بعد أن تم التطرق في مقال سابق لما أسميناه ب”الاختلال الأكبر” على مستوى وظائف الأحزاب السياسية كما هي محددة في قانون الأحزاب، نتطرق في هذه السطور إلى بعض الملاحظات والتساؤلات المرتبطة بإجراءات التأسيس.

كل من يطلع على القانون 36.04 يلاحظ كثرة الشكليات والإجراءات المطلوبة عند تأسيس حزب سياسي، والتي قد تمس حقا هاما من الحقوق السياسية، ألا وهو حق التنظيم، كما يلاحظ الحضور القوي لوزارة الداخلية في تأسيس الأحزاب السياسية، فبالإضافة إلى السلطة التقديرية الواسعة الممنوحة لوزير الداخلية في شأن تأسيس الأحزاب السياسية، سواء قبل أو بعد المؤتمر التأسيسي، فإن وزير الداخلية يمكنه أن يطلب من رئيس المحكمة الإدارية بالرباط بصفته قاض للمستعجلات أن يأمر بتوقيف الحزب وإغلاق مقاره مؤقتا متى لاحظ إخلالا لأنشطة الحزب بالنظام العام، كما أن وزير الداخلية إذا لاحظ عدم احترام الشكليات المنصوص عليها في قانون الأحزاب السياسية يمكنه مطالبة الأجهزة المسيرة للحزب بتسوية الوضعية، وفي حالة عدم الاستجابة داخل أجل شهر يطلب وزير الداخلية من القضاء توقيف الحزب.

فمما لاشك فيه أن المشرع هدف من خلال القانون36.04 إلى ضبط المشهد الحزبي، ولم يكتف في ذلك بتحديد وظائف على المقاس للأحزاب السياسية، وإنما أضاف مجموعة من القيود الشكلية والعددية، بل وأحيانا قيودا تصورية. فقد نصت المادة 4 على أنه “يعتبر باطلا وعديم المفعول كل تأسيس لحزب سياسي يرتكز على دافع أو غاية مخالفة لأحكام الدستور أو القوانين أو يهدف إلى المس بالدين الإسلامي أو بالنظام الملكي أو بالوحدة الترابية للمملكة. يعتبر أيضا باطلا وعديم المفعول كل تأسيس لحزب سياسي يرتكز على أساس ديني أو لغوي أو عرقي أو جهوي، أو يقوم بكيفية عامة على أساس تمييزي أو مخالف لحقوق الإنسان”. وقد أثارت هذه المادة نقاشا واسعا، فبالإضافة إلى الملاحظة المرتبطة بفقرتها الأولى والمتمثلة في السقوط في نوع من الحشو، الذي قد يتيح المجال لتأويلات خاطئة، إذ كان يمكن الوقوف فقط عند مخالفة الدستور أو القوانين، لأن تجريم المس بالدين الإسلامي أو بالنظام الملكي أو بالوحدة الترابية هو متضمن في الدستور والقوانين، هناك ملاحظة ثانية تتعلق بعبارة “يرتكز على أساس ديني أو لغوي أو عرقي أو جهوي”، فما المقصود بالارتكاز على أساس لغوي أو عرقي أو جهوي؟ خاصة إذا علمنا أن المغرب يتميز بالتنوع، وهو تنوع يفرض دعم الجهوية الموسعة، مما يتيح إمكانية تأسيس أحزاب جهوية تماشيا مع توجه الدول المتقدمة في ترسيخ فكرة الأحزاب الجهوية باعتبارها أحد المساهمين في التنمية الجهوية، التي هي أساس التنمية الوطنية. وما المقصود بالارتكاز على أساس ديني؟ والحال أن الدستور يقر بأن الإسلام هو دين الدولة، فهل المطالبة بنظام الزكاة عوض الضرائب والمكوس، أو المطالبة بمنع بيع الخمور، أو إغلاق دور القمار، وهي من المحرمات، يمكن أن تؤول إلى التأسيس على أساس ديني؟

