في ذكرى الشريف سيدي محمد العلوي السليماني، رحمه الله رحمة واسعة، وجزاه أحسن الجزاء وأوفاه، وكتبه عنده في الصدّيقين المجاهدين الأتقياء، آمين.

(ألقيت هذه الأبيات في الحفل الذي نظّمته الجماعة بهذه المناسبة بمراكش، صباح يوم الأحد سادس محرم سنة 1432ه، الموافق للثاني عشر من دجنبر سنة 2010).الموت حقّ والمقابرُ موعد *** والناس تَغفُل والمنيّة تحصُدُ
إنا لنحرص والحياة وديعةٌ *** والموت يُرسل رُسْلَه ويمهّد
اَلْحِرص من طبع النفوس سجيّة *** أملٌ طويل والمصائب رُصّد
فاعْجبْ لنفسٍ في المزيد رجاؤها *** والنقص يأكل عُمْرَها ويُهدّد
عمُر الشقيّ سحابةٌ خدّاعة *** وغَواية وتهافت وتلذذ
أمّا السعيدُ فسعيُه متواصلٌ *** ليلا نهارا، حِذْره متوقّد
تفنى الجسوم ولا تموت فِعالُها *** والخيْرُ ينفع أهلَه ويُخلّد
كخُلود حِبٍّ ما أزال أودّه *** بَلِيَ الرّميمُ وروحُه متجدّدُ
الموت غيّب جسمه لا روحه *** روحٌ نشيطٌ قائم لا يَهمُد
قد عاش يسعى للممات فلم يَهِنْ *** ربحت تجارتُه، ونيلَ المَقصِد
مات الشريف ولم تمت حسناته *** روحٌ كجمرٍ لاهب لايخْمُد
مات الشريف ولم تمت كلماته *** لفظ بسيط في التأنق يزهَد
وعظ رقيقٌ لا يُملّ سماعُه *** قولٌ جميلٌ بالفعال مُرشَّد
زهرٌ تلبّس بالزمان أريجه *** هو ذا الشريف، ففضلُه لا يُجحَد
أصلٌ شريفٌ في الكرامة غرسه *** أصلٌ إلى بيت النبوة مُسنَد
أصلٌ ترسخ والفروع شوامخ *** خلقٌ كريم والسلوك مسدَّد
ذكرى الأحبة موثق متجددٌ *** وأمانة ورعاية وتعهّد
ذكرى الشريف محمّدٍ متجَمَّعٌ *** للمؤمنين، وللمحبَّة معهد
ذكرى الشريف معينُها متفجّرٌ *** مترقرق عذبٌ فُرات لا يَنفدُ
ذكرى المحبّة مُنْتدى متألِّقٌ *** كالشمس، نورٌ للحياة مُجدِّد
كالماء للأرض البوَار يهزّها *** هزّا، فتربو بالبهيج وتُسعِد
كمنارة للتائهين تردّهم *** مِن بعدِ يأسٍ، للطريق وتُرشد
عامان مرّا والزمانُ كأنه *** يومٌ طويل ليس يعقبُه غدُ
عامان مرا والشريف كأنه *** حيّ ينير طريقنا ويعبّد
إنا لنذكره كأن مماته *** فعلٌ يطوّل للحياة ويمْدُد
وكأنه فينا يراقب غرسه *** متعهدا، ويقول للنشء: اقتَدُوا
وكأنه فينا يصاول ظالما *** في وجهه يُرغي الشريفُ ويُزبد
قد كان دوما ناصحا مستبشرا *** ومبشرا، يرجو ولا يتشدّد
قد كان للخيرات دوما طالبا *** ومواظبا ومبادرا لا يقعُد
قد كان كرّارا في المشاهد كلها *** سيفٌ جسور ضاربٌ لا يُغمَد
شهمٌ دواعي النوم تجفو جفنه *** إن جار باغ أو تطاول ملحد
مرٌّ أجاجٌ إذْ يثور لدينه *** وعلى الأحبة كالوِطاء1 يُمهَّد
فيه الجميل موضَّح ومُفصَّلٌ *** مثل القلادة بالنفيس تنضّد
في الماء ماء لا يمل شرابه *** والناس فيهمْ ماجد والأمجد
فالناس روضٌ والشريف نُوَارُه *** الناس نجم والشريف الفرقد
الناس جِيدٌ والشريف حُليُّه *** الناس صوت والشريف مجوَّد
الناس زهر والشريف رحيقه *** الناس فعل والشريف مؤكّد
الناس كسب والشريف حلاله *** الناس قوم والشريف السيد
الناس سُحْبٌ والشريف ثقالُها *** الناس جُود والشريف الأجود
الناس تَمْرٌ والشريف لُبابه *** الناس عِقْد والشريف زُمُرّدُ2
