يكتشف القارئ لسيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم دروسا وعبرا ودلالات غزيرة من حدث الهجرة إن تَفَكَّرَ في دوافعها ودلالة اختيار توقيتها وحصيلة نتائجها وموقعها في تاريخ رسالته صلى الله عليه وسلم.

لقد هاجر صلى الله عليه وسلم ابتغاء مرضاة الله تعالى ونشرا لدعوة الله في أرض الله بما آتاه الله، لا خوفا من الناس، ولا يأسا من التبليغ، خاصة بعدما تعرض، عليه الصلاة والسلام، لمختلف فنون المساومة والمداهنة، فضلا عن التخويف والتجويع والحصار، وهو محتسب صابر موقن بالفتح والنصر والتمكين. لكنه، صلى الله عليه وسلم، لم يهاجر إلا بعد أن أذن الله له بالهجرة، ورأى في منامه أنه سيخرج من مكة، وقالها لصحابته: “لقد أخبرت بدار هجرتكم وهي يثرب”، فاستبشروا بها خيرا وشمروا لإعداد العدة والخطة، آخذين بالأسباب ومتوكلين على رب الأسباب، وهم على ذلك صامدون غير مستعجلين.

نقل الحافظ ابن حجر عن القاضي عياض أن العلماء اتفقوا على أن الهجرة من مكة كانت واجبة على المسلمين قبل الفتح. وأن سكنى المدينة كانت واجبة عليهم لنصرة النبي صلى الله عليه وسلم ومواساته بالنفس.

وهكذا يجب على المؤمنين، من كان منهم صادقا لا تنكسر عزماته أمام التهديدات والمخاوف، أن ينضم إلى إخوته لينصرهم في جهادهم ويواسيهم بنفسه. كانت الهجرة على عهد النبي صلى الله عليه وسلم حركة من مكان إلى مكان، ألزمتها ضرورة التجمع لمواجهة العدو وحماية بيضة الإسلام، أي عاصمته ومقر إمارته. وتبدو الهجرة في زماننا حركة قلبية تنقل العبد من الغفلة إلى اليقظة، ومن العادة إلى العبادة؛ روى الإمام مسلم عن معقل بن يسار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “العبادة في الهرج كهجرة إلي”“.

الهرج القتل بغير حق، والفتنة أشد من القتل. والمعنى أن الصادق، عندما يكذب الناس، والمستميت على دينه، عندما يُفْتَنُ المؤمنون ويُقتلون، في درجة المهاجرين.