يا راحلاً سَكَن الفؤادَ وِدادُهُ *** العَبْدُ يَرْحَلُ لا يَغيبُ جِهادُه
رَحَلَ الجَوادُ صَهيلُه مِلأُ الجَنا *** كان السِّباقُ إلى العَلاءِ مُرادَه
رَحَلَ الهِزَبْرُ زَئيرُه شَدْوُ الدُّنا *** كُلٌّ يَهابُ مَضاءَه وجِلادَه
رَحَلَ النَّهارُ وسَبْحُه صَنَع المُنى *** كان البِناءَ والعطاءُ عِمادَه
رَحَلَ الشَّريفُ وظَلَّ عاقِبُه جَنى *** وَجَنى الشّريف بَناتُه، أولادُه
رَحَلَ الرَّشيدُ وكان مِصباحَ السَّنا *** هَيْهات يُقْبَرُ بَيْن اللُّحودِ رَشادُه
كَرَمٌ وإحسانٌ مفاتيحُ الهَنا *** كَم طالِباً مالُ المُسَدَّدِ زادُه
كَم مِن يتيمٍ لَم يَعِش أَبَداً ضَنى *** ومحمّدٌ غَيْثٌ يُبيدُ شِدادَه
إن قيلَ مَن للمُشْتَكي نادى أَنا *** إِن كانَ جُرْحاً فالحبيبُ ضِمادُه
أَو كان عُسراً جَدَّ سَعْياً واعتنى *** حتّى يَذِلَّ العُسْرُ أَو يَعتادَه
أَو كان سُقْماً عابِراً أو مُزْمِنا *** شَدَّ الرِّحالَ إلى المَريضِ وعادَه
أو كان ظُلْماً فالفَقيدُ بِلا وَنى *** أَمسى خَصيماً للظَّلومِ وكادَه
كالحِبِّ لَم أَرَ عادِلاً أو مُحسِنا *** ياسينُ أَرْشَدَه لِذاكَ وَقادَه
للعُرْوَةِ الوُثْقى استَجابَ ومَا انثَنى *** لَبّى وأَسْلَسَ للوَلِيّ قِيادَه
لرِسالَةِ الإسلام أَقبَلَ مُعْلِنا *** عَن قَومَةِ الدَّاعي وكان جَوادَه
مَعَ أَحمَدٍ وَعَلِيّنا أُسُسِ البِنا *** سِرُّ الوَلِيِّ المُجتَبى أَورادُه
مِن أَفضَلِ الأَورادِ أَهْلٌ للثَّنا *** أَحبابُه الأَدْنَوْنَ هُم أَجنادُه
مَنْ أَبْلَغونا للمَعالي مَأمَنا *** والزَّرْعُ يُبْلِغُه المَرامَ حَصادُه
فاهْنَأ قَريرَ العَيْنِ إنّا ها هُنا *** نَسْقي غِراسَك بَل نَرُبُّ سَوادَه
هَيْهات نَنْسى أَنَّكَ الدّاعي لنا *** أَن نُقصِيَ الأَقسى نُزيلَ فَسادَه
هيهات نَنْسى أَنَّك السّاعي بِنا *** أَن نَنصُرَ الأَتْقى نَكونَ عَتادَه
هيهات نَنْسى أَنَّك الأَقصى دَنا *** حتّى زَوى عَنّا الحُنُوُّ بِعادَه
هيهات تَنسى أُمّة الأقصى سَنا *** بَدْرٍ قَضى فَغَزا الظَّلامُ بِلادَه
يا راحلا ذِكراك أَمْسَت دَيْدَنا *** للحَقّ يجْمَع حَولَها آسادَه
لِيُعيدَ للأَذهانِ عَدْلا مُحسِنا *** إنْ غاب عَنّا لَم تَغِب أمْجادُه
الحَيُّ مَنْ أحْياه رَبُّكَ مُؤمِنا *** وأَماته يَرْجو الجَميعُ مَعادَه
والمَيْتُ مَنْ عاش الحياةَ بِلا مُنى *** وقَضى وثُقبُ الأرْض ثَوّاً دادَه1
لم يَبكِه خَلقٌ ولم تَبْكِ الدُّنى *** أَن مَاتَ كُلٌّ يَشْتَهي إبْعادَه
يا راحلاً عَنّا ولم تَلْطُف بِنا *** ذِكْراك عُرْسٌ فَلْيَمُت حُسّادُه
نَهْفو لَهُ نَزْهو به نَنْسى العَنا *** عَنْ ذي الوِلاية فاسْأَلَنْ قُصّادَه
يَجِدون في بَيْتِ القِرى كُلَّ الهنا *** كُلٌّ يُصيبُ من الكَريمِ سِدادَه2
عِلمٌ وجاريةٌ ولَم يكُ ذا غِنى *** يُغريكَ في أَمْوالِه إرفادُه3
والمرءُ عاجِلُ ما يُبَشِّرُه الثَّنا *** والسَّيْفُ يُخْبِر عَن مَداهُ نِجادُه
أقوالُه أفعالُه ذُخرٌ لَنا *** أحوالُه أفْضالُه أكبادُه
إمّا ذَكَرنا الصّالحين فذِكرُنا *** شُكرٌ ومَن شَكَرَ المُهَيمِنَ زادَه
