حملت الساعات الأولى من السنة الجديدة نبأ انفجار كبير أمام كنيسة القديسين في مدينة الإسكندرية بمصر، أودى بحياة واحد وعشرين مصريا، ثلاثة عشر مسيحيا وثمانية مسلمين، وأصاب العشرات بجراح متفاوتة الخطورة.

جريمة فظيعة بموازين الشرع والقانون، وبمقاييس العقل والمنطق، وبمعايير الفطرة الإنسانية التي ميز الله تعالى بها بين الإنسان الذي نفخ فيه من روحه وبين الحيوان الذي تسوقه الغريزة المتعطشة للدماء إلى اقتراف ما اقترف.

لا يمكن، بحال، فصل هذه الجريمة بأركانها وتفصيلاتها عن سياق الحالة التي تعيشها الأمة في نهاية الثلث الأول من القرن الخامس عشر الهجري، ولا يمكن فهم سياقها وخلفياتها إلا باستحضار من له المصلحة في تمزيق النسيج الاجتماعي لمكونات أمة الرحمة إمعانا في تشتيت جهود إقلاعها وحرصا على تعطيل محركات انبعاثها وانطلاقها ونهوضها من كبوتها التاريخية.

كانت اتفاقية “سايكس بيكو” عام 1916 من القرن الماضي تتويجا لمرحلة طويلة من السعي الحثيث لتمزيق الأمة إلى دويلات تفصل بينها حدود سياسية بغيضة تحول دون أي محاولة لانبعاث أمة الشهادة على الناس، ونعيش الآن “سايس بيكو” جديدة، أهم أهدافها تفتيت كل دويلة من هذه الدويلات المصطنعة، على حدة، بإشعال نار الفتنة الطائفية والمذهبية والقبلية بين أبنائها لاستنزاف طاقاتهم وإهدار جهودهم وإنهاك قُواهم في فتنة لا تشتعل لتنطفئ بل لتأكل الجميع بنارها فيكونوا وقودا متجددا في محركات الأعداء التاريخيين لهذه الأمة.

المسلمون إِزَاءَ المسيحيين، والسنةُ إزاء الشيعة، والعربُ إزاءَ الفرسِ والأكرادِ والأمازيغِ والزنوجِ… هذه هي “معادلة الفتنة” التي وضحت عناصرها بما لا يدع فرصة لشك متشكك، وهذه هي خلفياتُ مظاهرِ الاِحتقان الْمُقَسِّمِ السودانَ دُوَيْلَتَيْنِ مطلع عامنا هذا، والملهبِ الحارق في العراق واليمن، والآيلِ مصيرُه للانفجار في لبنان، والمتصاعد حَرُّهُ في مصر… والحبل على الجرار في باقي أطراف الأمة كُلٌّ في أوانه المخطط له!

اللهم سَلِّم.

ولم تخل جريمة الإسكندرية من دلالات لابد من رصدها وفهمها حتى لا تعصف بنا الأحداث.

الدلالة الأولى: اشتعلت نيران التفجير الإجرامي في مكان محدد بين مسجد وكنيسة ليدل على الغاية منه وهي إشعال نار الحرب بين أهل المساجد وأهل الكنائس.

الدلالة الثانية: اختلطت أشلاء المسلمين والمسيحيين ودماؤهم في هذا التفجير ليدل على أن الجميع، مسلمين ومسيحيين، يراد لهم أن يكونوا وقودا لهذه الفتنة المطلة علينا برأسها، وليتحمل الجميع، مسلمين ومسيحيين، مسؤولية درئها ودفعها بالوعي بخلفياتها وأهدافها وبالتشبث بأهداب هذا الدين العظيم الذي بُعث نبيه رحمة للعالمين أجمعين.

الدلالة الثالثة: لا يستطيع نظام مستبد مستأثر بالسلطة، خرج لتوه من انتخابات شهد الجميع بزورها، أن يكون حِضنا مؤتَمَنًا يحوز ثقة شعبه في مواجهة فتنة هو (أي النظام) أحد أوجهها.