تحتفل دول العالم المحترمة، يوم الجمعة 10 دجنبر 2010، بالذكرى 62 للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، وهي تجرُّ معها تاريخا من الإنجاز الحقوقي والتأسيس القانوني والإحكام السياسي والبناء الحضاري، خادمة للإنسان، الذي من أجله خلق الكون ووجدت الأشياء، مكرمة لآدميته، ومحترمة لذاته وعقله، لأنه هو محور البرامج والمشاريع والخطط.

في العقود الستة التي تفصلنا عن اتفاق العالم على هذا الإعلان، يوم 10 دجنبر 1948، تطورت منظومة حقوق الإنسان، وصادقت العديد من الدول على كثير من القوانين والاتفاقيات والبروتوكولات، وأخضعت سلوك نظمها الحاكمة وسلطها السياسية لمبادئ الحق والقانون والحرية والديمقراطية، ودقَّق المعنيون بثقافة وفلسفة “حق الإنسان” في هذه الحقوق فجعلوا منها السياسية والمدنية والثقافية والاجتماعية، وخصصوا شرائح بقوانين خاصة كالمرأة والطفل والأسير…

وبغض النظر عن الملاحظات التي يمكن أن نسجِّلها، تحفُّظا أو تصويبا، على بعض هذه الحقوق التي صاغها بالأساس العقل الغربي المحكوم برؤية مادية للحياة والإنسان، فإن الترسانة الحقوقية الموجودة اليوم تشكل، في عمومها، أساسا متينا لصون حقوق الأفراد والجماعات من استبداد وتسلط الدول والمجموعات والشخصيات النافذة. وفي الوقت الذي سارت فيه دول في هذا المضمار وخاضته بقوة ثقافة وقانونا وسياسية وسلوكا، حافظت أخرى على شرودها وتخلفها وتخبطها وتراجعها وسواد صفحتها في سجل حقوق الإنسان.

المغرب، مع الأسف، واحد من هذه الدول الخارجة عن التغطية الحقوقية، وهذه أربع مؤشرات تعيش البلاد على إيقاعها في الآونة الأخيرة تؤكد ذلك:

* في الوقت الذي يخلد فيه العالم الذكرى الثانية والستين للإعلان العالمي لحقوق الإنسان، تنطلق بالدار البيضاء محاكمة مجموعة من المواطنين (10 من الدار البيضاء والمحمدية) شاركوا في وقفات احتجاجية، نظمها سكان الحي الصفيحي بالهراويين ومبروكة بمقاطعة سيدي عثمان وفي الطريق السيار بالمحمدية، للمطالبة بإيجاد حلول عاجلة وفك الحصار الذي ضربته السيول الجارفة جراء التساقطات المطرية التي أغرقت المغرب.

لم تكتف الجهات الرسمية بخرق حق أساسي من حقوق الإنسان وهو حرمانه من الحياة الكريمة وتوفير الظروف الملائمة للعيش من بنى تحتية وسكن لائق، بل جمعت إلى خطيئتها الاجتماعية كبيرة حقوقية ضاربة الحق في الاحتجاج والتظاهر. فلا حق للمواطنين في العيش الكريم، ولا احتجاج للمغاربة على فساد السلطة. فساد واستبداد!!!

* وفي الوقت الذي تكرم فيه دولُ الحرياتِ وفصلِ السلطِ الصحافةَ وتتعامل معها كسلطة مضادة ورقيبة ومؤثرة في الرأي العام، تتعامل دولتنا العتيقة مع الصحافة بالزيف والسيف، فإما جرائد تابعة للسلطة خادمة لجهاتها النافذة ومنابر تحت الطلب وأقلام لتبييض صفحة النظام، وإما محاكمات واستنطاقات وحرب إعلامية على أعمدة الصحف وقضائية في ساحة المحاكم جعلت “منظمة مراسلون بلا حدود” تضع المغرب في الرتبة 135 من بين 175 دولة في التصنيف العالمي لحرية الصحافة خلال 2010، لتتراجع البلاد ب 8 مراتب عن السنة الماضية. وهو ما دعا أيضا “لجنة حماية الصحفيين” إلى أن تكرر في أكتوبر الماضي ما قالته في مارس السابق مطالبتها بـ”إجراء تغيير سياسي ينهي استخدام القضاء لتصفية الحسابات مع الصحفيين الناقدين”. وهو ما دفع أيضا كلاًّ من “منظمة حريات الإعلام والتعبير” و”الجمعية المغربية لحقوق الإنسان” الشهر الماضي إلى تنظيم وقفة احتجاجية أمام مقر البرلمان احتجاجا على ما أسمياه “تراجعات خطيرة” تم تسجيلها خلال سنة 2010.

