سؤال:

أستاذ فتح الله نرحب بكم في حوار مع هسبريس…

جواب:

تحية طيبة لك وللطاقم المشرف على موقع هسبريس، و للزوار الأفاضل.

سؤال:

حكم البراءة على معتقلي فاس السبعة فاجأ جل المتابعين للملف منذ بدايته، فهل فاجأكم أنتم أيضا في الجماعة؟

جواب:

أعتقد أن كل من تتبع هذا الملف منذ الاختطاف والتعذيب ودخول الفرقة الوطنية للشرطة القضائية على الخط وفبركة المحاضر والإكراه على التوقيع، وواكب أطوار الإحالة على القضاء وعسكرة المحكمة في جل جلساتها وعرقلة العائلات في حضور بعضها ومنع الإعلاميين من مواكبة جلستها الأولى، ثم فتح ملف جديد للأستاذ منير الركراكي عضو مجلس الإرشاد والاستماع لعضو آخر بدعوى تهديد المشتكي، والتضييق على أفراد عائلات المعتقلين والذي تواصل حتى الأيام الأخيرة قبل إصدار الحكم، كل ذلك وغيره كثير كان من الطبيعي أن يرسم صورة ذهنية سلبية عن قرار المحكمة المرتقب عند تقديم كل تحليل موضوعي تتبع خيوط الملف. من هذه الزاوية نعم، وكغيرنا، فوجئنا بقرار البراءة.

لكن من جهة ثانية، ولأننا المعنيون بهذه المحاكمة والمتهمون فيها، قلنا منذ البدء أن المحاكمة سياسية والتهم مزورة والملف مصطنع، فالتعنيف والاختطاف والاحتجاز الذي اتهم به معتقلونا هو أبعد ما يكون عن سلوكنا، لأننا حسمنا خيارنا في العمل والإصلاح والتغيير منذ زمن بعيد ورسخناه في سيرتنا ولدى أعضائنا، وأصبح من بديهيات التعرف على جماعة العدل والإحسان رفضها القاطع للعنف قناعة وسلوكا. وبالتالي فالحكم بالبراءة رفعا لما حاق بإخواننا المعتقلين السبعة وما مسهم من خرق لحقوقهم وما طال عائلاتهم من ظلم وترويع ليس مفاجئا، بل هو أقل ما كان يجب عمله استجابة لذرة التعقل المتبقية واستماعا لكل الأصوات التي تعالت أن كفى من التمادي في العبث.

سؤال:

هناك من ذهب إلى أن هناك تدخلات خارجية في الملف وعلى وجه التحديد السفارة الأمريكية..

جواب:

دعني أوضح هنا جملة من المعطيات، وحتى لا يقرأنا البعض بما يرسمه هو في ذهنه بناء على بعض “المطالعات الخفيفة” هنا أو هناك، دون أن يرجع لمنشوراتنا وتصريحاتنا وممارستنا.

أولا: حين رفعنا منذ بداية ثمانينيات القرن الماضي ما أصبح يعرف عند السياسيين والباحثين بـ”اللاءات الثلاث”، و إحداها “لا للتبعية للخارج”، كان واضحا لدينا المعنى الذي تجنبناه لخطورته، وقمنا بتمييزه عن غيره من المعاني التي قد تشتبه به ويلتبس لدى البعض فصلها عنه.

فالتبعية للخارج والاستقواء بالأجنبي هي أن تصبح له ذراعا في وطنك، وأن تخدم قضاياه وأجنداته، وتتخلى عن استقلالك في الخيار والقرار، وتتلقى منه الدعم المالي والرمزي، وتصوغ الخطط والمشاريع باستشارته واقتراحه، وهي الأشياء التي نرى أن كل فاعل وقع فيها وانخرط في سلكها لا شك أنه وقع في المحظور ونحى منحى خطيرا على ذاته وبلده التي ينتمي لها ويعمل فيها.

على هذا المستوى لسنا في حاجة إلى تبرئة أنفسنا، فسيرتنا بيضاء مرئية وكتابنا مفتوح مقروء.

