الفقرة الثانية: الظرفية الاقتصادية والاجتماعية

لقد أكدت فيما سبق أن الأزمة التي عرفها التعليم العالي ما هي إلا امتداد لأزمة عامة عرفها المغرب على مختلف المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، بل يمكن القول إن الكثير من مظاهر الأزمة الشاملة لم تكن سوى نتيجة حتمية لأزمة التعليم بصفة عامة، والتعليم العالي بصفة خاصة.

وإذا كنت في الفقرة السابقة وقفت عند بعض المعالم السياسية التي حكمت الإصلاح الجديد، أو ما يمكن أن أسميه السياق السياسي للإصلاح، فإنني سأحاول من خلال هذه الفقرة الوقوف عند سياقه الاقتصادي والاجتماعي.

واجه المغرب منذ بداية عقد التسعينات مجموعة من التحديات الاقتصادية والاجتماعية، نظرا لطبيعة التحولات العالمية المتتالية من جهة، ونظرا للحصيلة المتواضعة على امتداد ما يزيد عن أربعة عقود من الاستقلال من جهة أخرى.

لتستجيب الدولة لتلك التحديات كان لابد من توافق سياسي، حتى تتحمل المعارضة جزءًا من المسؤولية، وحتى تتظافر الجهود لإنقاذ المغرب من “السكتة القلبية” التي تهدده. وبما أن “اقتصاد السوق” يحتاج إلى بنيات تحتية صلبة، فقد سارعت الدولة إلى إصدار العديد من القوانين منها مثلا: نظام الصرف سنة 1992، القانون البنكي، الإصلاح الضريبي، إصلاح بورصة القيم سنة 1993، إصلاح قانون المقاولة سنة 1996… كل هذا يندرج في برنامج التأهيل الوطني من أجل وضع أسس إصلاح ميكرو اقتصادي، على اعتبار أن هذا الأخير يشكل مرحلة لابد منها لتحقيق إصلاح ماكرو اقتصادي، إلا أن الزج المفاجئ بالمقاولة في خضم المسار الإصلاحي لم يؤت كل النتائج المتوخاة منه؛ بسبب العديد من العوامل التاريخية والنفسية والاقتصادية والمناخية…

فقد عرفت سنة 1997 تراجعا ملحوظا للناتج الداخلي الإجمالي بسبب التدهور الذي أصاب القيمة المضافة للفلاحة نتيجة الأحوال الجوية السيئة 1 ، إذ أن الناتج الداخلي الفلاحي تراجع من 23402 مليون درهم ثابت سنة 1980 إلى 17338 مليون درهم سنة 1997، أي تراجع بنسبة 26% 2 ، وقد كان لهذه الوضعية الاقتصادية انعكاس سلبي على المستوى الاجتماعي العام، إذ تفاقمت العديد من المشاكل مثل البطالة وهجرة الكفاءات، وضعف التغطية الصحية والاجتماعية للمأجورين…

وإذا تميزت سنة 1998 بموسم فلاحي لا بأس به بالمقارنة مع سنة 1997، فإنها بالمقابل عرفت تراجعا في الكميات المصطادة من السمك بنسبة 20,7% 3 ، كما عرفت ارتفاعا في أسعار الاستهلاك، حيث انتقلت من 1% خلال سنة 1997 إلى 2,7% سنة 1998 4 .

وأبدت الحكومة الجديدة آنذاك -“حكومة التناوب التوافقي”- نيتها في تحقيق نمو اقتصادي واجتماعي من خلال بعض التصريحات والمبادرات. ففي البرنامج الحكومي الذي عُرض على مجلس النواب يوم 17 أبريل 1998 تم التركيز على ثلاثة منطلقات هي:

– المنطلق الأخلاقي: بالدعوة إلى محاربة كل أشكال الانحراف واستغلال النفوذ والتسيب.

– المنطلق الترشيدي: بالدعوة إلى تدبير الأموال العامة وفق مبادئ الدقة والشفافية والاقتصاد.

