تأسيس

عبرت الجماعة في شخص ناطقها الرسمي الأستاذ فتح الله أرسلان منذ اختطاف قياديي الجماعة بفاس صبيحة 28يونيو2010 عن شجبها لأسلوب تعامل الدولة مع الجماعة، وأكد في جميع تصريحاته أن القضية لا تعدو أن تكون حلقة جديدة للتضييق على حركة الجماعة والتشويش على انتشار تصورها ومواقفها صرفا عما تتخبط فيه البلاد والعباد من أزمات في شتى المجالات. وعليه، فالملف بدأ سياسيا بامتياز وانتهى سياسيا بامتياز.

ويَمكُرون

توالت سنوات ما يسمى بالعهد الجديد، ولم تُجدِ أساليب الترهيب المخزنية في تطويع الجماعة التي ظلت ثابتة على مواقفها السياسية صامدة أمام ضربات المخزن التي تركزت على اقتحام المجالس وتشميع البيوت والتضييق على أعضاء الجماعة في أرزاقهم وقطع طريق أي انخراط أو ظهور لأعضائها حتى استدعى الأمر من وزارة الداخلية ـ في عهد من اعتبر تكثيف الجماعة لأنشطتها يجعلها خارج القانون ـ إصدار مذكرة للولاة والعمال بمنع انخراط أعضاء الجماعة في جمعيات مدرسة النجاح؛ ولما عرقل هذا الإجراء التعسفي سير جانب من البرنامج الاستعجالي للتعليم اضطرت أم الوزارات لتجميد مفعول المذكرة، وتعترف مكرهة بحيوية أعضاء الجماعة ونموذجيتهم المهنية والخلقية.

إذن هو نهج قديم في عهد يراد له أن يكون جديدا، تضييق وتشويش ونيل من سمعة الجماعة باتهام زمرة من خيرة أبنائها بفاس المحروسة بأفعال تنم عن جنوح الجماعة للإرهاب ترهيبا للشعب من الانتماء أو مجرد التفكير في التعاطف، لأن المخزن المتشبع بالنظرية الاستباقية يحاكم ـ وليس قد ـ على مجرد النيات، ونيلا من مصداقية الجماعة دوليا من خلال دغدغة مشاعر الغرب المفزوع من الإرهاب.

ويَمِِْكرُ الله

حدد المخزن لعملية استهداف الجماعة أهدافا، ووجه من خلالها رسائل أهمها أنه ـ المخزن ـ لا يرقب في أي مكون سياسي إلا ولا ذمة، فالاستبداد رداؤه، والرأي رأيه، ومن نازعه فيهما فلن يتورع في استعمال أساليب التنكيل والبطش به: فرقة وطنية خبيرة في إذلال الكرامة الإنسانية ، ووكالة إعلام تتكلف بتوفير التغطية الإعلامية، ووكلاء أو مخزنيون جدد يُشرعنون للانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان “مستثمرين” رصيدهم النضالي لتبييض سيرة المخزن وأفعاله الشنيعة، وقضاء مرهون بتعليمات فوقية.

ووعيا بأبعاد العملية التصعيدية سارعت الجماعة لوضع استراتيجية التصدي، فتحركت مؤسساتها على أكثر من واجهة: إعلاميا صدعت بدوافع المؤامرة، حقوقيا فضحت زيف شعارات دولة الحق والقانون وأكذوبة طي صفحة الماضي، قانونيا كشفت ارتهان القضاء بمنطق التعليمات بلغت أوجها في أن يكون من يصدر الأمر بالاعتقال آخر من يعلم بحدث اختطاف في نفوذه الترابي.

وفقت الجماعة ـ ولله الحمد من قبل ومن بعد ـ في التواصل مع المنظمات الحقوقية الوطنية والدولية وذوي المروءات، فبسطت مظلمتها وجاءت المساندة بشكل أربك المخزن، وساقت العناية الإلهية من الأحداث ما زلزل الخيارات المخزنية وتوالت عليه الضربات، وصار أحوج ما يكون إلى ما يشبه الهدنة، إذ أن رصيده السياسي لا يسمح بفتح جبهة حقوقية قد تكلفه الكثير، وأمام الحضور القوي للمراقبين للشأن الحقوقي حكم المخزن ـ على غير عادته ـ العقل وقضت المحكمة ببراءة أعضاء الجماعة بفاس.

واذكروا إذ كنتم

مثلما كان للتصعيد المخزني أهداف ورسائل، فحدث البراءة بدوره لا يخلو من أهداف ورسائل، منها:

1. على المستوى الحقوقي زكت البراءة دور المنظمات الحقوقية، وشهدت لها بالمصداقية والنجاعة عندما يجرد الفعل الحقوقي من الخلفيات السياسية والإديولوجية. فتحية إجلال وإكبار لكل غيور على كرامة الإنسان من حيث هو إنسان.

2. على المستوى التواصلي برهنت البراءة على بوار منطق الانطواء والانكفاء عن الذات وتجريح الخصوم السياسيين، لأنه لا يخدم أحدا، والمستفيد منه هو الاستبداد الذي يجليه المثل العربي: “إنما أكلت يوم أكل الثور الأبيض.”.

3. على المستوى الخارجي، جاءت البراءة لتؤكد منجزات تدبير الجماعة لملف المعتقلين الإثني عشر، فالجماعة دأبها ألا تتخلى عن أعضائها، ولا ترهبها تهم من قبيل الإرهاب لتتملص فيما يشبه التنكر للمنتسبين إليها، مما أكسبها مصداقية بين الشعب.

4. على المستوى الداخلي، نجحت الجماعة في تدبير القضية، فاحتضنت أسر وأهالي المعتقلين، وواست عائلاتهم، وكان لذلك الصنيع أبلغ الأثر في النفوس، فازداد الأهالي بل والجيران ثقة في الجماعة، ويقينا في سلامة خطها وصواب مواقفها.

لقد استنفرت الجماعة مؤسساتها المركزية والمحلية لحشد الدعم المعنوي قبل المادي، وكانت فرصة لتجديد اليقين في موعوده سبحانه، إذ أن الابتلاء مؤشر صحي أن نهج الجماعة على المحجة البيضاء، فتوجهت القلوب متضرعة منكسرة بين يدي رب العباد الجبار القهار الفعال لما يريد أن يتولى الإخوة المعتقلين بالتثبيت وأن يجعل لهم مخرجا؛ فازداد الولاء للجماعة وحققت الحملة المخزنية أهدافا عكسية ترجمت يقظة قلبية وإرادة اقتحامية تصديا لمخططات النيل من الجماعة وانخراطا فعالا في أوراش بناء مشروع العدل والإحسان التغييري.

يا مقلب القلوب

وختاما، نتوجه بالحمد والشكر للباري تعالى أن ثبت إخواننا وتنزل عليهم بجميل لطفه فاحتملوا واحتسبوا. كما نتوجه بالشكر لكل من ساند الجماعة في هذه المحنة ـ بل المنحة ـ بالدعاء أو المواساة أو المساندة أو المنافحة راجين من الكريم الوهاب أن يجنب البلاد الفتن والمحن. والحمد لله رب العالمين.