تحل، اليوم الخميس، الذكرى الثانية لرحيل الأستاذ محمد العلوي السليماني عضو مجلس إرشاد جماعة العدل والإحسان. وهي مناسبة لاستذكار سيرة هذا الرجل القدوة والاقتباس من جذوة حياته وعطائه وأياديه البيضاء عساها تكون مشعلا ونبراسا للسالكين درب الدعوة.

شريف النَّسَبَيْن ومُعَلِّمُ الْجِيلين

ولد الأستاذ محمد العلوي السليماني بحاضرة المرابطين، مراكش، عام 1931، وفيها نشأ وترعرع. ولئن كان نسبه الشريف إلى جده الأعظم، سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، يلتقي بالأسرة الحاكمة عند المولى سليمان، السلطان العلوي المعروف، فإنه اختار شرف الانتساب إلى المستضعفين الممنون عليهم بالإمامة والوراثة، الموعودين بالنصر والفتح والتمكين في الأرض. ولئنْ “كاد المعلم أن يكون رسولا” كما قال شوقي، فإن الراحل، رحمه الله، كان له نصيب وافر من وراثة الرسالة في وظيفته بسلك التعليم على مدى أربعين عاما، وكان له نصيب أوفر في سلك الدعوة إلى الله بما كان له فيها من أيادٍ بيضاء صحبة الأستاذ عبد السلام ياسين مرشد جماعة العدل والإحسان.

فأما سلك التعليم فقد عمل فيه على مدى سنوات معلما مربيا، وعلى مدى ما يقرب من ثمانية وعشرين عاما مديرا لمدرسة الإمام الجزولي بمراكش إلى أن أحيل إلى التقاعد عام 1991.

وأما سِلْكُ الدعوة فقد سلك فيه لأول الأمر صاحبا متتلمذا على يد الأستاذ المرشد، خاصة بعد عام 1972، ونصيرا مؤيدا كَلَّفَتْهُ نصرته إياه، إلى جانب رفيقه الأستاذ أحمد الملاخ، خمسة عشر شهرا في زنازين معتقل درب مولاي الشريف الرهيب بالبيضاء من غير محاكمة، ابتداء من عام 1974، لمساهمتهما في نشر نصيحة “الإسلام أو الطوفان” التي وجهها الأستاذ عبد السلام ياسين إلى الملك الحسن الثاني، واستأنف العمل الدعوي، بعد السراح، مبشرا بالحركة الوليدة، داعيا لغاياتها، مساهما في بناء صرحها، عضوا من أعضاء مجلس إرشادها.

المحنةُ الممتحِنة

ويكتب الله تعالى للرجل العودة إلى الزنازين عام 1990 صحبة أعضاء مجلس إرشاد الجماعة كأن جدران السجن اشتاقت إلى ترانيمه في جوف الليل بين يدي الله تهجدا واستغفارا وتسبيحا وترتيلا وتَقَلُّبًا في الساجدين البكائين بين يدي الله.

ويفتح الله تعالى لعبده من فيضه ما يفتح، وأول ما يفتح له ثبات على الحق تزيده المحنة قوة ومضاء وعزما ويقينا لا يفتر ببلاء ولا يتزعزع بامتحان ولا يعمل فيه الجور عملَه فيمن وُكِلَ إلى نفسه.

يقول الأستاذ المرشد في الراحل رحمه الله: رزئنا برجل أي رجل، كان رجلا أي رجل… نسأل الله تعالى أن يتغمده برحمته وأن يلحقنا به مسلمين مقربين سابقين. نشهد أنه كان سباقا إلى الجماعة، إلى نصرة الحق يوم كان بعض الناس يخنسون ويترددون ويخشون من لا يخشى الله عز وجل).

يقول الأستاذ فتح الله أرسلان متصفحا صفحة كتاب الراحل الفقيد:

عندما نتحدث عن كرم الأستاذ محمد العلوي، من منا لم يره؟ إذا تكلمنا على رحمة سيدي العلوي، من منا لم تمسه هذه الرحمة؟ إذا تطرقنا إلى قوة وشجاعة وإباء الرجل، من منا لم يشهد مشاهد مع الأستاذ العلوي؟).

أما رفيق دربه وصاحبه الأستاذ أحمد الملاخ فيستعرض بعض مناقب الراحل:

جابر عثرات الكرام، لمست فيه هذا الجانب طوال معاشرتي له وهي طويلة وطويلة جدا، وعندما عاشرته في المحن إذ كنا نعيش في زنزانة طولها وعرضها متران (يقصد اعتقالهما في درب مولاي الشريف)، في هذه عرفني وعرفته وعرفت صبره وتجلده وحبه لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم. عرفته في زنزانة الاعتقال وعرفته في ساحة العمل الدؤوب المستمر وفي حرصه على إخوان وأخوات الجماعة).

