حاول المخزن جاهدا أن ينفي عنه صفة الاستبداد والديكتاتورية، مستفيدا من خبرة خبرائه ومهندسيه فصنع لذلك استراتيجية مندمجة في قلب الحقائق وتزوير التاريخ، فكان تأسيس الإنصاف والمصالحة، وتدشين خطاب العهد الجديد والمفهوم الجديد للسلطة، كل ذلك بطبيعة الحال باتساق مع عقد صفقات في الداخل والخارج حول الانتقال الديمقراطي وبناء دولة الحق والقانون كما يراها “الحداثيون الجدد”، فأتخم الوطن بعناوين كبيرة جدا كالقطع مع الماضي وطي صفحات سنوات الرصاص، لكن ما الذي يبرر الاختطاف والتعذيب في الزمن السياسي الراهن المسمى عهدا جديدا كذبا وزورا؟

لاشيء يبرر طيران حوالي 70 فردا من البوليس، يوم 28 يونيو 2010 من البيضاء إلى فاس، مدججين بالمسدسات المحشوة والعقول المسكونة بتعليمات جهنمية مضمونها ممارسة السادية بكل معانيها وإمعان الدولة المخزنية في ممارسة الظلم على العباد، ففي فجر ذلك اليوم الذي سيظل محفورا في الذاكرة الجمعية لآباء وأمهات وأبناء عزل عاشوا لحظات الاختطاف بكل تفاصيلها بدءً من تسلق السطوح وكسر الأبواب وتعنيف الآباء وإشهار المسدسات وترويع البيوت والسب والشتم والبذاءة وفحش الكلام وهلم جرا من قاموس الجبر والرصاص، لينكل بخيرة أبناء هذا البلد الحبيب وذنبهم الوحيد الانتماء لجماعة معارضة للنظام السياسي المغربي.

وهناك في مخافر الشرطة القضائية بالبيضاء، ذاق المختطفون كل ألوان التعذيب لانتزاع اعترافات حول وشاية كاذبة بطلها محام كان مندسا في صفوف الجماعة بغرض التجسس، لكن ثبات المختطفين، ونفيهم لكل المنسوب إليهم جعل الملف محيرا لأجهزة الأمن التي حركت الملف بناءً على كذبة بلقاء.

لقد أضحى واضحا الآن أن الدافع وراء اختطاف القياديين السبعة لجماعة العدل والإحسان، ليس الشكاية التي قدمها بطل هذه المسرحية يزعم فيها احتجازه وتعذيبه، ولكن مجريات هذه القضية وبعض حيثياتها تؤكد أن السبب الرئيسي هو السعار الذي لفح أجندة استئصاليه نافذة ومتحكمة في مراكز القرار السياسي لنظام طبعه الاستبداد كما يشهد عليه تاريخه وسلوكه.

نفهم ذلك لما نجد الدولة انجرت، أو هناك من داخلها جهاز أو تيار لمصلحة ما خاصة والتي بالأكيد ليست هي مصلحة البلد، وراء ما اختلقه المحامي/الجاسوس الذي صنع فيلما مفبركا يدعي فيه أن المختطفين السبعة أسمعوه مكالمات مسجلة ملتقطة على هاتفه وهو يتصل مع جهاز المخابرات الشيء الذي أدى إلى اعتقال الأخ بقلول المهندس باتصالات المغرب وإدخاله على الخط.

هذه الحكاية العجيبة هي التي كانت وراء هذه المنزلقات الخطيرة مما جعل الملف يأخذ مسارا آخر، فإلى جانب الفشل الاستخباراتي الذي منيت به الأجهزة الأمنية بعد اكتشاف أمر المحامي، الذي سيحاول أن يظهر لمشغليه وفاءه وخبرته وحنكته، مضخما التقارير التي يرفعها إلى أسياده، كما صرح في خضم هذا الملف بأنه يمتلك حقائق عن الجماعة سيفجرها في وقتها المناسب، متحدثا عن حماس وخالد مشعل ولقاء سوريا…

إن تعقيد الملف برواية مختلقة لمحام مسكين يريد أن ينجو بفضيحته جعل ملف فاس يأخذ كل هذه المنحنيات التي تؤشر عليها مجريات وأطوار المسطرة المعتمدة في هذا الملف بدءً من الاختطاف مرورا بنكت قاضي التحقيق وانتهاء بكبرياء دولة تملك العتاد لعسكرة المحاكم وتطويق الشوارع أثناء المحاكمات.

إن الدولة المغربية بارتكابها لهذه الخروقات ودعمها لهذا المخطط تكون قد ارتكبت جريمة منظمة في حق مواطنين مسالمين، فالاختطاف المصحوب بالعنف يعتبر في قواعد القانون الدولي جريمة منظمة تنحو منحى الجرائم ضد الإنسانية، علما أن هذا الملف عار من كل دليل يجعل هؤلاء الرجال في دائرة الاتهام مما يطرح معه سؤال جوهري ما الذي ستستفيده الدولة من وراء هذا الملف بعد تجربة المعتقلين الإثني عشر سوى اغتصاب حرية أشاوس وحرمان عائلات من دفئ الأسرة وحنان الأب والأخ والولد وتلطيخ سمعة البلد.

اليوم ووسط إجماع الطيف الحقوقي حول الملف والتفاف خيرة المدافعين عن حقوق الإنسان والحريات بالمغرب في لجنة للدفاع عن هؤلاء الأبرياء الشرفاء، هل ستكون الدولة المغربية في موعد إصلاح القضاء وتقريبه من المواطن بالحكم بالعدل والقسط، بإطلاق سراح هؤلاء الرجال الأبرياء والضرب على يد الجلادين؟