المبحث الثاني: السياق الداخلي للقانون 01.00

عرف عقد تسعينات القرن الماضي خطابا سياسيا مشابها لما عرفه عقد السبعينات، وبالتحديد في فترة ظهور ظهير 25 فبراير 1975، وكأن الإصلاح التعليمي بصفة عامة، وإصلاح التعليم العالي بصفة خاصة، لا يمكن خوضه إلا في ظل توافقات سياسية.

ومع ذلك فإن الجديد في عقد التسعينات من القرن الماضي تمثل في تعميق سياسة التوافق بشكل لم يتأت للتجربة السابقة، حيث شكل الوضع العام الذي عرفه المغرب، سواء على المستوى السياسي أو الاقتصادي أو الاجتماعي، أهم آلية للتعبئة من أجل التأسيس لما سمي بتجربة “التناوب التوافقي”. وقد كان لكل ذلك أثره الواضح على “إصلاح التعليم العالي”، انطلاقا من الميثاق الوطني للتربية والتكوين، الذي شكل السياق الخاص والمرجعية الأساس للقانون 01.00.

المطلب الأول: السياق الداخلي العام للقانون 01.00

تبلور “الإصلاح الجديد للتعليم العالي” في ظل وضعية عامة، لها وجهها السياسي، كما لها وَجْهَاهَا الاقتصادي والاجتماعي.

الفقرة الأولى: الظرفية السياسية

عرف الحقل السياسي المغربي مع مطلع تسعينات القرن الماضي تداول عدة مفاهيم، لا تخلو من اجترار الماضي وإعادته، كما أشرنا سابقا، لكنها في نفس الآن حبلى باحتمالات “التغيير المأمول”، منها: “التناوب”، “التراضي”، “التوافق”، “التناوب التوافقي”، “حكومة التغيير”…

ففي الذكرى الثامنة عشرة للمسيرة الخضراء بتاريخ 6 نونبر 1993 طلب الملك الراحل من أحزاب الكتلة الوطنية المشاركة في الحكومة، والحلول محل أحزاب “اليمين” التي شاركت في مختلف الحكومات المغربية منذ ما يقرب من أربعين سنة. يقول الحسن الثاني: الديمقراطية المجدية والنافعة، هي التي تعمل كالميزان… كما قلت شعبي العزيز اشتد شوقي وتطلعي إلى التجديد وإلى التغيير، قلت هذه فرصة لعصر التداول، فاستدعيت الأحزاب السياسية وعلى رأسها المجموعة التي كانت في المعارضة… وطرحت عليها أن تشارك في الحكومة…) 1 . بل إن الملك الراحل كان له تصور كامل حول كيفية مشاركة المعارضة في الحكومة، فالتناوب لا يعني أبدا أن تنفرد “المجموعة” التي كانت في المعارضة بالحكومة، ولكن لابد لها من حليف يعدل الكفة، خاصة والتجربة في بدايتها، والثقة ليست تامة. يقول الحسن الثاني: قررنا أن نختار الوزير الأول من المجموعات المكونة من المعارضة القديمة ومن ائتلف معها حتى يمكنها أن تقوم بالتناوب كما يجب…) 2 .

وأمام الشروط التي وضعتها أحزاب الكتلة للمشاركة في الحكومة، والتي تتمثل أساسا في إلغاء نتائج الانتخابات التشريعية غير المباشرة ليونيو 1992، وإقالة وزير الداخلية آنذاك إدريس البصري من الحكومة، تم العدول عن فكرة التناوب عبر بلاغ صادر عن الديوان الملكي بتاريخ 11 يناير 1995، غير أن أسباب الأمل في إقامة حكومة تناوب تظل واردة ومرغوب فيها) 3 .

