عبد الصمد المساتي

أون إسلام

الأحد, 26 ديسمبر 2010 11:13

حظي ملف المعتقلين السبعة منذ انطلاقته (يوم 28 يونيو 2010) بوثيرة غير مسبوقة في حراك الجماعة، تمكنت عبره من إرغام السلطات المغربية على إعادة حساباتها ومراجعة أوراقها، خاصة بعد تدويلها للقضية، والتي حمَّلتها في استراتيجية تدبيرها لها أبعادا سياسية وإعلامية كبرى، نتج عنها دخول السفارات الأوروبية والسفارة الأمريكية على الخط، وحضور مراقبين دوليين لمتابعة أطوار المحاكمة.

فعلى مدار 6 أشهر من الاعتقال لم يهدأ نشاط الموقع الرسمي للجماعة، كتابات متواصلة من مجلس الإرشاد، وتصريحات نارية لقيادات الجماعة في الأمانة العامة للدائرة السياسية ومؤسسات الجماعة التنظيمية، وتواصل كبير مع المراقبين الدوليين وهيئات الدفاع التي حضرت من جنسيات ودول مختلفة لمتابعة ومؤازرة المتابعين، ما جعل الملف محط استهجان ورفض من غالبية الهيئات السياسية والحقوقية محليا وإقليميا ودوليا، ومحل التفاف وتوحد رغم الاختلافات التنظيمية والإيديولوجية.

وتجدر الإشارة إلى أن المتهمين المعتقلين منذ 28 يونيو 2010 بمدينة فاس وهم (محمد السليماني، عبد الله بلة، هشام الهواري، هشام صباحي، عز الدين السليماني، أبو على أمنور، طارق مهله) كانوا يتابعون بتهم اختطاف واحتجاز محام فصلته الجماعة بعد ثبوت دخوله متسللا إلى صفوفها للاستخبار عليها، عن طريق التعذيب والسرقة المقترنة باستعمال السلاح والعنف والانتماء لجماعة غير مرخص لها، فى حين تم ملاحقة عضو ثامن (محمد بقلول) بتهمة الانتماء إلى جماعة غير مرخص لها.

براءة سياسية

لم يكن ضمن تخمينات المتتبع لملف محاكمة القياديين السبعة في جماعة العدل والإحسان بفاس، والتي دامت لأزيد من ستة أشهر، أن يكون مآله براءة المتابعين من كل التهم المنسوبة إليهم، وهو الحكم الذي قضت به محكمة الاستئناف بفاس ليلة الثلاثاء 21 ديسمبر 2010، خاصة وأن طريقة تدبير الملف بدأت بتصعيد من السلطات، حيث الاختطاف والتعذيب من الفرقة الوطنية للشرطة القضائية، والمتابعة رهن الاعتقال من النيابة العامة التي رفضت السراح المؤقت الذي تقدم به دفاع المعتقلين، فضلا عن أن التهم المتضمنة في محاضر الشرطة القضائية كانت تدفع الكل إلى الاعتقاد بأن المعتقلين سيدانون وسيصدر في حقهم أحكام قاسية.

لكن مسار الملف واستراتيجية الجماعة في تدبيره وتدويله، قلبت الحسابات وغيرت المسار، فتأكد للعيان أن الملف سياسي بامتياز، وهو ما أكده فتح الله أرسلان الناطق الرسمي باسم الجماعة في تصريح أولي لموقع الجماعة نت بأن الملف “بدأ سياسيا وحسم سياسيا”، مشيرا إلى احتمال أن “ما حدث يكشف أن السلطات ربما أدركت خطأها فتراجعت عن المسار الذي كانت تريده للقضية”.

وتمنى أرسلان أن تكون البراءة في هذا الملف “انطلاقة لأسلوب جديد في التعامل مع المعارضين بعيدا عن المقاربة الأمنية” إذ ستقدم الدولة –يضيف أرسلان- إشارة هامة لو خطت خطوة مماثلة في ملفات شهدت إجماعا وطنيا على براءة أصحابها، وعلى رأسها ملف المعتقلين السياسيين الخمسة وجميع الملفات السياسية وكثير من ملفات ما يصطلح عليه ب”السلفية الجهادية”.

