بين يدي الحدث

فرضت السلطات المخزنية الإقامة الإجبارية على الأستاذ عبد السلام ياسين مرشد جماعة العدل والإحسان يوم: 30 دجنبر 1989 في إجراء تحكمي عار من أي سند قانوني؛ إجراء يخرق أبسط حقوق الإنسان سيتحول شيئا فشيئا إلى شوكة في حلق المخزن، ناهيك عن فشل الإجراء في تحقيق أهدافه متمثلة في كبح مد الجماعة وتغلغلها المطّرد في صفوف الشعب على اختلاف فئاته.

رُفِعَ الحصارُ

ومع توالي السنين بدأت الأصوات تتعالى تندد بالحصار وتشجبه ليصل إلى قبة البرلمان خريف 1994 من خلال سؤال السيد عبد الرحمن لحريشي نائب برلماني من حزب الاستقلال. ورضوخا لتنامي المطالبين برفع الحصار تناقلت، يوم13 دجنبر 1995، بعض وكالات الأنباء -استنادا إلى مسؤول رفيع المستوى في الحكومة المغربية- نبأ إنهاء الحصار. وبناءً عليه قرر الأستاذ عبد السلام ياسين كسر الحصار والخروج لأداء صلاة الجمعة يوم 22 رجب 1416 الموافق لـ 15 دجنبر 1995.

لمْ يُرفعِ الحصارُ

قبل صلاة الجمعة أبلغت الأجهزة الأمنية الأستاذ المرشد -وهو في مسجد ابن سعيد بسلا- أن الحصار ما زال قائما، وأنها لم تتوصل بأي قرار في الموضوع ليعبر المخزن بذلك عن حالة الارتباك والتخبط التي وجد نفسه فيها. فبعد أقل من أسبوعين ـ27 دجنبر 1995 ـ اعتبر وزير الداخلية وقتذاك إدريس البصري في معرض جوابه عن سؤال النائب البرلماني مولاي خليفة باسم الفريق الاستقلالي والفريق الاتحادي الحصارَ حماية وخدمة تسديها الدولة المغربية لمصلحة الأستاذ عبد السلام ياسين وإن لم يطلبها!!

كلمة الحدث

بعد صلاة الجمعة ألقى الأستاذ عبد السلام ياسين مرشد جماعة العدل والإحسان كلمة في المصلين الذين كان أغلبهم أعضاء الجماعة الذين حجوا من مناطق مختلفة من المغرب ليشهدوا كسر الحصار ويظفروا بزيارة للمرشد بعد سنوات من المنع. كلمة جاءت كالعادة حبلى بالدروس والرسائل نروم استخلاصها في الذكرى “15” للحدث:

1. أدب مع الخالق والمخلوق

استهل الأستاذ عبد السلام ياسين كلمته العفوية بالدعاء والاعتذار لأهل المسجد وساكنة الحي عن حالة الازدحام التي نجمت عن توافد أعضاء الجماعة ومناصريها على المسجد، معبرا في ذات الآن على أن بيوت الله هي مأوى كل مظلوم أو مطـارد: اللهم اعتمادا عليك واستمطارا بك، ولجـوءً إليك… هذه الكلمة سأبدؤها باعتذار لرواد هذا المسجد الذين اعتادوا الصلاة فيه،… في هذا اليوم الماطر احتللنا المسجد، وقدم الناس من آفاق متعددة، نعتذر إليهم كذلك، ونطلب المولى الكريم أن يتقبل منهم مشقة السفر. كما نعتذر للإمام خطيب الجمعة، منعناهم أن يصلوا الجمعة كما اعتادوا أن يصلوها. السبب هو أن الناس عندما يكونون في ضيق والعدو يحاصرهم لابد لهم من اللجوء. ونحن لجأنا إلى بيت الله وحللنا ضيوفا على عمار بيت الله.)

2. سياق الابتلاء

وقف الأستاذ عبد السلام ياسين عند حدث الحصار ووضعه في سياق السنن الإلهية موضحا أنه أكبر من منع رجل من الخروج من بيته للصلاة في المسجد أو استقبال زائريه، بل هو عنوان حرب على دعوة الله: الحصار دعوة حُوصِرت، دعوة كرهها من يكرهون الدين، وعاداها من يعادون الدين). الحصار حرب لدين الله تستهدف قيم الإسلام ومظـاهره: وأنت أيها المسلم، الذي تقول لا إله إلا الله محمد رسول الله، ممنوع! واللحية التي على وجهك خطر وتهديد!..). ابتلاء مضمون نصره شرط الثبات على الحق وأشواك الطريق: ما خسر –والله- بل أفلح من تمسك بأذيال سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم..)