وبالفعل ظهرت بوادر تحقيق ذلك “الأمل” مع شبه الإجماع الذي حظي به التعديل الدستوري ليوم 13 شتنبر 1996، وطرح الملك من جديد ضرورة التوافق والتراضي في خطابه أمام مجلس النواب 4 ، وتأكد ذلك بشكل قاطع عند التوقيع على “ميثاق الشرف” يوم 18 فبراير 1997 بين مختلف الأحزاب السياسية الممثلة في البرلمان والدولة في شخص وزير الداخلية! لتعرف سنة 1997 انتخابات محلية في 13 يونيو وأخرى تشريعية في 14 نونبر، إلا أنه رغم توفر أربع “ضمانات” لهذه الانتخابات: “ضمانة سياسية” تتمثل في تعهد الملك الراحل بضمان نزاهة الانتخابات 5 ، و”ضمانة أخلاقية” تتمثل في التوقيع على ميثاق الشرف 6 ، و”ضمانة قانونية” تتمثل في مدونة الانتخابات التي صوت عليها مجلس النواب، و”ضمانة مالية” تتمثل في المنح المالية الهامة التي قدمتها الدولة للأحزاب من أجل القيام بحملاتها الانتخابية- رغم توفر كل هذا- فإن انتخابات سنة 1997 عرفت ضعفا ملحوظا في المشاركة، كما عرفت تزويرا مفضوحا، كان موضوع انتقاد شديد من طرف إعلام الكتلة!

ورغم تبخر الآمال المعلقة على الانتخابات فإن أحزاب الكتلة قررت المضي في الاستجابة للإرادة الملكية في تحقيق ذلك التراضي، وصناعة ذلك التوافق. يقول الملك الراحل: إن التراضي يمكننا من الوصول إلى ما نتمناه) 7 . وسيتأكد فيما بعد أن المتمنيات لم تنحصر في الاستجابة للضغوط الدولية، ولا في تشكيل تعبئة عامة لتجاوز الأزمة الشاملة، وإنما تجاوزت ذلك لتشمل ضمان انتقال سلس للمُلْك من الملك إلى ابنه. في هذا السياق سيتم تعيين السيد عبد الرحمن اليوسفي وزيرا أول، وسيقترح هذا الأخير لائحة للوزراء على الملك لتشكيل الحكومة 8 .

وحسب بعض التحليلات السياسية فإن قبول أحزاب الكتلة بالتناوب على الحكم في غياب تحقيق تلك الشروط التي اشترطتها سنة 1993 له عدة مبررات؛ ففي الوقت الذي ذهب بعض المحللين إلى تحديد السبب في المصلحة الوطنية، التي اقتضت المشاركة في الحكومة، من أجل إنقاذ البلاد من الأزمة الخانقة، التي بدت بشكل واضح من خلال تقرير البنك الدولي لسنة 1995 9 . ذهب آخرون إلى أن القبول بالتناوب كان من أجل تجاوز الأزمة الذاتية التي كانت تتخبط فيها أحزاب الكتلة، خاصة بعد التنامي الملحوظ للحركة الإسلامية 10 .

لقد تميزت حكومة السيد اليوسفي ببعض المميزات 11 ، إلا أن ذلك لم يكن كافيا لتحقيق ما علق عليها من آمال. فحصيلة عمل حكومة “التناوب التوافقي” كانت متواضعة بالمقارنة مع شعارات فترة المعارضة. ثم إن الملفات الهامة؛ كملف التعليم مثلا، ظلت بيد المؤسسة الملكية.

إن هذا المخاض الذي شهده المشهد السياسي خلال عقد تسعينات القرن الماضي، يعد في اعتقادنا أحد أهم الأسباب التي أفرغت تلك المشاريع المتعددة لإصلاح التعليم العالي من الصفة القانونية الملزمة. فقانون التعليم العالي رغم ضرورته الملحة، لم يكن بالإمكان إقراره في غياب توافق سياسي، يكون بمثابة التزام مسبق يجنب المبادرة الملكية في إصلاح التعليم أية معارضة محتملة. إنها الاستفادة من نصيحة البنك الدولي وليست شيئا آخر. كما أن إصلاحا للتعليم العالي في إطار تجربة سياسية- “التناوب التوافقي”- مشوبة بالعديد من العيوب على مستوى بلورتها وصيرورتها ومآلها، لا مندوحة ستشوبه هو الآخر العديد من النقائص والاختلالات…