* وفي الوقت الذي تحترم الدول الديمقراطية العاملين في الحقل العام والمشتغلين في ميدان السياسة وإن باينوا رؤيتها، تستمر معاناة المعتقلين السياسيين الستة في السجن بعد قرابة ثلاث سنوات على الاعتقال؛ قادة سياسيون تدفعهم الرغبة في العمل السياسي وفق آليات العمل المدني السلمي، ومع ذلك تُصاغ ضدهم التهم وتقضي فيهم السلطة التنفيذية الحكم قبل التئام القضاء، ويُحل حزب بعد أن مُنع آخر من حقه القانوني، وتَصدر الأحكام القاسية بعشر 10 سنوات سجنا نافذة في جُلّهم، فيقدم بعض المعتقلين أجسادهم للموت -في إضراب مفتوح عن الطعام- لانتزاع الحق في الوجود التنظيمي والسياسي، وترابط العائلات في شوارع الرباط ومؤسساتها المعنية احتجاجا وسؤالا عن المصير وسط معاناة إنسانية لا توصف.

لمصلحة من يرسم هذا المشهد المؤلم في دولة تدعي، صباح مساء، الحقوق والحريات والديمقراطية؟!

* وفي الوقت الذي تحتضن فيه الدول المحترمة المعارضات الحقيقية إثراءً للفعل السياسي والطرح المجتمعي، يشن النظام السياسي المغربي حربا شعواء على جماعة العدل والإحسان لأنها تطالب بحكم عادل شوري ومؤسسات ديمقراطية حرة، ولأنها تريد عيشا كريما يصون الكرامة ويضمن الحق وتعليما هادفا يرسخ القيم والأخلاق والمعرفة (التربية والتعليم حقا) وثقافة جادة توازن بين حق الفرد وواجب الجماعة ورسالة الأمة ووظيفة الدولة وعمارة الدنيا ومصير الآخرة.

ولأن دولتنا تريدها تسلطا في الحكم وفردانية مستعلية في القرار وبقرة حلوبا في الثروة واستشراءً منظما في الفساد وذوقا هابطا في الثقافة وتسيبا مائعا في الأخلاق وانحدارا متواصلا في التعليم، فإنها تحارب “المشروع المضاد” وتكيد له ليل نهار وتختلق لقادته وحامليه وأعضائه وأنصاره التهم والملفات والمحاكمات. فبعد ثلاثة أيام من يوم احتفاء العالم بحقوق الإنسان سيمثل ثمانية مواطنين مغاربة قياديين في جماعة العدل والإحسان في جلسة ثالثة أمام محكمة الاستئناف، وفي نفس اليوم سيقدم الأستاذ منير الركراكي عضو مجلس الإرشاد أمام الابتدائية، في ملفين مترابطين حرَّكهما جهاز استخبارات ومؤسسات دولة تواصل “معركة الاستنزاف” ضد العدل والإحسان ومشروعها وقياداتها.

تلك بعض المؤشرات، ليس إلا، على الوضع الحقوقي المتردّي في مغرب “العهد الجديد”، وهي مؤشرات جزئية ضمن مسار تراجعي، لو رصدناه معطياتٍ وأرقاماً ومؤشراتٍ وتحليلاتٍ لما كفتنا الصفحة والصفحات، ولاحْتَجنا لسجل وسجلات لتوثيق أنه: في العاشر من دجنبر 2010 ما يزال المغرب خارج التغطية الحقوقية بعد أزيد من ستين سنة على الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.