ثانيا: معروف اليوم أننا في عالم مفتوح، للدول سفاراتها وقنصلياتها ومراكزها الثقافية والبحثية في الدول الأخرى، فطبيعي أن تهتم تلك الدول، من خلال قنواتها تلك، بما يروج في البلدان الأخرى، وطبيعي أن تعرف الفاعلين فيها من سلطة وأغلبية ومعارضة وتيارات وحركات وتدرك رؤيتهم، وطبيعي أن تستمع في الأحداث السياسية والاجتماعية البارزة لمختلف الأطراف المعنيين بها، فإذا كان بعد هذه الأبجديات والبديهيات في العمل الديبلوماسي والسياسي مستغرب أن يعتبر لقاء مع هذه السفارة أو تلك أو مراسلة ملحقها الإعلامي وحضوره لهذا النشاط أو ذلك استدعاء للأجنبي واستقواء به وتبعية له، فمن هي الجهة التي ستكون بريئة من تهمة “الاستقواء بالأجنبي” ابتداء من السلطة وإلى آخر حزب وجمعية!؟

ثالثا: ولعل من عجيب ما سمعنا هذه المرة، أن أصبح حضور المراقبين المدنيين الأجانب من حقوقيين ومحامين لمتابعة المحاكمة والدفاع عما طال المعتقلين من خروقات جسيمة لحقوق الإنسان تهمة وتبعية واستقواء، حقا إنه “الأجنبفوبيا” حين تعمي أصحابها وتصم، فيتخلوا عن كل منطق سليم وتحليل رصين.

سؤال:

صرحت أنت شخصيا السي فتح الله بأن الحكم كان سياسيا منذ بدايته وسار سياسيا وحسم سياسيا.. ماذا تقصد بكلمة سياسة في هذا السياق بالضبط؟

جواب:

أقصد أن الملف جزء من التدافع القائم بين النظام المخزني وجماعة العدل والإحسان، فمعلوم أن الجهات الرسمية تخوض حربا شرسة على الجماعة وأنشطتها وأبنائها. محاكمات بالجملة في معظم محاكم البلد، ومتابعات في حق القادة والأعضاء، وأحكام بالحبس وصلت 7520 يوما، وغرامات بلغت 5527215.00 درهما، وتشميع للبيوت طال العشرات، واعتقالات لأعضائنا بلغت 7055 معتقلا، واختطافات في صفوفنا تعدت 15 اختطافا، ومحاكمات مستمرة ما زالت تنتظر أعضاءنا في 221 محاكمة، كل ذلك فقط في الأربع سنوات ونصف الأخيرة.

ناهيك عن التضييق على كثير من أبناء وبنات العدل والإحسان في الأرزاق والوثائق الإدارية والسفر للخارج سياحة وحجا وعمرة وطلبا لاستكمال المسار الدراسي، وفبركة لملف سياسي مصبوغ بطابع العنف بعد انتهاء محكومية معتقلي “طلبة وجدة” ب 18 سنة سجنا ظلما، كل ذلك وغيره يبرز أن اختطاف وتعذيب ومحاكمة سبعة من أعضاء وقياديي الجماعة بفاس بتهم جنائية إنما هو للتعمية على الخلفية السياسية للملف، إذ المستهدف دعوة العدل والإحسان ومشروعها ومواقفها.

سؤال:

الأستاذ عبد السلام ياسين هنأ المحامين على مجهودهم وعملهم الجماعي المثمر، فهل يعني هذا أن لكم ثقة في القضاء أم إن هيئة الدفاع استطاعت أن تجر الدولة إلى ما هو سياسي كما عبر عن ذلك المحامي البلجيكي مهدي عباس؟

جواب:

الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله أثنى على عمل هيئة الدفاع وانتصارهم للحق ومرابطتهم الساعات الطوال في ساحة القضاء بالمرافعات القانونية الرصينة، وحيى الهيئة الحقوقية على حركتها وتواصلها، وأكبر في المعتقلين والعائلات صبرهم على الابتلاء واحتسابهم الأجر عند الحق سبحانه وتعالى، واستبشر خيرا بنشاط الجماعة وحيويتها وذاتيتها الواحدة المنسجمة المتلاحمة. وهذه من نعم الله علينا في جماعتنا التي نشكره سبحانه وتعالى عليها، سائلينه المزيد من خزائنه التي لا تنفذ.

