سَوْداءُ1 في بَيضاء لا يَكفي العَجَب *** في لَيلةٍ لَيْلاءَ حوكِمَ مُنْتَخَب
نُخَبٌ مِنَ الأحرارِ قَلَّ عَديلُهُم *** في العِلْم والتَّقوى وصُحبَةِ مَن صَحِب
في العَدْلِ والإِحْسانِ صَفْوَةِ صَفْوَة *** والعَدْلُ والإِحْسانُ أعْجَبُ مِن عَجَب
سَوْداءُ فُرْسانِ العَدالَةِ خَيْلُهُم *** لا تَعْرِفُ الإرْهاقَ أو تَشْكو التَّعَب
ولَها صَهيلٌ هائِلٌ وفَضائِل *** فالخَيْرُ مَعْقودٌ بِناصِيَةِ النُّجُب2
سَوْداء بِذْلَتُهُم وبَذْلٌ دَأبُهُم *** قَدْ لَقَّنونا كَم دُروساً في الأدَب
في الدِّين في الأخلاقِ في صَوْنِ الحِمى *** مِن غَزْوَة الغازينَ لُعْبَةِ مَن لَعِب
سَوْداءُ بَيْضاءِ المَحَجَّةِ فَرْضُهُم *** فَرْضُ الحُقوقِ على أَساطينِ الرَّهَب
وَلَهُم نَوافِلُ أن يَفوزَ دِفاعُهُم *** وَيَذِلَّ مَن دانوا بِنِحْلَةِ مَن غَلَب
بِأَدِلَّةٍ شَرْعِيَّةٍ وحَقائِق *** نَوْعِيَّةٍ لا بِالوِشايَةِ والكَذِب
وبِمُقْتَضى القانونِ لا بِرُغى الهَوى *** بالقَوْلِ فَصْلاً لا بِأَسْجاعِ الخُطَب
سَوْداءُ والبَيْضاءُ أَفئِدَةُ الأُسى *** مَن لَيس يَشْغَلُهُم عَن الأُخرى رَغَب
سَوْداءُ مِن بَيْضاءَ مِن أَرْضِ الفِدا *** مِن كُلِّ جِنْسٍ؛ مِن أَعاجِمَ والعَرَب
سَوْداءُ جاءَت بالبَياضِ وسَوَّدَت *** صَفَحاتِ تاريخٍ يُمَجِّدُ مَن كَتَب
مَنَّيْتُ نَفْسي أَن أَكونَ مُحامِيا *** لَمّا رَأَيْتُ كَلامَهُم يَزِنُ الذَّهَب
وَرَأَيْتُ مِلْءَ العُيونِ سَوادُها *** كُحْلٌ لِأعْيُنِنا وللباغي وَصَب3
يَوْم وَنِصْفُ اليَوْمِ ما عَرَفوا الكَرى *** دَرَّسْتُ نِمْتُ أَكَلْتُ أَوْهَنَني النَّصَب
وَأُسودُ سَوْداءِ العَدالَةِ يَقْظَةٌ *** كالنَّحْلِ يَحْمي شَوْكُهُ شَهْدَ الضَّرَب4
ويَشوكُ أَصْحابَ الشِّكايَةِ مُظْهِرا *** بُطْلانَ ما مَكَروا ويا بِئْسَ الأَرَب
لَمّا أَرَدْتُ دُخولَ قاعَةِ حُكْمِهِم *** رَفَضوا وقالوا لا، وهاجوا في غَضَب
ورَاى الأَظِنّاءُ الأُسودُ عَميلَهُم *** في القاعَةِ المَلأى يُتابِعُ عَن كَتَب
مَنْ كانَ أَرْهَبَ سَبْعَنا في دارِهِم *** سَرَقَ المَتاعَ وداسَ حُرْمَتَهُم وسَبّ
أَرْغى وأَزْبَدَ لاعِناً مُتَوَعِّدا *** مِن بَعْدِ ما أَخَذَ الفَريسَةَ واحْتَجَب
هُوَ ذا الخَبيثُ بِلا حَياءٍ حَاضِرٌ *** لَمّا رَمَتْهُ سِهامُ فِتْيَتِنا هَرَب
الخِزْيُ صاحَبَهُم وشَتَّتَ شَمْلَهُم *** وأَحالَ كِذْبَتَهُم دُخاناً مِن حَصَب5
وتَناقُضاً وتَهافُتاً وتَفاهَةً *** ومُراقِبو الجَلَساتِ مِن غَيْرِ العَرَب
في دَهْشَةٍ مِمّا يُحاكُ لأُسْدِنا *** في «جَلْسَةٍ عَلَنِيَّة» يا لَلعَجَب
ذُهِلوا لِرُشْدِ دِفاعِنا وَأَهالَهُم *** مَكْرُ العِدى وَأَغاظَهُم سَخْفُ السَّبَب
والمَغْرِبُ الأَقْصى يُديمُ جِراحَه *** سِجْنُ التُّقاةِ ودَعْمُ أَرْبابِ العُلَب6
