحديثنا عن الميثاق في هذه السطور لا يخرج عن كونه محاولة لرصد السياق الخاص للإصلاح الجديد للتعليم العالي.

في 8 مارس 1999 بعث الملك الراحل الحسن الثاني رسالة إلى البرلمان تحدد التوجهات العامة التي ينبغي أن يشملها إصلاح التعليم، ودعا من خلالها إلى تشكيل لجنة من أجل ذلك الغرض، وبالفعل شُكلت اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين. وكما أوصى بذلك تقرير البنك الدولي، فقد كانت هذه اللجنة مدعومة من أعلى مراكز القرار، وكانت الرئاسة فيها لشخصية تحظى بالاحترام في الأوساط السياسية 3 . وكان العدد لا يتجاوز أربعة وثلاثين عضوا، وقامت اللجنة بزيارة بعض الدول!

عملت اللجنة لمدة ثلاثة أشهر شهر ( أبريل، ماي ويونيو) من سنة 1999، واستطاعت خلال 400 ساعة من العمل أن تنجز العديد من الوثائق بمجموع 26657 صفحة. كان عصارتها ما سمي بمشروع الميثاق الوطني للتربية والتكوين، إلا أنه رغم كل هذه الجهود فإننا نسجل الملاحظات الآتية:

أ. التطابق التام مع ما أوصى به تقرير البنك الدولي سواء في طريقة تشكيل اللجنة أو في طريقة عملها؛

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975-2008) -25-

ب. اللجنة بإنجازها لمشروع الميثاق الوطني للتربية والتكوين، دون أن يخضع هذا الأخير لمناقشة البرلمان أو مصادقته، تكون قد هيمنت بشكل مطلق على اختصاص بعض الهيئات الدستورية من مثل الحكومة والبرلمان والمجلس الأعلى للتعليم. وقد تم تكريس هذه الهيمنة، حيث انتقلت اللجنة من الصفة المؤقتة إلى الصفة الدائمة، قصد متابعة عملية التطبيق وتقييم النتائج وإغناء الميثاق ليواكب التطورات والمستجدات؛ 4

ت. روعي في تشكيل اللجنة الانتماء للبرلمان، وبما أن هذا الأخير انبثق عن انتخابات 1997 التي يشهد الجميع بتزويرها، فإن اللجنة المنبثقة عنه تفتقد الشرعية المطلوبة، وبالتالي ليست أهلا لإنجاز مشروع الميثاق الوطني للتربية والتكوين؛

ث. أنجزت اللجنة مشروعها في مدة ثلاثة أشهر، وهي مدة قياسية في إنجاز إصلاح تعليمي يرهن مستقبل المغرب، بالإضافة إلى أن أشغالها أحيطت بسرية تامة، وبالتالي لم تكن هناك مواكبة بالنقاش العام. يضاف إلى ذلك أن المشروع خرج إلى الوجود بصيغ متعددة ومتضاربة في بعض الأحيان، وكان الرأي العام آنذاك مشغولا بوفاة الملك الحسن الثاني رحمه الله، مما لم يسمح بالكثير من النقاش والتداول. كل هذا إن دل على شيء إنما يدل على هيمنة الوصاية من جديد.

ج. لم تنطلق اللجنة من دراسة علمية تقييمية لقطاع التربية والتكوين، ولا للقطاع الاقتصادي الخاص والعام، المرغوب في الشراكة معهما، ولعل هذا ما حدا بالمشاركين في الندوة الوطنية حول “إصلاح نظام التربية والتكوين من خلال الميثاق الوطني للتربية والتكوين” إلى محاولة استدراك الأمر بالدعوة إلى إجراء دراسة ميدانية متخصصة حول إمكانيات ومؤهلات القطاع الخاص والجماعات المحلية والغرف والجمعيات المهنية وباقي الفاعلين لتحمل أعباء الدور المنوط بهم في الميثاق 5 .

بعد هذه الملاحظات حول طريقة إعداد الميثاق الوطني للتربية والتكوين يصبح من الغريب حقا أن ينص هذا الأخير على أن: كل القوى الحية للبلاد حكومة وبرلمانا وجماعات محلية، وأحزاب سياسية ومنظمات نقابية ومهنية، وجمعيات وإدارات ترابية، وعلماء ومثقفين وفنانين، والشركاء المعنيين كافة بقطاع التربية والتكوين، مدعوة لمواصلة الجهد الجماعي من أجل تحقيق أهداف إصلاح التربية والتكوين…) 6 .