الناس رمح والشريف نصاله *** الناس سيفٌ والشريف مهنّد
الناس ناس والشريف محمد *** والناس جمع والمحمد مُفرد
إني سألت عن الرجولة جاهدا *** فوجدتها في شخصه تتجسد
قد حاز مجموعا يُعظّم شأنَه *** في جملة: علوينا متفرّد
علويّنا هديُ الرسول وصحبه *** في صحبة التجديد ليس يُقلّد
علويّنا ذكر وفكرٌ دائم *** وتلاوة وتبتّل وتهجّد
وتواضع وتأدب وتسامح *** وإقامةٌ في الصالحات ومسجدُ
وتنافس في الباقيات المنجيا *** ت، وغيْرةٌ وتوكلٌ وتجلّد
وتعفّف وتضامن وتعاون *** وتدافع وتناصرٌ وتجنّد
أما أغيلمةُ الزّمان فهدّموا *** بيت النبيّ وآله، فتشرّدوا
قد ضيّع الإرث الشريفَ سَفاهُهم *** قد دنّس البيضاءَ عضّ أسودُ
همْ هَوْتَةٌ في المخزيات قرارُها *** وشريفنا للعاليات يُصعِّد
علويّنا نقض للعَضُوض وركنه *** منهاجُه للجبْريَات مفنّد
علوينا شورى تقيم خرابهم *** وتقوّم الحكّام إن همْ أفسدوا
علوينا الإصباحُ يطرُد ليلَهم *** وخلافة موعودها لا يبعُد
حدثُ “الرسالة”3 في العوالم صِيتُه *** حدثٌ يُراد له المماتُ فيولد
صرْحٌ تحالفت العهود لنقضه *** صرحٌ يسانده الزمان فيصمد
عبدُ السلام وأحمدٌ ومحمّدٌ *** الله قدّر، والثلاثة نفّذوا
الله ألهم مُرشدا خطواتِه *** فمضى مع الاثنين لا يتردّد
محنٌ تلتْ هاتي الرسالةَ فانجلت *** نِعما من الرحمان ليس تُعدّدُ
من قبلُ كان الصاحبان ومرشدٌ *** واليوم صف هائل يتمدد
اَلعدلُ والإحسانُ دعوة صادقٍ *** منها فرائص حكمِ عضٍّ ترْعَد
إن القيود على الظلوم رزيّةٌ *** الظلم قيد للظلوم مقيّد
ولقد سعدت مع الشريف بصحبة *** غراءَ ذِكراها عزاءٌ سرمَد
إن ضاق صدري فالشريف طبيبُه *** أو عيل4 صبْري فالشريف المِسْنَد
أو تاه رحلي فالشريف دليلُه *** أو قلّ زادي فالشريف يُزوّد
أو مال أمري فالشريف يُقيمه *** أو زاغ رأيي فالشريف المِقوَد
أو ساء حالي فالشريف يلُمّه *** أو فاض كأسي فالشريف المُنقد
ندَمي إذا دار الزمان ولم أكنْ *** في ركْبِ عِزٍّ للشريف يُردّد:
المرء مْع محبوبه في شرفة *** حظّ الصحاب مع الوليّ السؤددُ
إني لداعٍ للشّريف فأمّنوا *** إن الدعاء محبّة تتأبد
إني لداع والقلوب سبيلنا *** إن الدعاء لجامعٌ وموحّد
ومذكّر، ومُبلّغ، ومحبّبٌ *** ومقرّب، للرابطات موَطِّد
إنا جميعا من معينك شُرّب *** يا سيدي، وبفضل سبْقك شُهّدُ
إنا بحصنٍك للسلوك مُمنَّعٍ *** إنا بحوض للرجولة يُورَد
إنا بجمعٍ قد تشرّف قدره *** إنا ليجمعنا الفقيد الأسعدُ
إنا على عهدٍ يُجمّع شملنا *** إنا ببيت للنصيحة يُقصد
إنا على أمرٍ يوحّد بيننا *** إنا ليجمعنا الحبيب محمد
مراكش: دجنبر 2010

الهوامش:

1- الوطاء، في اللغة، يعني المِهاد أي التوطئة، ويعني الليّن والمنبسط من الأرض، ويعني المِفْرَشة التي توضع فوق صُفة الرحْل والسرج، وكلها معان ترجع إلى التمهيد والتليين والتسهيل.

2- جوهر نفيس.

3- المقصود بالرسالة هنا رسالة “الإسلام أو الطوفان” الشهيرة، التي كتبها الأستاذ عبد السلام، سنة1974، للملك الحسن الثاني، ينصحه ويبشره وينذره.

4- عيلَ صبرُ فلان بمعنى غُلب.