ومُهاجِرون يُغادِرون بِلادَهُم *** المَوْتُ مِن بُؤسِ الحَياةِ لَهُم أَحبّ
ومُهَرِّجون ومهرجانات الهَوى *** كَثُرَت وصَارَت عَزاءَ المُسْتَلَب
هِيَ ذي الحُشودُ مِن المُحامين الأُسى *** والجَمْعَويِّين الأُباةِ مِن النُّخَب
ومُراقِبون مِن الأَقاصي أَجْمَعوا *** أَنَّ البِلادَ على صَفيحٍ مُلْتَهِب
أَوْلى لَهُم أَن يَرْجِعوا عَن غَيِّهِم *** ويُراجِعوا ما قارَفوهُ مِنَ الخَبَب7
هَيْهات يَهْزِمُ طالِحٌ صُلَحاءَنا *** خابَ الرَّجا، ضَعُفَ المُطالِبُ والطَّلَب
بَعْدَ التَّداوُلِ والجَميعُ على لَظى *** جاءَت بَراءَتُهُم بِحُكْمٍ مُقْتَضَب
بُرَآءُ مِن تُهَمِ الغُزاةِ وحَقُّهُم *** أَن يَخْرُجوا مِن سِجْنِهِم أَمْرٌ وَجَب
حُكْمُ البَراءَةِ لَيْس يُنْصِفُ فِتْيَةً *** قاسَوا مِنَ الأَهوالِ أَبْشَعَ مُرْتَكَب
وقَضَوا بِسِجْنِ الجَبْرِ سِتَّةَ أَشْهُر *** أَوَّاهُ هَل تَكْفي البَراءَةُ مَن غُصِب
لَكِنَّ مُرْشِدَنا الحَبيب أَرادَنا *** رِفْقاً وحِلْماً لا انْتِقامَ ولا شَغَب8
لكِنَّنا إِن لَم نَرُدّ بِمِثْلِما *** نِلْنا مِن البَلْوى فَصَبْرَ المُحْتَسِب
لا يُهْمِلُ المَوْلى خَفافيشَ الدُّجى *** الصُّبْحُ فاضِحُهُم ومَوعِدُهُ اقتَرَب
مِن سِجْنِهِم خَرَجوا نُجوماً في السَّما *** أَنوارُ إيمانٍ تَلألأ كالشُّهُب
أَحْبابُهُم مِن حَوْلِهِم في فَرْحَةٍ *** في نَشْوَةٍ جَذْلى تُرَدِّدُ في طَرَب
دُستورُنا القُرآن خَيْر مُرتَّل *** نور وفُرْقان وواسطَة الكُتُب
ونَبِيُّنا العَدْنان أَفْضَل مُرْسَل *** والعَدْلُ والإحسان عِزُّ المُنْتَسِب
ياسينُ مُرشِدُنا وأَعظَمُ مُرشِد *** ورجالُ فاسٍ سَبْعَةٌ عَجَبٌ رَجَب9
طافوا وطُفْنا بالمَدينَةِ شَدْوُنا *** يَعْلو على أَصداء أَسواقِ الصَّخَب
حَطَّ الرِّحال رِكابُنا في بَيْتِ مَن *** هُو قائِدُ الفُرسانِ نِعْمَ المُنْتَجَب10
وهُناك زُفَّ رِجالُنا وعَروسُهُم *** تِلك التي أَهْدابُها لَم تَضْطَرِب
رَغْمَ العَواصِفِ والمَعاوِلِ والمُدى *** أَعْيَتْ مَن استَعْلى ودَمْدَم لَم تَهَب
والمَكْرُ سَيِّئُه يَحيقُ بِأَهلِه *** لله عاقِبَةُ الأُمورِ بِلا رِيَب11
قَد أَوْقَدوا ناراً وظَنّوا أَنَّها *** في الحين آتِيَةٌ على سَبْعٍ «عَصَب»12
والله أَطْفَأَها وأَكْمَلَ نورَه *** نارُ العِدى خَمَدَت ونورُ الله شَب
أَفْيالُ أَبْرَهَةَ اعتَدَت ثُمّ اخْتَفَت *** تَبَّت يَدا ذَيْلِ الذَّليل أَبي لَهَب
لَم يُغْنِ عَنْهُ حُماتُه يوْمَ الوَغى *** سُحْقاً وبِئْسَ المُبتَغى والمُكتَسَب
كادوا وكادَ الله لا لا يَسْتَوي *** كَيْدُ العَبيدِ البائسين وكَيدُ رَب
هُزِموا ونَكَّسَ رَبُّنا أَعْلامَهم *** أَبْئِس بِغازينا اقتَفَوا آثارَ خَب13
في الذِّكرِ غاوٍ يَتْبَعُ الشُّعَراءَ لا *** غاوٍ يُتابِعُهُم تَساوَوا في اللَّقَب
لَكنَّ غاوِيَنا أَشَدُّ غِوايَةً *** غاوٍ وجاثٍ في الهُيامِ على الرُّكَب
