عاشوراء جرح دام في وجدان أمة الإسلام لا يندمل، وفجيعة عظيمة أصابت الأمة في مقتل، مأتم قائم توارثته الأجيال عبر القرون، ومجلس عزاء مفتوح لا يُدْرَى فيه من المعزِّي ومن المعزَّى، قاصمة من القواصم هي موقعة قتل الإمام الحسين رضي الله عنه، وعلامة فارقة مفصلية في تاريخ المسلمين صبغت جميع مجالات حياتهم ووصمتها بوصمة الحزن والدم والفرقة والتنازع فانعكست على العقائد والفقه والتاريخ والسياسة والاجتماع والفلسفة والآداب والفنون…

تحل ذكرى عاشوراء لتؤكد معاني التمزق بين شطري الأمة الشيعي والسني. ففي الحين الذي يحتفل الشق السني بالتاسع والعاشر من المحرم اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي احتفى بنصر الله تعالى لنبيه موسى عليه السلام والمستضعفين من بني إسرائيل على فرعون، فجعل من إحيائه لهذا اليوم انتصارا لقيم العدل والحق وتأكيدا على استمرار رسالة الأنبياء واستكمالا لهذا الموكب النوراني الرسالي الذي يرسخ قيم الانتصار للمظلومين والمستضعفين في الأرض. نجد أن الشق الشيعي يجعلها أيام مناحات وعزاء على سبط أمير الأنبياء وواحد من سادة الشهداء سيدنا الحسين رضي الله عنه وعثرته الطيبة. ففي مثل هذه الأيام من المحرم داست سنابك الظلم والجور هامة رمز عزة الأمة وكرامتها وفتوتها وشرفها سيد شباب أهل الجنة، بعد أن قام لينتصر لنفس قيم الحق والعدل التي أرسى دعائمها جده صلى الله عليه وسلم على مسمع ومرأى من أمة مغلوبة على أمرها، دخلت عهود الاستضعاف والاستعباد، بعد أن استطاعت آلة بني أمية الاستبدادية أن تحول نظام الحكم من شورية نبوية راشدة إلى هرقلية كسروية يزيدية.

فكل مراجعة للعلاقة مع الشيعة، شيعة آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي حقيقة ينبغي أن لا تغيب عنا، إن لم تبدأ من فتح صفحات التاريخ – السقيفة وصفين أولها وعاشوراء ثانيها – للتأمل والتدبر في ما أفرزته “الفتنة الكبرى”، وما نتج عنها من خدوش وجراح في جسم الأمة بمسؤولية وأمانة تتجاوز “التركة المسمومة” التي خلفها المتعصبون والمغالون من الطرفين، هو شرعنة للاستبداد وإصرار بليد على إعادة إنتاج خلاف تاريخي مضى من قرون، وغابت الآن كل الشروط التاريخية والسياسية المنتجة له، واستحلاء للكمون داخل دائرة جهنمية حاصرت العقل المسلم وشلت حركيته في التاريخ والكون، وصار الخروج منها أشبه بالمستحيل إن لم نقل مستحيلا بالفعل. فعند أبسط خلاف أو أصغر تصريح تتهاوى سِنُونٌ من الحوار والتعايش بين السنة والشيعة. مما يجعل الحديث عن أي نوع من أنواع التقارب أشبه بالحلم إن لم يبن على أسس عقدية وتربوية متينة تتعالى على “التركة التاريخية المسمومة” التي تساهم جهات أجنبية مخابراتية في إذكاء جذوة فتنتها بلا شك، ولكن نظرية المؤامرة لا ينبغي أن تشل تفكيرنا وتحجب أبصارنا عن الحقائق التاريخية والموضوعية وعن إجراء مراجعات فكرية شجاعة وجريئة تعزز الثقة بين الشيعة والسنة.

لذا نرى أن من أهم أسس التقريب بين السنة والشيعة الوعي المتبادل بضرورة التقارب ووجوبه شرعا ومصلحة، ولئن كانت الأمة في ما مضى من تاريخها استطاعت الحفاظ على وجودها في حده الأدنى فهي الآن مهددة في هويتها وذاتها، لذا فإن المدخل الحقيقي لأي تقارب شيعي سني في أفق وحدة كاملة هو الوعي الكامل بأن مسألة الوحدة هي اختيار استراتيجي لحفظ أمن الأمة ووجودها ومستقبل أجيالها. وهذه مسؤولية العلماء والمثقفين والنخب السياسية والفكرية التي ينبغي أن تخرج بالأمة من قيعان (التركة المسمومة) وأن تتخلص من سطوة الجماهير وضغط الشارع العام بمخزونه العاطفي وأن تسعى لتوجيهه التوجيه السليم من غضبية وكراهية نحو عموم أهل السنة إلى غضبية على الظلم ورأسه ما فعله بنو أمية من جرائم في حق الأمة، لعل أفجعها رمزيا هو قتل سيدنا الحسين، لكن أخطرها عمليا هو تحويل النظام السياسي والاجتماعي للأمة من نظام قائم على العدل والشورى ووحدة الأمة إلى نظام استبدادي كان السنة أول وأكبر ضحاياه.

