شكوك وشكوك

أصبح التشكيك موضة جديدة يغرق بعض الكتاب والمحللين العرب في الترويج لها بهدف التقليل من قيمة الحقائق ونشر الإحباط بين الخلق، فقد أصبح يحلو للبعض أن يشكك ويرتاب في كل شيء، ونحن لا نرى مانعا من ذلك إذا كان للشك والارتياب مسوغاته وأدلته، أما إذا تحول التشكيك إلى أداة من أدوات التمييع المقصود، ووسيلة لهدم مسلمات المنطق والعقل وتخريب البديهيات فهو حينئذ سفسطة. فمثلا إبان الحرب الأخيرة على لبنان تمادى البعض تشكيكا في صمود المقاومة وحتى في خسارة “إسرائيل” للحرب، رغم أن “إسرائيل” أعلنت ذلك صراحة وشكلت لجنة للتحقيق في أسباب الهزيمة. فتبين أن الهدف من موجة التشكيك كان هو نشر ثقافة الانهزام والإحباط والتقليل من قيمة أي إنجاز قد يحققه المسلمون أو الشرفاء في هذا العالم.

في قضية ويكيليكس نحن أمام توجهين في تيار التشكيك هذا:

* توجه يشكك في صحة الوثائق أصلا، ويكفي للجواب عليه أن نسأل لماذا تمنع الدول العربية الجرائد والمجلات والمواقع التي نشرت الوثائق من التداول، في حين كان من الممكن أن تكذب هذه التسريبات وتطالب بالتحقيق في صحة المزاعم كما فعل رئيس وزراء تركيا؟ لكن للأسف هذا ما لم يحدث، ونسوق تعليقا لوزيرة الخارجية كلينتون على صحة التسريبات: لن أعلّق على أو أؤكد ما جرى الإدعاء بأنه تقارير مسروقة تعود لوزارة الخارجية، ولكنني أستطيع أن أقول بأن الولايات المتحدة تأسف بشدة لكشف أية معلومات كان المقصود منها أن تظل سرية، بما في ذلك المباحثات السرية بين نظراء أو تقييمات وملاحظات شخصية من جانب دبلوماسيينا).

* توجه يشكك في الأهداف والدوافع السياسية من نشر هذه الوثائق في هذا التوقيت بالضبط، ويبدو أن هذا التوقيت هو أسوأ ظرف يمكن أن تفكر فيه إدارة أوباما في نشر هذه الوثائق إذا كان التسريب فعلا متعمدا بالنظر إلى حجم الخسائر السياسية والدبلوماسية الممكنة حاليا. خاصة بعد خسارة الحزب الديمقراطي الأخيرة في الانتخابات التشريعية الجزئية. إلا إذا كان الرئيس أوباما وإدارته الحالية هم المستهدفون!

سياق التسريبات

لابد من الإشارة إلى أننا أمام تخلق تيار إنساني جديد تقوده أنتليجانسيا ما بعد الحداثة، يدافع عن حق الرأي العام في المعلومة، ويحارب التضليل وأكاذيب السياسيين والإعلاميين وألاعيبهم. وهو تيار إنساني كبير يضم ملايين الأفراد وعشرات الآلاف من المؤسسات والمنظمات الاجتماعية والإعلامية والحقوقية، يحاول الآن أن يناهض العولمة والانتشار النووي ويدافع عن البيئة ويرفض الهيمنة الإمبريالية المتوحشة ويواجه تدمير الثقافات واللغات والصناعات الوطنية.

وقد تمكن هذا التيار من تحقيق إنجازات كبرى في مجالي البيئة ومناهضة العولمة الاقتصادية وينتظره الكثير في المجالين الثقافي والسياسي. وقد مكنه من تحقيق بعض أهدافه هذه الطفرة في وسائل الاتصال والتطور التكنولوجي الهائل الذي جعل إمكانية انتقال المعلومة وتخزينها وتداولها أمرا متاحا بشكل خارق. وموقع ويكيلكس وأمثاله أحد جبهات هذا التيار وواجهاته.

ويكيليكس و”إسرائيل”

غالبا ما يسوق المشككون دليلا على وجهة نظرهم أن “إسرائيل” مثلا غابت عن هذه التسريبات. وهو أمر يحتاج منا إلى تدقيق كبير، أولا لأن التسريبات لم تتوقف فالدفعات القادمة حسب أسانج حبلى بالمفاجآت وخاصة العلاقة الأمريكية الإسرائيلية في المنطقة والعالم، وثانيا لأن “إسرائيل” لم تغب في كل تسريبات السفارات والقنصليات بويكيليكس خاصة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، بل كانت حاضرة بقوة. وكأمثلة على ذلك: الكشف عن سعي “إسرائيل” لمنع الولايات المتحدة من تزويد السعودية بطائرات “أف 15″، والأردن بصواريخ جو/جو. وتجنب “إسرائيل” قصف المناطق الخاضعة للقرار 1701 والبنى التحتية والمناطق المسيحية، والتركيز على المناطق ذات الكثافة السكانية الشيعية. وتحذير “إسرائيل” لأمريكا من التعاون العسكري مع مصر، وتصريح أمير قطر: بعدم لوم “إسرائيل” لانعدام ثقتها في العرب.

