ما كانت أطوار محاكمة أطر العدل والإحسان، أهل فاس، لتنتهي في هذه الحدود، لولا تضافر عوامل عدة، فكل المؤشرات كانت تقول بأن الدولة لم تستسغ تكشف حقيقة عميلها في صفوف الجماعة، ومنذ الوهلة الأولى، كشر دعاة الاستئصال في دواليب الدولة عن مخالبهم، وأعلنوا الخروج عن الصواب، وأعوانهم من الأمنيين والسياسيين والإعلاميين قفزوا على وجه السرعة إلى الواجهة ينذرون بوعيد قصة مظلمة ونهاية بئيسة.

لكن الأقدار جرت عكس المتوقع، وتجنب البلد ويلات ما كانت تخطط له تيارات الاستعداء والفتنة، فلله الأمر من قبل ومن بعد، وهو اللطيف الودود.

بانتفاء احتمال نزاهة القضاء ببلادنا واستقلاليته، يزداد النقاش اتساعا حول الأسباب الكامنة وراء هذا التراجع من الاستئصال إلى التهدئة، وهل كانت الدولة مخيرة في ذلك، أم أنه أكره البطل.

ومادامت أهم المعطيات لم تتكشف بعد، فلندع التكهنات لنناقش حقيقة واحدة، ألا وهي انتصار التيار المنادي بتحكيم العقل وإنصاف المظلوم مهما كانت هويته.

تستحق هذه الأشهر الست أن تسجل بمداد خاص في سجل تاريخ الدفاع عن حقوق الإنسان ببلادنا، فخلالها تحقق ما لم ينجز على مر سنوات الاستقلال، حيث اتحدت الأصوات وارتفعت الحواجز بكل أشكالها بين تيارات المجتمع وقواه، واصطف ذوو المروءة صفا واحدا، تاركين وراءهم كل ما من شأنه المساس بشعار: “الحرية أولا”.

انتهت المحاكمة نهاية سعيدة، وعانق المختطفون الحرية، وعاد المتضامنون الأجانب إلى ديارهم يحملون عن المغرب رسالات، وتوج كل من ساهم في هذا الإنجاز بوسام الشرف من درجة متضامن مناضل غيور.

فماهي أهم الخلاصات المستفادة من هذا الحدث المؤلم:

* وجب الاعتراف لأهل الفضل من السياسيين والحقوقيين والإعلاميين بفضلهم، فقد أبانوا عن علو كعب واكتمال رشد في مقاربة القضايا العادلة والمشروعة لأبناء هذا الوطن.

* من الصعب أن تدجن إنسانا موقنا من قناعاته، خصوصا إذا استعملت بعض الأدوات المجربة سلفا دون جدوى.

* من تمسك بقناعاته في زمن الضعف رغم الرزايا، فلا يخشى المحن وهو رقم صعب التجاوز، وأفكاره محط نقاش في الأروقة المعتبرة على طول ربوع العالم العربي والإسلامي

* لا يصح إلا الصحيح، ولن تقو الدولة ولا غيرها على قلب الحقائق وتشويهها، وإنما هي فترة….، وإن البراءة والنصر لتجد سندها في الغيب حتى إذا تنكرت لها البشرية أو تلكأت عن طلبها.

* من لا يزال يراهن على العنف والاستئصال فله العبرة من هذا الحدث، وقد آن أوان التراجع عن المتاهات للوقوف على الأقدام لا على الرأس.

* إنما يبتسم المستقبل لمجتمع الحوار والتواصل والاستيعاب والتكامل، ويكفهر في وجه الظلم والإقصاء والتدليس والاستهانة

* التضامن يقصر المسافات ويصنع الحدث، وإذا كان الانتصار ها هنا بدا واضحا ليتوج التضامن، فينبغي الاستمرار والانتقال من التأسيس إلى البناء

* هناك إمكانيات عدة لتقويض الاستبداد وتحقيق العدالة، وارتفاع صوت الحرية وحقوق الإنسان على صوت الإكراه والتنكيل واللامبالاة.

* باستطاعة القضايا الحقوقية أن تكون بوابة التواصل ومنطلق التنسيق بين ألوان الطيف الإيديولوجي والسياسي بهذا البلد تحت شعار مؤطر: ” من أجل مغرب حر مستفيد من كل طاقاته”.

* لا تزال المعركة مفتوحة، فثمة مظالم عدة تنتظر التحرير بهذا البلد وفي غيره من بلدان العرب والإسلام، ولن يقوى على التصدي لها إلا صوت التضامن المنتصر حتما في كل مضمار.

لنتفاءل، فهناك إمكانيات عدة للانتصار.