– المنطلق التواصلي: بالدعوة إلى الإنصات للمواطن والمقاولة، وتقديم أفضل الخدمات المطلوبة.

وتم تحديد أولويات البرنامج الحكومي في ملف الصحراء وملف التعليم والشغل والقضاء، وتشجيع المقاولات الإنتاجية، ومحاربة الفساد الإداري.

و تم تكريس تقليد جديد للشأن العام بظهير ملكي نص على توقف أعضاء الحكومة طوال مدة مزاولة مهامهم عن القيام بأي نشاط مهني أو تجاري في القطاع الخاص، ولاسيما عن مشاركتهم في أجهزة تسيير أو تدبير أو إدارة إحدى المنشآت الخاصة الهادفة إلى الحصول على الربح) 5 .

أما سنة 1999 فقد عرفت على المستوى الفلاحي جفافا حادا أدى إلى تقليص كبير في الناتج الفلاحي، الشيء الذي انعكس سلبا على الناتج الداخلي الإجمالي، وكان من الآثار الواضحة لذلك تراجع استهلاك الأسر رغم ارتفاع الواردات 6 .

وكان لتوالي سنوات الجفاف أثر سلبي بيِّن على مختلف قطاعات الاقتصاد مما زاد في تدهور الوضعية الاجتماعية للمواطن المغربي، خاصة في العالم القروي 7 .

فنسبة البطالة بلغت 61,2% في صفوف الشباب البالغ ما بين 15 و34 سنة، ووصلت في صفوف خريجي الجامعات 83,3% سنة 1998، وفاق عدد المحرومين من التغطية الصحية عشرة ملايين شخص 8 ، وشهدت تلك السنوات غيابا شبه تام لنفقات الصيانة، فـ60% من تجهيزات وزارة الصحة كانت معطلة وغير قابلة للاستعمال 9 ، وتفاقمت الهجرة السرية، وبلغت هجرة الأطر المغربية ما بين 3000 و5000 إطار مغربي سنويا 10 .

يضاف إلى ذلك أن تلك المنطلقات الأخلاقية والترشيدية التي نصت عليها الحكومة ظلت في حاجة إلى التفعيل، فإجراء تقليص سيارات الدولة لم يكن مجديا، إذ أصبح بعض المسؤولين يستعملون سيارات الدولة بأرقام عادية، ويحصلون في نفس الوقت على تعويضات التنقل، بالإضافة إلى حالات الاختلاس المتكررة.

فإذا كان من حسنات تعليمنا العالي تخريج العديد من الأطر في مختلف المجالات، فإن هذه الأطر تتوزع على أربع فئات:

– فئة يكون نصيبها البطالة، على الأقل لسنوات معدودة.

– فئة تهاجر إلى الخارج بحثا عن العمل. 11 .

– فئة تحصل على العمل، ولها مستوى رفيع من الكفاءة، لكنها لا تتوفر على النزاهة اللازمة، ومن أسبابا ذلك غياب البعد التربوي والأخلاقي في مناهجنا وبرامجنا التعليمية، مما ينتج عنه كثرة الاختلاسات وانتشار الفساد بكل صوره.

– فئة تحصل على العمل، وتتوفر على الكفاءة والنزاهة معا، وهي القلة القليلة.

وإذا كانت السنوات الأخيرة في تسعينات القرن الماضي عرفت بعض التحسن في مجال الاستثمار الأجنبي، فإن ذلك لا يخلو من ملاحظات، إذ أن بعض المستثمرين سرعان ما كانوا يتخلون عن مشاريعهم في وسط الطريق، إما بسبب تعقيد المساطر الإدارية، أو بسبب الوضعية الاقتصادية غير المشجعة. وإذا كانت المديونية الخارجية عرفت تقلصا فالمديونية الداخلية تزايدت بشكل ملفت 12 .