لكن الغائب هو تقارير السفارة الأمريكية في تل أبيب، وهو أمر عاد جدا فبالنظر للهيمنة الكبرى للوبي الصهيوني على مراكز القرار الأمريكي وحالة الإرهاب الفكري والنفسي التي يعيشها المسؤولون الأمريكيون يكفي هذا المعطى لجعلهم حذرين غاية الحذر من الثرثرة في موضوع قد يكلفهم مستقبلهم السياسي إن لم يكلفهم حياتهم، ويكفي ذكر توماس هيلين التي تسببت مجرد مزحة في محوها من الوجود، وهي هرم من أهرامات الإعلام الأمريكي، وكلفها تصريحها المنتقد لـ”إسرائيل” تاريخها الصحافي العريق، لهذا فالممثلون الدبلوماسيون الأمريكيون واعون كل الوعي بذلك. ومنهم موالون لا يخفون ولاءهم لـ”إسرائيل” وبالتالي فالتسريبات لن تحمل مفاجآت كما أن السفارة في تل أبيب بحكم العلاقة المميزة والحساسة مع أمريكا قد تكون لها إجراءاتها وقنواتها السرية الخاصة التي لا تماثل باقي السفارات في العالم.

هل من جديد؟

ماذا قدمت هذه الوثائق لنا من جديد نحن المواطنون العرب والمسلمون؟ قد يكون الجواب لا شيء فهي أكدت المعلوم وفضحت المفضوح ولم تقدم جديدا يذكر، ويمكن إجمال أهم التسريبات أو الفضائح في:

1- فضح الولاء للخارج والتبعية للأجانب والانبطاح لـ”إسرائيل” والارتماء في أحضان الأجنبي والتآمر على الأشقاء وبلدان الجوار. قد تكون الوثائق كشفت وضعنا الكارثي فقط أما الشعوب فمنذ زمن بعيد تأكدت من خيانات القيادات العربية وصلّت عليها صلاة الجنازة واستراحت.

2- فضح الفساد الداخلي أخلاقيا وماليا وإداريا، المستشري كالسرطان في أوساط رجال السلطة ومحيطهم، في شكل عمولات ورشاوي ومخدرات ودعارة. المواطن العربي يعيش آثاره ونتائجه كل يوم في حياته، فهولا يحتاج إلى دليل على ذلك. فليس بعد سوء الحال مقال.

3- فضح الاختراقات الثقافية والسياسية والمخابراتية، فالتعاون الأمني والمخابراتي مع الأجهزة الأمنية في الغرب وخاصة الأمريكية والصهيونية لم يعد خافيا على أحد، حيث إن أغلب المستشارين والمعاونين وطواقم الحماية من الأجانب حتى الأطباء والممرضين.

هل هددت هذه التسريبات الإدارة الأمريكية؟

دعونا بداية نؤكد على أن هذه الوثائق المسربة ليست على نفس المستوى من الأهمية أو على نفس الدرجة من الخطورة فالمعلومات التي جاءت بها التسريبات يمكن تصنيفها وفق ثلاث مستويات:

1- معلومات عادية ومتداولة ومعروفة لدى الإعلاميين والسياسيين، وهي نوع من الثرثرة أو النميمة التي تستقى من الصحافة والجلسات العامة والمقاهي والبارات والحفلات.

2- انطباعات شخصية وتقييمات للأشخاص والمواقف وتوصيات وتعليقات وتحليلات أولية لها أهميتها القصوى في تكوين الاقتناعات وتشكيل الآراء في مراكز اتخاذ القرار الأمريكي.

3- معلومات بالغة الحساسية والسرية، وتعتبر نوعا من الاختراق الأمني والاستخباراتي للدول المستضيفة كالتجسس على الأمم المتحدة وموظفيها.

معلومات المستوى الأول لا يمكن أن تشكل أي إحراج للدبلوماسيين الأمريكيين باعتبارها متداولة ومعلومة، في حين أن معلومات المستوى الثاني لاشك أنها ستضر بالثقة التي نسجها الدبلوماسيون الأميركيين مع المسؤولين والشخصيات العامة طيلة سنوات، مرحليا على الأقل إلى حين مرور العاصفة، وهو ما حاولت الخارجية الأمريكية التقليل من آثاره باتخاذ خطوات استباقية حيث صرحت كلينتون وزيرة الخارجية صراحة في إحدى المؤتمرات الصحافية قبل تسريب الوثائق: أريد أن آخذ لحظة لكي أناقش البرقيات الأخيرة حول الأنباء التي تحدثت عن وثائق سرية تمّ تزويدها بصورة غير قانونية من أنظمة كمبيوترات حكومة الولايات المتحدة. ففي محادثات أجريتها مع نظرائي من مختلف أنحاء العالم خلال الأيام القليلة الماضية…. جرت بيننا محادثات مثمرة جداً حول هذه المسألة… وهكذا دعونا نكون واضحين: هذا الكشف لا يُشكِّل هجوماً على مصالح السياسة الخارجية الأميركية فحسب بل إنه أيضاً اعتداء على المجتمع الدولي).