أما فيما يرتبط بالمضامين فمن نافلة القول التأكيد على أن الميثاق الوطني للتربية والتكوين ضم العديد من الإيجابيات، سواء في قسمه الأول أو الثاني، أي سواء على مستوى المبادئ الأساسية، أو على مستوى مجالات التجديد ودعامات التغيير. فمن هذه الإيجابيات مثلا الالتزام بمحو الأمية وتعميم التعليم، الذي يعني تعميم تربية جيدة على الناشئة، وتشجيع التربية النظامية، وإقرار مبدأ المرونة بإتاحة الفرصة للعودة إلى التعليم في كل مراحله، بعد الانقطاع عنه، شريطة التوفر على شروط معينة، ومن أهم الإيجابيات الدعوة إلى تحسين مناهج وبرامج التعليم، والدعوة إلى إدماج التقنيات الحديثة في الواقع المدرسي..

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975-2008)-17-

إلا أن هذه الإيجابيات وغيرها لا تمنعنا من تسجيل الملاحظات الآتية:

أ- التطابق التام لما ورد في الميثاق الوطني للتربية والتكوين مع توصيات البنك الدولي، فمجالات الإصلاح مثلا ما هي إلا تفصيل للإجراءات التي نصت عليها المادة 24 من تقرير البنك الدولي؛

ب- أغلب الإيجابيات التي تضمنها الميثاق بُنيت على افتراضات غير واقعية، فتحسين جودة التعليم رُبط بمساهمة الجماعات المحلية في قطاع التربية والتكوين سواء على المستوى المالي أو البيداغوجي في الوقت الذي تعرف فيه جل هذه الجماعات المحلية ضعفا ماليا، إما بسبب قلة الموارد، أو بسبب كثرة الاختلاسات، كما تعرف ضعفا تأطيريا بسبب كثرة المستشارين الأميين، أو في أحسن الأحوال ذوي المستوى التعليمي المحدود.

ولربط مؤسساتنا التعليمية بمحيطها الاقتصادي دعا الميثاق في المادة 42 إلى ربط كل إعدادية بمركز مجاور للتكوين المهني أو مركز لاستئناس الشباب أو التربية النسوية، وكل ثانوية بمركز للتأهيل المهني أو معهد للتكنولوجيا التطبيقية، والواقع يشهد أن أغلب الإعداديات والثانويات لا توجد بقربها هذه المراكز، وإذا وجدت فبمسافة بعيدة جدا في كثير من الأحيان، باستثناء بعض المدن الكبرى، كمدينة البيضاء أو الرباط.

ت- إذا كان الميثاق الوطني للتربية والتكوين اتسم بالنظرة الشمولية، حيث تم التطرق إلى التعليم بكل مستوياته، دون فصل أو تجزيء، فإنه بالنظر إلى المحيط العام الذي يوجد فيه قطاع التربية والتكوين وقع الميثاق في نوع من التجزيء، حيث لم يصاحبه بالكيفية المطلوبة إصلاح الأنظمة الإدارية والاقتصادية والإعلامية وغيرها. ولعل هذا ما جعل المشاركين في الندوة الوطنية حول: “إصلاح نظام التربية والتكوين من خلال الميثاق الوطني للتربية والتكوين” ينادون: بوضع إصلاح المنظومة التربوية في إطار مشروع مجتمعي شامل: يهدف إلى إصلاح أنظمتنا الإدارية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والفنية وغيرها) 7 .

ث- طغيان المقاربة “الاقتصادوية – التشغيلية” 8 على الميثاق الوطني للتربية والتكوين. فهناك من جهة أولى وكما أوصى بذلك تقرير البنك الدولي النظر إلى الإنسان في بعده المادي فقط، بكونه رأسمال ينبغي أن يستثمر في اتجاه الاستجابة لمتطلبات سوق العمل المعولم، وذلك بـ”الجذب إلى الأسفل” عبر فرض تعليم في حدوده الدنيا، تكون معه اليد العاملة مؤهلة ورخيصة في نفس الآن، وهناك من جهة ثانية ونظرا لضغط بطالة الخريجين المتفاقمة ربط آلي للتعليم بسوق الشغل، لذلك نص الميثاق في أول مجالات التجديد على نشر التعليم وربطه بالمحيط الاقتصادي، وإذا كنا لا نختلف في ضرورة ذلك، فإننا نرى أن ربط منظومتنا التعليمية بهاجس تشغيلي وحيد قد تكون له عواقب وخيمة في المستقبل. ثم هل في ذلك الربط غير الواقعي لمؤسسات التعليم بمراكز التكوين ومعاهد التكنولوجيا حل لمعضلة البطالة، ونحن نعلم أن الكثير من خريجي قطاع التكوين المهني، بل ومن المهندسين والأطباء، التحقوا هم الآخرون بطابور المعطلين!؟