3. مساق الاستبداد

انطلاقا من قصص القرآن الكريم ذكر الأستاذ عبد السلام ياسين في كلمته بمصير الطغاة في كل زمان ومكان مستشهدا بقصص القرآن الكريم: قرأنا في سورة القمر وعيد الله عز وجل لمن كذب بآياته وحاد عن طريقه… بعضهم أرسل الله عليه الصيحة فكانوا كهشيم المحتضر، وبعضهم أرسل الله عليهم ريحا صرصرا فأهلكتهم، وبعضهم أرسل الله عليهم حاصبا فرجمهم الله بلعنات كانت من قبل ترى رأي العين، كما رُجم من هجموا على الكعبة بالطير الأبابيل. ويُرجم غيرهم بلعنات معنوية، بلعنات الأزمة الاقتصادية، بلعنات عدم الاستقرار السياسي، بلعنات التبعية والهيمنة الأجنبية. وهذه أيضا لعنات وحواصب… إن الذي حُصب به من يكرهون الدين ومن يتنكرون لتعاليم القرآن، من جملة ما حصبوا به، بل من أفظع ما حصبوا به، أن يُطبِّعوا العلاقات مع اليهود.)

4. تعبئة وتحفيز

من وظائف القيادة التحفيز وبعث الأمل رفعا للهمم وشحذا للعزائم، لذلك توجه الأستاذ المرشد -حفظه الله- لأعضاء الجماعة عموما وللفصيل الطلابي خصوصا: لا ينبغي أن نكون جبناء، أخص بالكلام الطلبة في الجامعة والموظفين… لا ينبغي للإخوة الذين هم في المعترك السياسي… أن يكونوا انهزاميين فيخفون إسلامهم.)

5. تذكير بالثوابت

لقد يسر الحدث فرصة استثنائية لم يفوتها الأستاذ عبد السلام ياسين دون أن يبعث رسائل إلى صف الجماعة وإلى الرأي العام المغربي وإلى المخزن مذكرا بثوابت الجماعة:

• تربويا: جاء الإلحاح على أن الجماعة مدرسة دعوة للتوبة واكتساب شعب الإيمان استعدادا للقاء رب العالمين: نحن ناس ندعو المسلمين للرجوع إلى إسلامهم، ندعو المسلمين للرجوع إلى أخلاق النبوة وأخلاق المؤمنين والمؤمنات..)، هل كلمة الحق أن ننادي في الناس ونطلب إليهم الإقبال علينا بوصفنا حزبا سياسيا ونوهمهم أننا نقف ضد الظلم؟ نكون من الذين نسوا أنفسهم ونسوا وقوفهم أمام الله عز وجل..، نعوذ بالله…)“.

• تصوريا: جماعة العدل والإحسان مدرسة تجديدية للدين فهما وممارسة. من هذا المنطلق تضمنت الكلمة توضيحا لمفهومي العدل والإحسان باعتبارهما شعار الجماعة؛ فعن العدل قال الأستاذ المرشد: هل العدل أن لا يُظلم أحد في المحاكم فقط؟ لا، العدل قيمة شاملة كاملة يجب أن تعم كل حياة المسلمين بالرفق والأخوة والمحبة والحنان… نحن ننشد العدل ونريد الصفاء الاجتماعي، ولا نريد أن نكون أذلة تابعين لغيرنا..).

وعن الإحسان ومعناه قال حفظه الله: الناس يحسبون أن الإحسان هو الصدقة للفقراء، وهذا من الإحسان لاشك فيه، لكن الإحسان -الذي إذا ضاع منك ضاع منك كل شيء، منبع كل الخيرات لك في دنياك، ولمجتمعك في دنياه، وخصوصا لآخرتك- هو الذي نجده في سورة الواقعة. قال الله تعالى: “السابقون السابقون، أولئك المقربون في جنات النعيم”… فإذا لم نُعلِّم الناس معنى الإحسان، ومعنى مقام القرب من الله سبحانه وتعالى، وكيف يُدرَكُ القربُ منه سبحانه وتعالى بصفاء العقيدة، وبحسن الأعمال سنكون كاذبين، ويصدق علينا كلام من يتهمنا بالنفاق وممارسة السياسة باسم الإسلام).

• حركيا: من صفات طالبي الحق ألا تستفزهم الأحداث ويجرفهم التيار ويستدرجهم الخصوم قبل الأعداء فيقعون في كمين العنف والتكفير، وفي هذا السياق وبأسلوب تقريري أكد الأستاذ المرشد قائلا: نحن جماعة ضد العنف على المسلمين، لأن قتال المسلمين بعضهم بعضا لا تبيحه الشريعة الإسلامية. لو ظلمَنا الكفار لصحَّ أن ندافع عن أنفسنا كما فعل الوطنيون المؤمنون من قبلنا… فلا يجوز لنا شرعا أن نصفهم بالكفر”. واستطرد قائلا: “أريد من إخوان جماعة العدل والإحسان، بل ومن كل المؤمنين والمؤمنات في الحي الجامعي، ألا ينجرفوا مع التيار وينسوا روح ما يجمعنا وهو كلمة الله.)