في حين أن التسريبات من النوع الثالث هي التي يمكن أن تشكل خطرا على الأمن الأمريكي وعلى سلامة العاملين المدنيين والعسكريين خاصة في المناطق المتوترة من العالم ومناطق الصراع، وهذا ما جعل الجنرال جيمس جونز، مستشار الأمن القومي، يصف التسريبات بأنها “عمل يفتقر إلى المسؤولية ومن شأنه تهديد الأمن القومي الأميركي وأرواح الجنود الذين يخوضون الحرب”.

بدون ريب أن الأمريكيين حاولوا حال علمهم بتسريب هذه الوثائق -لأن الموقع يزودهم بنسخ قبل النشر بمدة- الحد من تداعياتها والتقليل من الخسائر إلى الحد الأدنى بعد أن تأكدوا أنه من المستحيل توقيفها أو منعها من التداول، رغم ضغوطات الجمهوريين الذين طالبوا أوباما بتفعيل قانوني الطوارئ “الأمر الرئاسي التنفيذي” أو القانون 13224 والذي بمقتضاه تقوم الولايات المتحدة الأميركية بتجميد أصول من يهدد أمنها القومي والحجز عليها، وأيضا قانون الطوارئ الدولي للقوى الاقتصادية (IEEPA) لإقرار عقوبات اقتصادية، لكن البند الأول من الدستور الأميركي الذي ينص على حرية التعبير والرأي وقف عائقا أمام تجريم ما قام به موقع ويكيليكس في ظل الحصانة الدستورية الأمريكية لحرية التعبير. وفي ظل مقتضيات القانون الدولي وهو ما صرحت به المفوضة السامية لحقوق الإنسان بالأمم المتحدة، نافي بيلاي، حين أعربت عن قلقها من ممارسة ضغوط على شركات خاصة لوقف الخدمات المالية أو خدمات الانترنت لموقع “ويكيليكس”. واعتبرت أن هذه الإجراءات مجتمعة يمكن أن تفسر على أنها محاولة لمنع ويكيليكس من النشر ومن ثم تمثل انتهاكا للحق في حرية التعبير، وهناك ضرورة لأن تكفل الدول الحق في تبادل المعلومات بحرية كما يقضي القانون الدولي.

تداعيات التسريبات وخسائرها جسيمة على المدى القريب والمتوسط بالنسبة للأمريكان وغيرهم، فبالنسبة لأمريكا أثرت بدون شك على علاقتها مع سائر الدول، وكرست الشكوك وأضرت بالثقة المفترضة في الدبلوماسيين الأمريكيين، كما أماطت اللثام عن حقيقة الدور الاستخباراتي للبعثات الدبلوماسية والثقافية والإعلامية والعلمية الأمريكية، كما أنها ستؤدي إلى تغيير الطواقم وإطلاق عملية إعادة انتشار كبرى للموظفين ستكلف الإدارة الأمريكية موارد بشرية كبيرة، وخبرات وميزانيات ضخمة. لكن التهديد الأكبر يظل هو كشف مصادر المعلومات أي شبكات الجواسيس والعملاء والمتعاونين مع الأمريكان. كما أن التكلفة السياسية لهذه الفضائح ستكون مدوية كـ”إيران غيث” و”واتر غيث”، حيث بدأت فعلا المطالبة باستقالة وزيرة الخارجية هيلاري ومسؤولين في إدارة أوباما وقد تمتد المطالبات إلى أوباما نفسه في وقت لاحق، خاصة وأن دفعات أخرى من الوثائق تنتظر دورها في النشر وربما تحمل مفاجآت قادمة.

أما بالنسبة للحركات الديمقراطيات النامية خاصة التيارات المدنية الناهضة، فإنها دون شك ستتعرض لمضايقات إضافية وهو ما صرحت به هيلاري كلينتون في مؤتمرها الصحافي، الذي عقدته في 29 نوفمبر 2010، العلاقات بين الحكومات ليست مصدر القلق الوحيد الذي أحدثه نشر هذه المواد. فالدبلوماسيون الأميركيون يقابلون ناشطين محليين في حقل حقوق الإنسان، وصحفيين، وقادة دينيين وغيرهم يقدمون آراء صريحة خاصة بهم. وتعتمد هذه المحادثات على الائتمان والثقة. فعلى سبيل المثال إذا تبادل ناشط في مجال مكافحة الفساد معلومات حول سوء سلوك رسمي، أو إذا سرّب عامل اجتماعي وثائق حول العنف الجنسي، فإن كشف هويته محتمل أن يؤدي إلى تداعيات خطيرة: كالسجن، أو التعذيب، أو حتى القتل).

وعموما بقدر ما كانت هذه التسريبات تسونامي جارف أصاب السياسة الخارجية الأمريكية، فهي أيضا قد كشفت أن الدبلوماسية الأمريكية دبلوماسية نشيطة تمتلك قدرة هائلة على توثيق وجمع المعلومات وتوظيفها، وأن العمل الدبلوماسي والاستخبارتي رديفان في التصور الأمريكي فهناك حالة من التماهي بين المجالين.