وفي المقابل، على أهل السنة، الذين انسلكوا في “دين الانقياد” للحاكم كما سماه المؤرخ ابن خلدون كيفما كان نوعه -طوعا أو كرها- أن يتفهموا الظروف التاريخية التي شكلت العقل الشيعي عقديا وفقهيا وسياسيا، ويلتمسوا الأعذار لإخوانهم الشيعة. فأجواء السرية والانكفاء على الذات، الاختياري طورا والاضطراري طورا آخر، التي عاشها الشيعة تاريخيا منذ قرون وتعرضوا خلالها لشتى أشكال الاضطهاد والجور، كانت بيئة مناسبة لتشكل العديد من العقائد والتصورات المنحرفة الضالة عند الشيعة، كما أنها خلفت عاهات نفسية مستديمة عند جمهورهم غذتها قوة الشحن العاطفي (المناحات، مجالس العزاء، احتفالات عاشوراء) تصب جميعها في اتجاه رفض أهل السنة ورموزهم. فنتج عن كل ذلك نوع من العصبية المقيتة، التي أجهضت كل الفرص في التقارب، تقارب لن يكون إلا بالحوار الجدي المسؤول والواضح بين علماء الأمة بشقيها، فجلسات ومؤتمرات العلاقات العامة التي تعقد هنا وهناك تتبادل فيها عبارات المديح والمجاملة والأحضان والعناق بدون خطوات عملية للتقارب لن تجدي نفعا أبدا.

ومن أول الخطوات التي تقتضي “المصارحة القاسية” بين الطرفين: الاتفاق على مرجعية تاريخية موحدة برجالها وأعلامها ووقائعها. تكون أرضية لبلورة مشروع تربوي ثقافي جامع على المدى البعيد يستهدف الأجيال القادمة بتبادل مراكز البحث والجامعات والحوزات والزيارات العلمية لأن من شأن ذلك أن يساهم في بناء جسور الثقة بين السنة والشيعة من جهة ويساهم أيضا في محو أمية وجهل كل طرف بالطرف الآخر. فبعض أهل السنة لا يميزون بين الشيعي والشيوعي، وإن ميزوا فالشيعة عندهم كفار بإطلاق، مع أن علماء السنة المتزنين لم يقولوا بهذا؛ فالأزهر مثلا اعتبر الجعفرية والزيدية مذاهب إسلامية كالمذاهب الأربعة مند سنة 1960، والعكس صحيح فأغلب أهل السنة عند بعض الشيعة وهابية ضالون.

وفي هذا الإطار تقع على الدولة في إيران الآن مسؤولية تاريخية جسيمة باعتبارها قطب الشيعة في العالم -تاريخا ونموذجا- خاصة بعد ثورة 1979، تتمثل في أخد المبادرة لتطوير آليات التقارب السني/الشيعي، فإيران كيان سياسي يملك سلطة القرار، فقراره وإرادته داخليا حرة رغم الإكراهات الدولية والإقليمية، وإيران الآن دولة قوية موحدة وليست كباقي العالم الإسلامي السني المشتت سياسيا واقتصاديا وحتى مذهبيا وتابع في أغلبه لقوى خارجية، مما يجعل قرار التقارب صعبا إن لم نقل مستحيلا، فحتى السعودية التي تحاول أن تقدم نفسها كقطب للسنة وحامية لهم في العالم بما تملكه من قوة مادية، وما تملكه من رمزية خدمة البقاع المقدسة لا تحظى بإجماع في العالم السني لاعتبارات مذهبية وفقهية، أما إيران التي نجحت في أن تكون دولة وازنة في المنطقة على المستوى السياسي والدبلوماسي، وأيضا العسكري، إن لم تستطع الخروج من النظرة المذهبية الضيقة الموروثة والعصبية المسيطرة لقرون طويلة، ولم تتوقف عن أحلام تصدير الثورة وأحلام نشر المذهب الشيعي في العالم السني، لن تكون على الموعد ولن تكون في مستوى التحدي العالمي الذي يهدد العالم الإسلامي برمته، وإيران إن لم تستطع بجهود عقلائها ومتنوريها أن تتخلص من الطائفية الجماهيرية ونشوة الاستعلاء التي قد تخامر قادتها بسبب انتصارات نموذجها الداخلي (بعد نجاح ثورة الإمام الخميني) ونموذجها الخارجي (بعد انتصارات حزب الله)، أن توجه شارعها الشيعي لخدمة قضية توحيد الأمة تكون قد خسرت معركتها التاريخية مع العدوان الخارجي.