على سبيل التعليق

روج المخزن نبأ رفع الحصار بهدف الاستهلاك الإعلامي تخلصا من حرج أوقع نفسه فيه، وقرر الأستاذ عبد السلام ياسين كسر الحصار بخروجه لأداء صلاة الجمعة واستقبال الوافدين من أعضاء الجماعة ومناصريها في بيته فوجا فوجا: كنا قد قررنا أن نفتح الدار لزيارة الإخوان وسائر المؤمنين بعد صلاة الجمعة، فوجاً بعد فوج، وإن كانت الدار صغيرة، لكن القلوب كبيرة، نسأل الله أن يوسع علينا، ولكننا الآن ممنوعون، فقد أخبرونا أن الحصار لم يرفع)؛ وشاءت العناية الإلهية أن تهيّئ لجماعة العدل والإحسان فرصة ذهبية لكشف تخبطـات المخزن وسوء تدبيره، بل وصنـاعته -من حيث لا يدري- لقضايا تنضاف “لمنجزاته” في مجال خرق حقوق الإنسان. تهيأت المناسبة، بل هيأها الله تعالى لتعرض الجماعة قبل مظلوميتها تصورها التربوي والحركي ليعرف الشعب حقيقة الجماعة وتسقط الأباطيل التي تروجها أجهزة استخبارات المخزن لتشويه صورة الجماعة وتنفير الناس منها.

توجه الأستاذ عبد السلام ياسين إلى المسجد وليس في نيته أن يلقي كلمة، وأمام الارتباك المخزني اضطر ليوضح ما وقع، فجاءت كلمته عفوية روحها الربانية ومميزاتها الخطاب الحجاجي والشمولية حيث تعددت الوظائف: الإخبار والتعليم والتربية. وهذا دأب العلماء الربانيين ينجمع في كلامهم وبشكل سلس ما لا يتيسر انجماعه لغيرهم.

وماذا بعد “15” سنة

واليوم، وبعد خمس عشرة سنة من تصريح لمسؤول حكومي رفيع المستوى أن حصار الأستاذ عبد السلام ياسين مرشد جماعة العدل والإحسان قد رفع، هل رفع الحصار؟

تغيرت حكومات وتوالى وزراء على أم الوزارات، وزال عهد بذلت جهود مضنية لتعليق كل الإخفاقات بذمته، وسال في سبيل ذلك حبر كثير وتفتقت عبقريات ومواهب للنيل منه، وجاء عهد “جديد” رفع لواء مصالحة المغاربة مع ذاكرتهم “الإنصاف والمصالحة”، ومصالحة السلطة مع المواطن “دولة الحق والقانون”، لكن أنى “لحليمة أن تتخلى عن عاداتها القديمة”؟ فقد ظل المخزن وفيا لمنطق التعليمات والاختطافات والتعذيب تنكيلا بمن يحسبهم خصوما استعصوا على التطويع: “ملف مختطفي فاس نموذجا”.

بعد خمس عشرة سنة ما زالت دار لقمان على حالها، وما زال تصريح الأستاذ عبد السلام ياسين في مسجد ابن سعيد بسلا، يوم 22 رجب 1416 الموافق لـ 15 دجنبر 1995، وكأنه حديث اليوم: لقد جاءنا الخبر ونحن في المسجد بأن الحصار لم يرفع. إنما كانت هذه فلتة من فلتات الإدارة المغربية التي تعلمون ما ينخر في أحشائها من أوبئة ومن فساد. أرادوا أن يخرجوا من ورطة الحصار فما عرفوا كيف، فجاءت الأوامر مضطربة متناقضة: رفع الحصار! لم يرفع الحصار!) 1 .

ما أشبه أمس عهد وصفوه بسنوات الرصاص بيوم عهد زعموا أنه جديد! اختطاف واعتقال وفبركة ملفات ومحاكم صورية آخرها في طور الإخراج محاكمة الأستاذ منير الركراكي بتهمة شاعر للتشويش على مشروع تغييري سلمي تزيده السنون مصداقية وتأييدا، ويلتف حوله الفضلاء منافحين ومؤيدين لنهج جماعة تهمتها في زمن الانبطاح والبوار أنها تحمل لواء العدل والإحسان.


[1] الهوامش من كلمة الأستاذ عبد السلام ياسين مرشد جماعة العدل والإحسان التي ألقاها بعد صلاة الجمعة بمسجد ابن سعيد بسلا يوم 22 رجب 1416 الموافق لـ 15 دجنبر 1995.\