أما عن ثقتنا في القضاء فهو شيء نتمنى أن يتحقق في هذا البلد، ولكن واقع الحال يقول بأن القضاء ليس سلطة مستقلة، وأداة في يد السلطة السياسية تزجر بها المخالفين، وسيفا تضرب به أعناق المعارضين، ودوننا واستقلال القضاء، ليكون ملاذا آمنا يفزع إليه المظلومون من شطط السلطة وظلمها وتعسفها على حقوق الناس، أشواط من التغيير السياسي والإصلاح القضائي والقانوني، وفي سيرنا، والشرفاء، نحو هذا الأفق نظن أن في القضاة نزهاء وأكفاء بإمكانهم أن يشكلوا رافعة إصلاح حقيقية في مجال العدالة الذي هو أساس الحكم.

سؤال:

لماذا سمحت الدولة بحضور مراقبين أجانب في المحاكمة؟

جواب:

وهل كان يتصور أن تمنع مراقبين حقوقيين ومحامين من جنسيات مختلفة من مراقبة مدى توفر شروط وضمانات المحاكمة العادلة، واحترام مبدأ علانية وسير جلساتها، ومطالبتهم بتحقيق مستقل في اختطاف وتعذيب المعتقلين؟! إذا لأكملت الجهات السلطوية المخزنية الإجهاز على صورة المغرب نهائيا، ولقدمت مزيدا من الخدمة المجانية لأعدائها وخصومها.

سؤال:

هناك من ذهب إلى أن السماح بحضور مراقبين أجانب في محاكمة معتقلي فاس المنتمين للعدل والإحسان هو تمهيد لحضورهم في محاكمة معتقلي أحداث العيون؟

جواب:

للسلطة خلفياتها وحساباتها، وهي في الغالب، مع الأسف، حسابات ضيقة لا تخدم مصلحة البلد وقضاياه المصيرية، فقد تغمض العين عن شيء ليس لقناعة مبدئية به بل للاستفادة مما يماثله في أمر آخر.

بالنسبة إلينا ليس لدينا تحفظ على حضور مراقبين حقوقيين وطنيين وأجانب لكثير من المحاكمات والأحداث الكبرى، حيث يشكل حضورهم ضمانة إضافية ورقابة جدية للحد والتقليل من الانزلاقات والانحرافات، خاصة في ظل وضع قضائي لا يرضي أحدا.

وأنتهزها فرصة لأوجه تحية لكل الحقوقيين والمراقبين من داخل المغرب وخارجه الذين آزروا معتقلي العدل والإحسان السبعة ودافعوا عن مظلوميتهم، وأتمنى أن تتآلف مثل هذه الجهود في كل القضايا العادلة، وما أكثرها.

سؤال:

طيب، عقب حكم البراءة صرح أحد المحامين وهو عضو في الدائرة السياسية بأن الحكم سيكون ما بعده، ماذا يعني هذا الكلام؟ هل هو كلام قانوني يعني أن الجماعة لم تطو صفحة ملف فاس أم أن الكلام يحمل رسائل سياسية معينة؟

جواب:

هذا ما تحدثت عنه سابقا وهو أن ملف جماعة العدل والإحسان الطويل والعريض لم ينته مع هذه القضية، ونحن نأمل أن يكون بداية لتصحيح باقي التجاوزات المرتكبة في حقنا وفي حق باقي المعارضين وكل مظلوم في هذا البلد العزيز.

سؤال:

السي فتح الله، الملاحظ أن محاكمة طلبة وجدة كانت تثير نقاشا سياسيا وجنائيا بين الفعاليات الحقوقية والتي يسيطر عليها اليسار، بينما محاكمة فاس أجمع الجميع بما فيه اليسار المغربي الذي ينشط في المجال الحقوقي بأن المحاكمة تحمل طابعا سياسيا.. كيف ترى هذا التحول في علاقة الجماعة باليسار بالمغرب؟

جواب:

لا شك أن ما حصل من إجماع حقوقي كبير على المستوى الوطني شيء جد إيجابي، نحيي عليه كل الحقوقيين والغيورين والفاعلين المدنيين على تنوع طيفهم الإيديولوجي والسياسي، وأخص بالذكر هنا “لجنة مساندة معتقلي العدل والإحسان بفاس” ومنسقها الأستاذ عبد العزيز النويضي، ومعه كل النقباء الكبار وممثلي المنظمات والهيئات الحقوقية.