ويقول الأستاذ عبد الله الشيباني، رفيق الراحل العظيم في زنازين سجن أولعلو بسلا على مدى عامين كاملين:

هناك (في السجن) خبرنا صبر شيخ أكبرنا سنا، مريض بشتى الأمراض، على قساوة برد مخافر الشرطة في مخفر سلا في شهر يناير 1990، حيث البرد القارس والقوت القليل لمدة 12 يوما. وبعد انتقالنا للسجن، خلال فترة “الضيافة”، خبرناه حيث الضيق والقلة في كل شيء؛ خبرناه في عفته وفي إيثاره لشاب آنذاك مثلي، بغطاء أو بيضة أو كسرة خبز أو مكان مريح. وجدنا فيه الصبر والاستبشار واليقين والثبات. كان الرجل رحمه الله يشكو من الربو، وكانت الزنزانة تزيده ضيقا، وكان يشكو من البرد في الساقين، وكانت أرض الزنزانة تضاعف برده أضعافا، فيضطر لمضاعفة السراويل والجوارب؛ فكان صبره بالنسبة لصبري مضاعفا أضعافا كثيرة. وفي تلكم الظروف كان يظهر ضعفي ولا يظهر ضعفه، وتبرز شكواي ولا تسمع شكواه.)

القدوة الثابت على المنهاج

وخرج الرجل من السجن بقوة ما زكَّى يقينه في المنهاج النبوي الذي نهجه هو وإخوته.

خرج والعادة هي العادة، بل العبادة هي العبادة، تَشَبُّثًا بمصدر القوة والغلبة على النفس في ذات الحق:

– ناشئةُ ليلٍ هي أشد وطأً وأقوم قيلاً.

– وصيامُ يوم طريقا لتطهير الروح في دنيا هائجة مائجة.

– وسبحٌ في النهار بين العباد تبشيرا لليائسين ودعوة للمعرضين وتواصلا في ذات الله وتنفيسا على المعسرين وتسلية (من السلوى) لمن تجهمت في وجهه الأيام.

– وروحٌ من أرواح الآخرة تسري في الدنيا بين المؤمنين تذكر بالله وباليوم الآخر حرصًا على آخرتهم.

يقول الأستاذ رشدي بويبري في الراحل رحمه الله:

كان بيته قبلة للمؤمنين والمؤمنات ومنارة للعلم والتربية وصرحا من صروح الجهاد. وقد أرخ هذا البيت الكريم لمحطات بارزة من تاريخ دعوة العدل والإحسان وجهادها… كان حاله الدائم أفصح بكثير من مقاله وهو الذي كان طويل الصمت عميق العِبرة وسريع العَبرة. لقد كان همه الذي تفطر له قلبه وشاب له رأسه: إنقاذ الذمم وإيقاظ الهمم لطلب أعز ما يطلب: رضا الله جل وعلا. لم يفتر طيلة سنين عديدة عن التذكير بضرورة الاستعداد للقاء الله عز وجل والعمل للآخرة. فقد كان هذا ديدنَه في كل مجلس ومنتدى مع كل من التقاه أو زاره أو جالسه أو صحبه…).

ويقول الأستاذ مبارك الموساوي في الراحل رحمه الله:

كان، رحمه الله تعالى ورضي عنه، يحرّض المؤمنين والمؤمنات على التّعلق الدّائم بالله تعالى والتقرّب إليه سبحانه بالاتِّباع الكامل لرسول الله صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم. وكان إذا قرئ القرآن بين يديه أو تلاه فاضت عيناه وبكى حتى تبتلّ لحيته، وإذا ذُكر رسول الله، صلّى الله عليه وعلى آله وسلّم، أو كلامُه بين يديه بكى بكاء شديدا…).

كان الأستاذ العلوي رحمه الله نفحة ونسمة زكية رقيقة تسري بين المؤمنين منهاجا نبويا عمليا حيًّا متحركا ترمقه العيون وتشعر به القلوب وتتحسسه الأيادي، وهو الآن، وبعْدُ إن شاء الله، ذكرى ومثال ودليل على نوع الرجال الذين تُخَرِّجُهُم مدرسة العدل والإحسان يمشون في الناس بالخير والحب والبذل والتواضع لله والتواصل بعباد الله. يصفه الدكتور محمد سلمي فيقول:

من العسير جدا حصر مناقب هذا الرجل، فما من خصلة من خصال الخير إلا وله منها النصيب الأوفر. كان قويا في صحبته، وفيا لجماعته، صادقا في طلب وجه ربه، ذاكرا لله في مختلف أحواله، باذلا غير بخيل، عالما ومعلما ومتعلما، عاملا بالليل والنهار، ذو سمت عز نظيره، نموذجا في تؤدته، قاصدا مقتصدا حسن التدبير، مجاهدا مقبلا غير مدبر مقداما لا يخاف في الله لومة لائم. جمع له الله من خصال المنهاج النبوي، ومن شعب الإيمان ما لا يجتمع سوى للأولياء الكُمَّل).

شهد كل الناس للراحل بحسن العشرة والصلة، ومنهم الأستاذ المهدي الدرقاوي جار الراحل قائلا: كان يعتني بأطفال هذا الحي عندما يمر وهو في طريقه إلى المسجد ويحتفي بهم، ويعتبرهم مستقبل هذه المدينة وهذا البلد. وكان يتفقد أحوال الجيران، يسأل عنك وعن أحوالك كلما غبت عنه، وكان يرعى حق الجوار).

هكذا كان سيدي محمد العلوي السليماني رحمه الله، إلى أن لقي الله تعالى يوم الثلاثاء 2 دجنبر 2008، وهكذا ينبغي أن نكون إلى أن نلحق به وبجده وإخوانه وصحبه صلى الله عليه وسلم: خَدَمًا لدعوة غايتُها أن نكون طلابَ آخرة فيما اليد تجري بالخير وتبني في دنيا الناس.