هذا عن القيود التصورية أما القيود الشكلية والعددية فهي كثيرة. على سبيل المثال لا الحصر، نصت المادة 7 من القانون 36.04 على أن الأعضاء المؤسسين والمسيرين لحزب سياسي يجب أن يكونوا بالغين من العمر 23 سنة شمسية كاملة، ومسجلين في اللوائح الانتخابية. ويمكن تسجيل ملاحظتين بخصوص هذه المادة، أولاهما: أن المشرع اعتمد سن الترشيح للانتخابات لتأسيس أحزاب سياسية، عكس دول أخرى التي اعتمدت سن التصويت، أو اعتمدت سن أقل من 23 سنة، كما هو الحال في الأردن مثلا، حيث تم- في سنة 2007- تخفيض السن اللازم للعضو المؤسس من 25 إلى 21 سنة، وللعضو المنتسب للحزب من 21 إلى 18 سنة. فتحديد سن المؤسسين في 23 سنة فما فوق لا ينسجم من جهة مع سن الرشد القانوني الذي هو 18 سنة، ومن جهة أخرى مع المادة 22 من القانون 36.04 التي جعلت من الضروري النص على نسبة الشباب الواجب إشراكهم في الأجهزة المسيرة للحزب. وثاني ملاحظة تتعلق بضرورة تسجيل المؤسسين في اللوائح الانتخابية، فإذا كان ذلك شرطا مقبولا إلى حد ما بالنسبة للأعضاء المؤسسين، فإنه ليس من الضروري أن يثبت ذلك العضو المؤسس بشهادة تسلم له من الإدارة، كما نص على ذلك القانون، لاعتبارين اثنين، أولهما: أنه من المفترض في الإدارة المغربية مواكبة التطور التكنولوجي الذي يجعل أمر التأكد من التسجيل في اللوائح الانتخابية يتم في بضعة دقائق، وثانيهما: ما يمكن أن يُسببه تلكؤ بعض الإداريين في منح تلك الشهادة من حرمان لبعض المواطنين من المساهمة في تأسيس أحزاب سياسية.

ونصت المادة 8 على أن من الوثائق المطلوبة لتأسيس حزب سياسي التزام مكتوب، في شكل تصريحات فردية لـ300 عضو مؤسس على الأقل، بعقد المؤتمر التأسيسي للحزب داخل أجل سنة على أبعد تقدير تبتدئ من تاريخ الإشعار، أو من تاريخ الحكم النهائي الذي يقضي بأن شروط وشكليات تأسيس الحزب مطابقة للقانون، ويجب على الأعضاء الثلاثمائة أن يكونوا موزعين بحسب مقرات إقامتهم الفعلية على نصف عدد جهات المملكة على الأقل شرط ألا يقل عددهم في كل جهة عن 5% من العدد الأدنى للأعضاء المؤسسين المطلوب قانونا. كما نصت المادة 12 على أن المؤتمر التأسيسي لا يكون صحيحا إلا أذا حضره 500 مؤتمر على الأقل من بينهم ثلاثة أرباع الأعضاء المؤسسين على الأقل، ويجب أن يكون المؤتمرون الخمسمائة موزعين بحسب مقرات إقامتهم الفعلية على نصف عدد جهات المملكة على الأقل، شرط ألا يقل عددهم في كل جهة عن 5% من هذا العدد.

ويفهم مما نصت عليه المادة 8 و12 محاولة منح الجدية المطلوبة لتأسيس الأحزاب السياسية، ووضع حد لتلك الظاهرة المتمثلة في ظهور أحزاب جديدة عند كل انتخابات دون الاستناد إلى مقومات معقولة. لكن مع ذلك نتساءل هل من الضروري تمثيلية الحزب السياسي في مختلف الجهات منذ الوهلة الأولى؟ وما هي الوسائل التي يمكن أن يتخذها من يفكرون في تأسيس حزب سياسي لتحقيق هذا الشرط؟ وهل ينسجم كل ذلك مع مشروع “الجهوية المتقدمة” التي تشتغل عليه اللجنة الملكية؟