في كُلِّ وادٍ هائِمٌ ومُسَيْلِمٌ *** القَولُ كِذْبٌ والفُؤادُ مِنَ الخَشَب
نَدِمَ الدَعِيُّ على ثَوانٍ في الهُدى *** جَمَعَتْهُ بالأَحبابِ في وَرْشِ الدَّأَب
أَحسَنْتَ حينَ سَلَخْتَ نَفسَكَ منهُمُ *** إِنَّ البَراءَةَ مِنكَ حَقٌّ مُكتَسَب
هذا حَصادُكَ فاهتَبِل أَشْواكَه *** هَيهاتَ يَجني السَّعْدَ مَن زَرَعَ الكُرَب
أَو يَرتَجي خِبٌّ مِن المَولى عُلا *** مَن يَطلُبُ الدُّنيا جَنى أَدنى الرُّتَب
مِنّا لأحرارِ القَضاء تحيَّة *** فالحرّ في دُنيا الهَوى بَرٌّ وصَب
لَسنا لِئاماً إن ظُلِمْنا قَومَة *** وإذا بَلَغْنا القَصْدَ أَنْكَرْنا السَّبب
نَحْن الكِرامُ حِلْمُنا مَلأ الدُّنى *** نَعفو ونَصْفَحُ في ميادينِ الغَضَب
لكِنّنا لا نرتضي وَهْناً ولا *** نَشكو إلى أَحَدٍ أَسانا واللَّزَب14
ونَبُثُّ شَكْوانا إلى المَولى ومَن *** يَشكو إلى الهادي بَلاءً قَد حَزَب15
فَقَد استَعانَ بِراحِمٍ فَلَه الهَنا *** وقَد استَعاذَ بِقاصِمٍ فَلَه الغَلَب
الله أَكبَرُ لَن يَخيبَ رَجاؤُنا *** مَهْما علا الباغي ورام لنا التَّبَب16
والعَبْدُ أَحْقَرُ مِن أَن يَدوسَ حُقوقَنا *** بِحِذاء سَطْوَتِهِ ومَن يُفْضَح شَجَب17
لا لَن يَضُرُّوا صَفَّنا إلا أَذى *** تَبَّت يدا مَن راد ذِلَّتَنا وتَبّ
مَن أَنصَفَ الأَحباب بَرَّأ حُكمَه *** مِن أن يكون هَوىً عَن التَّقوى نَكَب18
ولِمَن أَرادوا قَهرَنا ورُكوعَنا *** إِن كان زَرْعي يَنْحَني للرّيح هَبّ
هَيهات أَركَعُ فالرُّكوعُ لِرَبِّنا *** إمّا انحَنى الضِّرغام فاحذَر إن وَتَب
ما كُنتُ أَحسب أنّ شِعري حِكمَةٌ *** حتى رأَيتُ قصيدَتي رَهْن الطَّلَب
ورَأَيتُهُم في حيرَةٍ مِن أَمرِها *** كُلٌّ يؤولُها بأَعجَبَ مِن عَجَب
فَحَمدتُ مَن جَعَل القَريضَ هِوايتي *** وهِوايَةُ الغاوي إدانَةُ مَن كَتَب
ذي جَوْلَةٌ والحَقُّ صَولاتٌ تَلي *** هذا النِّزالَ وكُلُّ آت مُرتَقَب
لَكِن يقينا لا ادِّعاءَ ولا مُنى *** إن لَم تُصَدِّق فانتَظِر مع مَن عَتَب
ما كان حُلْماً أو أَضْغاث الكَرى *** هُوَ ذا يصيرُ حَقيقَة ماءَ القَرَب19
فاغرِف بِدَلوِكَ واروِ قَلْباً صادِيا *** والرُّوحَ أَطْعِم يا أُخَيَّ مِنَ السَّغَب
ماءُ القُلوبِ صَلاتُنا وغِذاؤُها *** بَعثُ السَّلامِ لأَحمَد عالي النَّسَب
صَلّوا على طه النبيّ وسَلِّموا *** ما حَنَّ مُشتاقٌ لِفاتِنَةِ القُبَب
خضراء طيبة يا لَها مِن قبّة *** جَمَعَت شهيداً بالخليل وخَيرِ أَب
صَلّوا على آل النَبيّ وصحبِه *** إنّ الصَّلاة علَيهِمُ خَيْر القُرب
وعلى مَن اشتاقَ النبي إليهم *** إخوانُ طه جيلُهُم تاج الحِقَب
ياسين قائدهم ورائِدُ قَومَةٍ *** مَن رادَها بالسُّوء للسُّوءِ انقَلَب
ومَن احتَذى حَذْوَ الرِّجال فَحَسْبُه *** أَنَّ الخليل مع الخليل ومن أَحَبّ
فاس : السبت 19 محرم 1432هـ