إن كانَ حَجَّ البَيْتَ عَبْدُك مُقرِنا *** مُتَمَتّعا أَو مُعْلِناً إفْرادَه
فَمُحَمّدٌ طافَ البِلاد مُبَيِّنا *** ما أبْدَأ الدّاعي الرّشيد أَعاده
زَمّ الشِّفاه عَن الحصائد والخنا *** سعيُ المروءة والصّفاء مُراده
بلغ المُنى وحجيجُنا بَلَغوا مِنى *** عرف الحبيب حبيبه فارتاده
متزلّفا بات اللياليَ موقنا *** أن الموفِّق للّقاءِ أَراده
رجم الشياطين العُداة مُوَطِّنا *** أمّارَةً بالسوء لا تقتاده
للشرّ شَرّ المحسن الراسي هَنا *** تٌ لا كبائِرَ تَعْتَري عُبّادَه
الهَدْيُ ذَبْحُ النَّفْسِ ذَبْحاً مُتْقَنا *** بمُدى الهُدى مَنْ شاء رَبُّك هادَه
بَعْدَ الإفاضَة لم يَعُد عبدَ «الأَنا» *** أَنّاتُه فوق «الأَنا» وسُهادُه
شَوقاً أَذاقَ أَناتَه مُرَّ العنا *** بالشّوقِ حَلَّق والجِنانُ مَعادُه
مُتَحَلِّلا مِنْ كُلّ عَيْب مَعْدِنا *** كالتِّبْر يُعْيِي مَنْ بَغى إفْسادَه
الحَجُّ قَصْد والمَقاصِد عندنا *** تَسمو إذا سَلِم المُريدُ فؤادُه
مُتَحَرِّراً أشواقُه لنبيّنا *** ولِنَظْرَةٍ تحْلو بها أعياده
أَسعَدْتنا وسَعِدْتَ في الدّنيا بنا *** ولسَوفَ يُسعِدُ صَبَّنا أسيادُه
طه وآلُ حَبيبِنا وشفيعِنا *** نِعمَ الحفيد سَما به أجْداده
والمُرشِد المصحوب قال مُطَمئِنا *** عَلَويُّنا أسمى الجهاد جهادُه
رَجُلٌ ولا كُلُّ الرِّجالِ وما لَنا *** مِن مالِه أَفْنى الجِهادُ تِلادَه
إن فاز بالميلادِ رَكْب حجيجنا *** فَفَقيدُنا كان الرَّدى ميلادَه
صلّوا على طِبّ القلوب نبيّنا *** ما حَنّ شوقا للإله عبادُه
صلّوا على مَن حَلّ طيبَة مُظْعِنا4 *** من أرض مكّة حيث كان مِهادُه
هَجَرَ الأحبّة والأقارب والدُّنى *** تاريخُنا أرسى بها مِرْصادَه
ذكرى وذكرى حَلّتا بُشرى لنا *** مَوتٌ بميلادٍ سما ميعادُه
أَكرِم بمَوت محمّدٍ عَلَويّنا *** فَوْقَ الفِراش تحقّق استشهادُه
كَم مِن شَهيد شَيَّعوه مُكَفَّنا *** وقَتيل حَربٍ لَم يُفِده جِهادُه
إنّ الجنائز فَيْصَلٌ ما بَيْنَنا *** ولأَحمَدٍ5 هذا الكلام مفادُه
وجَنازة العَلَوِيّ أعلَت شَأنَنا *** عَجَبا فقد أحيا البِلادَ رُقادُه
كُلٌّ تَمَنّى أَن يَدومَ بِلا فنا *** والعَبْدُ يَلقى في الرَّدى إسعادَه
هِي تُحفَةٌ للمؤمنين وحَسبُنا *** أنْ قَد أَتَمّ صِحابُه ما شادَه
إن كانَتِ الحَمْراءُ ضَمَّت سَبْعَنا *** فَمُحَمّدُ البَيضاءِ قَلَّ عِدادُه
منّي الدُّعا فارْفَعْ يَدَيْكَ مُؤَمِّنا *** حَقِّق إلهي للحبيبِ مُرادَه
أن يَحفَظَ المَولى البِلادَ مِنَ الظَّنى *** ويَقودُها عَبْدٌ صَفَتْ أَمْدادُه
لِيُعيدَها لِخلافةٍ أُخرى بِنا *** الوَعْدُ حَقٌّ فَلْتَكُن مِقدادَه6
1- داده: أصابه الدّود.

2- السّداد: ما تُسَدّ به الحاجة.

3- الإرفاد: الإعطاء والإعانة.

4- الظّعن: الرحيل والهجرة.

5- هو الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله ورحمنا بذكره ونفعنا بعلمه.

6- المِقداد بن عمر أحد الصحابة الأجِلاّء الأبطال الأشاوس المقدّمين في الجهاد رضي الله عنه وأرضاه.