ومن أهم ما ميز سنة 1999 تولي الملك محمد السادس العرش. وقد اعتبرت الشروط التي

مرت فيها البيعة الجديدة، بمثابة عنصر دال على استمرار التوافق بين المؤسسة الملكية والأحزاب. وتأكد ذلك من خلال التنويه المتكرر للملك بالسيد اليوسفي، كما أن هذا الأخير أبدى كامل استعداده للتعاون مع الملك الشاب. وبدأت بعض الأوساط السياسية والإعلامية تتحدث عن “عهد جديد” بالمغرب انطلاقا من بعض الإشارات الملكية من مثل إقالة السيد إدريس البصري، والسماح للسيد إبراهام السرفاتي بالعودة إلى أرض الوطن، وتغيير العديد من الولاة والعمال…

أما في المجال التعليمي فقد زكى الملك الميثاق الوطني للتربية والتكوين عبر خطاب له بمجلس النواب في 10 أكتوبر 1999، كما أعلن في أول خطاب للعرش أن العشرية الأولى من الألفية الثالثة ستخصص للتربية والتكوين.

فـ”العهد الجديد” إذن ما هو إلا استمرار للتوافق السياسي العام، واستمرار للتوافق بشأن ملف التعليم. لكن يا ترى إذا كان السياق السياسي للقانون 01.00 شبيه في بعض جوانبه بالسياق السياسي لظهير 25 فبراير 1975، فهل الوضعية الاقتصادية والاجتماعية هي الأخرى شبيهة بما عرفه المغرب في عقد السبعينات؟


[1] خطاب ملكي نشرته مجموعة من الجرائد يومي 7 و8 نونبر 1993.\
[2] خطاب الملك إثر افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الثانية للولاية التشريعية الخامسة في أكتوبر من سنة 1993.\
[3] التقرير الاستراتيجي للمغرب (1998-1999)، إنجاز مركز الدراسات والأبحاث في العلوم الاجتماعية (CRESS (1999.\
[4] في الخطاب الملكي أمام مجلس النواب يوم الجمعة 11 أكتوبر 1996.\
[5] جاء في نفس الخطاب الملكي السابق: “سأضع ثقلي الشخصي وهيبتي الشخصية وصلاحياتي الدستورية، لتمر جميع الانتخابات المتوالية في هذا البلد على أحسن ما يكون، في جو من الاستقامة والشفافية والنـزاهة”.\
[6] تم التوقيع على ميثاق الشرف أو التصريح المشترك بين السلطات العمومية والأحزاب السياسية، بما فيها أحزاب المعارضة وذلك بتاريخ 20 شوال 1417 الموافق لـ28 فبراير 1997.\
[7] الخطاب الملكي ليوم 11 أكتوبر 1996 (سبقت الإشارة إليه).\
[8] عَرض الوزير الأول لائحة الوزراء على الملك يوم 13 مارس 1998.\
[9] سبقت الإشارة إليه في المبحث الأول من هذا الفصل.\
[10] كان أبرز مظهر لهذا التنامي داخل الجامعة قيادة الإسلاميين خاصة فصيل طلبة العدل والإحسان للاتحاد الوطني لطلبة المغرب منذ بداية التسعينات.\
[11] منها: أنه لأول مرة يكون الوزير الأول هو زعيم الحزب الفائز بأكبر عدد من المقاعد في الانتخابات التشريعية، وستعرف نسبة التغير الوزاري ارتفاعا ملحوظا، إذ ستصل لأول مرة إلى 82,93%، وعرف عدد الأساتذة الجامعيين داخل الحكومة تزايدا ملحوظا حيث بلغ نسبة 65,85%.\