وبغض النظر عن التفاصيل القانونية والسياسية للملفين الذين ذكرتهما في السؤال أو غيرهما والتي لن يستوعبها تصريح صحفي، هذه مناسبة لأقول: لنجعل الدفاع عن الفاعلين السياسيين والحقوقيين والإعلاميين والمثقفين الذين يتعرضوا لعسف السلطة ورقابتها وسيفها وقضائها فوق كل الاعتبارات والاختلافات، ولنكن يدا واحدة في صف واحد يصد هذه الهجمة المخزنية السلطوية على الشرفاء.

وأعتقد أن ملف المعتقلين السياسيين الستة وكثير من ملفات ما يعرف بالسلفية الجهادية، وما قد يستجد من ملفات مصطنعة للعاملين في الشأن العام، يحتاج مزيدا من التنسيق والعمل الحقوقي المشترك، فليكن هذا الحدث وهذه اللجنة التي تشكلت مدخلا نحو بلورة ثقافة ومؤسسات وأعراف حقوقية مشتركة نتداعى من خلالها دائما للدفاع عن الفاعلين كيفما كان لونهم وفكرهم ومذهبهم.

سؤال:

هناك من ذهب إلى أنكم بمشاركتكم في مسيرة البيضاء التي دعت إليها الأحزاب المشاركة في البرلمان بخصوص قضية الوحدة الترابية أرسلتم رسالة إلى من يهمه الأمر بأنكم مع الوحدة الترابية، هل كنتم فيما سبق ضد الوحدة الوطنية؟

جواب:

موقفنا واضح ومبدئي من قضية تقسيم أي بلد من البلاد الإسلامية والعربية ونعتبر ذلك استمرارا للمخططات الاستعمارية بهدف إضعاف أمتنا.

وهذا لم يمنعنا من أن نكون أيضا واضحين في موقفنا من سوء تدبير ملف الصحراء، ومشاركتنا في مسيرة البيضاء كان هذا منطلقها، وشاركنا فيها نظرا لطابعها الشعبي وبعدما تلقينا دعوة من الأحزاب المنظمة. وعبرنا من داخل المسيرة عن رأينا المبدئي الرافض للعنف بجميع أشكاله وعن أي جهة صدر، ودعونا إلى حل سلمي وعادل للقضية ينبني على تدبير تشاركي منفتح على جميع القوى الوطنية بعيدا عن الاحتكار الرسمي والتدبير المضطرب والمرتجل والتدخل الأجنبي والأجندة الاستعمارية.

سؤال:

ألا يمكن أن نعتبر بأن النظام في حاجة إليكم على مستوى الخارج بسبب وجودكم المتعاظم في أوربا وأمريكا لأجل التعبئة للوحدة الترابية للبلد؟

جواب:

هذا غير وارد لأن النظام يستفرد بهذا الملف وليس لنا استعداد للانخراط في أية قضية دون أن يستشار معنا بشأنها ويكون لنا رأي فيها.

سؤال:

الملاحظ أنكم لأول مرة تصرحون بأن هناك استئصاليين داخل النظام وهناك متعقلين ما يعني أن النظام ليس على هوى واحد كما كنتم تصرحون فيما قبل، فهل يعني أنكم قرأتم الرسالة جيدا وأن هناك بوادر علاقة جديدة ستحكم علاقتكم بالنظام السياسي بالمغرب؟

جواب:

لا ليست هذه المرة الأولى التي نعبر فيها عن هذا الرأي فقد كررناه مرارا على الأقل بعد أحداث 16 ماي 2003 الأليمة حيث أصبح واضحا أن هناك تيارا استئصاليا ليس له من هدف غير محو الإسلاميين من الخريطة، بل في كثير من الأحيان تطال ساديته كل المعارضين وأصحاب الرأي المخالف، من غير تقدير للعواقب ولا للفتنة المدمرة التي يسوقون البلد إليها.

سؤال:

شكرا السي فتح الله على هذا الحوار.

جواب:

شكرا لكم.

المصدر: الجريدة الإلكترونية “هسبرس”، بتاريخ 27 دجنبر 2010.