ماذا بعد البراءة؟

أكد محمد ظريف، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الحسن الثاني المحمدية، والمتخصص في الحركة الإسلامية في تصريح لأون إسلام أن حكم البراءة الذي صدر في حق معتقلي العدل والإحسان بفاس يعتبر رسالة تهدئة موجهة إلى الجماعة، معتبرا أن “الحكم في حد ذاته مؤشر مهم يمكن أن يساهم في خلق شروط من شأنها أن تفضي إلى إعادة النظر في العلاقة بين الدولة والجماعة، من خلال السماح بتأسيس هذه الأخيرة لحزب سياسي في ظل القوانين الجاري بها العمل في المغرب”.

ويضيف ظريف أن هذا الحكم ينبغي أن يقرأ من ثلاث زوايا: الأولى قانونية بمعنى أن القضاة تكوَّن لديهم اقتناع ببراءة المعتقلين، في ظل تعالي الأصوات الرسمية والمجتمعية بإصلاح القضاء وضمان استقلاليته؛ والثانية سياسية موجهة إلى الجماعة في محاولة للتهدئة، والزاوية الثالثة أن الدولة لا ترغب في إعادة إنتاج الأخطاء التي ارتكبتها في السابق بإصدار أحكام قاسية على الجماعة، والتي تستفيد منها هذه الأخيرة لتعبئة أتباعها وتوجيه الاتهامات للنظام القائم.

ومن جهته اعتبر فتح الله أرسلان في تصريح لأون إسلام أن “الأصل في هذا الملف الحكم بالبراءة لأن معتقلي العدل والإحسان هم برآء أصلا من التهم التي أراد المخزن تلفيقها لهم” لكن في المغرب -يضيف أرسلان- “مع الأسف أصبح الحكم بالعدل -خصوصا في الملفات السياسية- يفاجئنا من كثرة ما يكون متحيزا وغير عادل”، مشددا على أن الحكم بالبراءة لا ينبغي أن “ينسينا أن القضية منذ البدء كانت ظالمة نظرا لما تعرض له المتابعون من تعذيب وترويع للعائلات” خصوصا وأن أطوارها لم تنته بعد “فهناك استئناف لهذا الحكم، ولا نريد أن نتسرع في استصدار الأحكام”.

وعن علاقة الدولة بالجماعة بعد حكم البراءة ابتدائيا في هذا الملف يقول أرسلان “نسجل هذه النقطة، لكن بتحفظ حتى ننظر كيف ستتعامل الدولة في مستقبل الأيام مع العدل والإحسان في ملفاتها الكثيرة التي ما تزال معروضة على القضاء وكيف ستتعامل مع البيوت المشمعة، ومع أنشطة الجماعة الممنوعة، ومع إعلامها المحظور، وحتى تحدد طريقة التعامل مع العدل والإحسان بصفة عامة”، منبها إلى أن “الجماعة منذ نشأتها لم تسع إلى تأزيم العلاقة مع أحد، ولم تدخل في صراع مع أحد، بل تسعى إلى ممارسة حقوقها الدنيا التي يكفلها الدستور وتكفلها القوانين، لكنها دائما الضحية بتعرضها إلى التضييق”.

وعن مسألة تأسيس حزب سياسي يؤكد أرسلان أن القضية مرتبطة بالنظام الحاكم ومدى استعداده للقبول بمعارضة سياسية مستقلة حرة مثل العدل والإحسان، وليست مرتبطة بالجماعة لأنها أعنت منذ 1981 عن استعدادها للعمل في الساحة السياسية وفق القوانين الجاري بها العمل لكن النظام الحاكم -يضيف أرسلان- “هو الذي يمنح الترخيص بتأسيس الحزب لمن يشاء ويمنعه عمن يشاء، وإن كانت القوانين هي التي تنظم ذلك فإنها تبقى حبرا على ورق”.