الموافق: ل25 ديسمبر 2010 م

هدية إلى رجال فاس المصونة، وهيئة دفاع جماعة العدل والإحسان العصبة المؤمنة ومرشدها أطال الله في عمره وزاده من فضله ونوره ونصره، بمناسبة خروج فتيته من سجن الظّلم والجور لمواصلة مشوار الجهاد وصناعة الحياة. والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.1 – سوداء: بِذلة المحامين شَرَّفَها الله وشَرَّف أهلَها ونَزَّهَها عن السُّفهاء.

2 – النُّجُبُ: جمع نَجيب: الفاضِل من كلّ حيوان.

3 – الوَصَب: الوَجَع والمَرَض.

4 – الضَّرَب: العَسَل الأبيض الغليظ.

5 – حَصَب: الحطَب الذي يُلقى في تنور أو في وقود، ولا يكون الحصب حصبا حتى يُسجَر به، ومنه ما ورد في التنزيل: حصب جهنّم.

6 – يعني عُلَب الليل.

7 – الخَبَب: الخُبث والمكر والفساد.

8 – الشّغب: التهييج بالشرّ.

9 – رَجَب: عظيم.

10 – المُنْتَجَب: المختار من كل شيء.

11 – الرَّيْب والرّيبَة: الشّكّ والظِّنَّة، والجمع رِيَب.

12 – العَصَب كناية عن الرّجال لقولهم: المال والرّجال عَصَب الدّعوة.

13 – الخَبّ : الماكر.

14 – اللّزب: الضّيق.

15 – حزبه الأمر: أهمّه.

16 – التّبب: الهلاك.

17 – شجب: حَزِن وهَلَك، والشاجِبُ الذي يَتَكَلَّم بالبذيء، وقيل الناطِقُ بالخَنا المُعِينُ على الظُّلْمِ.

18 – نكب عن الحق: مال.

19 – القَرَب: طلب الماء ليلا؛ قال ثعلب: إذا كان بين الإبل والماء يومان، فأول يوم تطلب فيه الماء هو القَرَب.