وإذا كان الغرض من الخصخصة في كثير من الدول تحقيق الفعالية والنجاعة الاقتصادية لبعض المؤسسات العامة التي أصبح يطبعها سوء التسيير، وتوظيف مداخيلها في مشاريع استثمارية، فإن الخصخصة بالمغرب شملت مؤسسات عمومية ذات مردودية عالية، وتم بيع بعض المنشآت العامة بأثمان بخسة، وصلت في بعض الأحيان إلى درهم رمزي، إضافة إلى غياب الشفافية والوضوح.

في ظل هذه المعالم العامة للوضعية الاقتصادية والاجتماعية كان من خيارات التصميم الخماسي (1999-2003) ما يلي:

– وضع طريقة جديدة لتدبير النمو، يكون حجر الزاوية فيها إنشاء إطار مؤسسي مناسب، خصوصا بإصلاح الإدارة والقضاء.

– إيجاد حركة نمو اقتصادية توفر مناصبا للشغل، سندها عملية تأهيل اقتصادية؛

– إعداد التراب الوطني والتقليص من الفوارق بين الجهات.

– تثمين الموارد البشرية، وإصلاح نظام التعليم والتكوين.

فأي مقاربة ستختار الدولة لإصلاح نظام التعليم والتكوين بصفة عامة، والتعليم العالي بصفة خاصة؟ هل ستختار، بالنظر إلى الظرفية الاقتصادية والاجتماعية، مقاربة مالية تقضي بالمزيد من تقليص النفقات على التعليم العالي، بغض النظر عن الآثار المحتملة؟ أم ستختار مقاربة شاملة، تربط التعليم العالي مع باقي مستويات التعليم من جهة أولى، وتنطلق من تقييم علمي لوضعية التعليم العالي في الماضي والحاضر واستشراف آفاقه المستقبلية من جهة ثانية، وتجعل التعليم العالي، والتعليم عموما، في صلة وطيدة بمختلف المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والإعلامية من جهة ثالثة؟ وقبل ذلك لنا أن نسأل هل سيبقى هناك مجال لاختيار الدولة أصلا في ظل توصيات البنك الدولي؟

لا شك أن تطرقنا للميثاق الوطني للتربية والتكوين، الذي يشكل السياق الخاص للقانون 01.00 المنظم للتعليم العالي، سيمكننا من الإجابة عن بعض هذه التساؤلات.


[1] التقرير الاستراتيجي للمغرب، (1997-1998)، إنجاز مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية (CERSS) ص 210.\
[2] نفس التقرير السابق ص 211.\
[3] التقرير الاستراتيجي للمغرب (1998-1999)، إنجاز مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية (CERSS) ص 274.\
[4] نفس التقرير، ص 272.\
[5] نفس التقرير ص 203.\
[6] التقرير الاستراتيجي للمغرب (1999-2000)، إنجاز مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية (CERSS) ص 183.\
[7] التقرير الاستراتيجي للمغرب (1998-1999)، إنجاز مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية (CERSS) ص192.\
[8] جريدة التجديد، مقال حول حصيلة حكومة التناوب، محمد أقزاز، أكتوبر 2001.\
[9] برادة عبد القادر، في تتمة الحوار الذي أجرته معه جريدة العلم في عددها 18729 بتاريخ 29 غشت 2001.\
[10] برادة عبد القادر، في الحلقة الثانية من نفس الحوار بجريدة العلم في عددها 18702 بتاريخ 2 غشت 2001.\
[11] في الوقت الذي تكلف فيه المغرب استشارة خبير أجنبي عادي ما بين 3500 و4000 دولارا أسبوعيا (انظر الحوار المطول للدكتور برادة عبد القادر المشار إليه آنفا).\
[12] فقد تراكمت لتصل إلى 121,526 مليون درهم سنة 1997 ثم إلى 149,476 مليون درهم سنة 2000، وبالمقارنة مع الناتج الداخلي الخام بالأسعار الجارية، ارتفعت من نسبة 38,17% سنة 1997 إلى 42,20% سنة 2000! (انظر نفس الحوار المشار إليه آنفا).\