طالع أيضا  التعليم العالي بالمغرب (1975-2008) -23-

ج- الميثاق الوطني للتربية والتكوين في خطوطه العريضة، ناهيك عن أدق تفاصيله يتناقض مع الشعارات السابقة لـ”حكومة التناوب”، فإذا كانت هذه الأخيرة يغلب عليها التوجه الاشتراكي، الذي عبرت عنه بالكثير من الشعارات في خطابها السابق من مثل: “العدالة الاجتماعية”، “التكافل”، “التضامن”، “تكافؤ الفرص” … فإن الميثاق تسوده روح ليبرالية تُغَلِّب قيم السوق ومبادلاته، وتؤسس للفردية والتنافسية وحرية المبادرة، بل قرر الميثاق إجراءات سبق أن رفضتها أحزاب الحكومة في مرحلة المعارضة، من مثل إلغاء المجانية 9 ، وخصخصة مؤسسات التعليم والأحياء والمطاعم الجامعية، وعدم الحسم في مسألة التعريب 10


[1] أصبح هذا الميثاق وثيقة توجيهية ملزمة بعد أن زكاه الملك في خطابه أمام مجلس النواب يوم 10 أكتوبر 1999.\
[2] قصوري ادريس، الميثاق الوطني للتربية والتكوين تبضيع التعليم وخوصصة الجامعة، الطبعة الأولى 2001، ص 30.\
[3] عُين رئيسا لهذه اللجنة مستشار الملك السيد عبد العزيز مزيان بلفقيه، وجدير بالذكر أنه كان وزيرا للأشغال العمومية في حكومة الفيلالي السابقة، بمقتضى التعديل الحكومي، الذي تم في 13 غشت 1997 كُلف أيضا بوزارتي الفلاحة والبيئة!\
[4] أكد ذلك الخطاب الملكي في افتتاح الدورة التشريعية الخريفية يوم 8 أكتوبر 1999.\
[5] ندوة نظمتها جمعية المسار يوم السبت 5 فبراير 2000 بمدينة الدار البيضاء حضرها أكثر من 400 مشارك، نشرت التوصيات الصادرة عن هذه الندوة في جريدة التجديد بتاريخ 28 شتنبر 2000.\
[6] المادة 23 من الميثاق الوطني للتربية والتكوين، ووجه الغرابة في ذلك أن المشاركة في تنفيذ الإصلاح تتوقف على المشاركة في إحداثه، الأمر الذي لم يتم.\
[7] سبقت الإشارة إليها.\
[8] يعود أصل استعمال هذا الوصف للأستاذ عبد الرحيم عمران في كتابه “الجامعة المغربية ورهانات الديمقراطية” وقد سبقت الإشارة إليه.\
[9] الوزير الأول السيد عبد الرحمن اليوسفي، سبق له أن أكد على الالتزام بمجانية التعليم لأن مطالبة المواطن بالمساهمة مع مستوى الأجور الحالي، والفقر السائد، ستكون نتيجتها مغادرة المدرسة (برنامج القناة الثانية “وجه وحدث” نشر بجريدة الاتحاد الاشتراكي ليوم السبت 15 نونبر 1996).\
[10] على سبيل المثال نذكر تمسك حزب الاستقلال بضرورة التعريب من خلال العديد من أدبياته. وقد صرح الأمين العام السابق للحزب السيد أحمد بوستة في برنامج القناة الثانية “وجه وحدث” يوم الأربعاء 13 مارس 1997 بأنه من العيب أن تبقى المطالبة بالتعريب في بلد هويته عربية إسلامية. وأن تعريب التعليم العالي يحتاج إلى قرار سياسي حاسم!

وفي مؤتمره الوطني الخامس (30 مارس – 2 أبريل) دعا حزب الاتحاد الاشتراكي إلى ضرورة وضع برنامج وطني لتعريب التعليم العالي وحدد له سقفا زمنيا لا يتجاوز عقد التسعينات!!\