شهادة وشفاعة

عامان مضيا، كلمح البصر، على رحيل رجل من أهل العلم والتقوى عن دار الغرور، بعد حياة مثمرة في التربية والدعوة إلى الله والجهاد في سبيله؛ إنه الرجل المحب المحبوب الذي تربع في قلوب الجميع، الصغير والكبير، الشباب والشيوخ، النساء والرجال، الأبناء والآباء… لا يحب أضواء النهار، لكن تسطع من إشراقة وجهه أنوار تبصرها قلوب أهل الذكر والنصيحة. ذاك هو سيدي محمد العلوي السليماني رحمه الله تعالى.

لقد وجدت أن من الواجب علي، وعلى غيري ممن يستطيعون الكتابة، الإسهام ببيان فضل مثل هؤلاء الرجال على من التف حولهم خاصة، وعلى أبناء الأمة الإسلامية عامة، وإبراز دورهم في الحفاظ على هذه الأمة وأخلاقها ومثلها، علما أنني أضعف المحبين بيانا وأقلهم بلاغة، لكن حرقة الرجل على أن يبلغ هذا الأمر للناس أجمعين، جعلتني أجرؤ على أن أجر قلمي ليكتب ما يحس به قلبي.

كيف لا نصنع هذا ونحن نرى أناسا يطنطن لهم قبل وبعد موتهم وقد عملوا بدأب على الفتك بدين هذه الأمة وقيمها المثلى، وعلقوا الشباب بتفاهات الحياة وزخرفها، ونخروا في عظمهم حتى لا تبقى لهم قوة ولا مُثل يخدمون بها أمتهم، ويحافظون بها على مجدها ورفعتها!!

إنها شهادة لله ولرسوله، أدلي بها عسى أن تشفع لي يوم العرض على الله عز وجل.

سلوك مؤسس

الأستاذ محمد العلوي في رباط صيف 2004\

شهادة في حق رجل عشق الشهادة، أمضى حياته كلها لله، دعوة وتربية واحتضانا.

احتضن الشباب وعلق قلوبهم بما عند الله، بالدخول من الأبواب المشروعة،

بعد امتلاك مفاتيح القلب لفتح مغاليق العقل، واكتساب العلم النافع عبر:

1. باب الصحبة والجماعة: باب يدخل منه “صاحب الإرادة” الذي يرغب في أن:

– ينضج وعيه بوجوده،

– يعي انتمائه لأمة ذات رسالة،

– يتعلق قلبه بصاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم،

– ينخرط في محضن إيماني، محضن الجماعة المجاهدة. وهكذا يتخذ وجهته ليتكون في مدرسة الجهاد.

2. باب الذكر: باب يدخل منه “صاحب العزمة” على اكتساب مجموع خصال الإيمان بإتيان أنواع العبادات المشروعة التي توقظ روحانية العبد، ويعم عبيرها الجو الذي يتنفسه جند الله ليصلح المحل، وهو القلب والعقل، للتخلق بأخلاق الجندية، وللسلوك سلوكا جهاديا.

3. باب الصدق: باب يرشح منه “صاحب القوة” للبناء والإنجاز، لا بمجرد الكلام، فإنما الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل.

إنها الأبواب الرئيسية لاكتساب علم المنهاج النبوي والعمل بمقتضياته. تعلمه الراحل من رجل صادق، الأستاذ المرشد عبد السلام ياسين حفظه الله، حينما كان فردا ونقله نصيحة لملك المغرب ولعلماء المغرب، وطرق به الأبواب بيتا بيتا، إلى أن أودعه أمانة في يد شباب طاهر، شباب العدل والإحسان. فكان بحق “مدرسة وفاء”.

مدرسة وفاء

في عرف أهل التربية، يصطلح على “الرجل” ب”المدرسة” إن ترك علما ينتفع به، أو تجلت في سلوكه خصال تكون نبراسا لما بعده، وهديا يحتذى به في مجال معين.

رجال جماعة العدل والإحسان مدارس تمشي بين الناس. كل ومجموعه، أي رصيده الإيماني من شُعب الإيمان، لكن صحبة الفرد مع الجماعة تجعل الفرد بمجموعه ينصهر في الجماعة، ويصبح للفرد مجموع خصال الجماعة.

الأستاذ المجاهد محمد العلوي السليماني رحمه الله، عاش هذه الحقيقة مع صاحبيه، وذاق معانيها في المحن قبل المنح، وتجلت له رحمه الله فضائلها ونسماتها… وبقي وفيا لروح الصحبة والجماعة، فكان بحق “مدرسة وفاء”. هذا لمن أراد أن يفهم حقيقة شهادة الأستاذ المرشد فيه: رجل وأي رجل).

– صحبة التأسيس

الأستاذ المجاهد محمد العلوي السليماني، رحمه الله، “مدرسة وفاء” لأنه أول من لبى نداء الأستاذ المرشد، بل كان أول من رافقه في رحلته بحثا عن الملاذ الروحي، وشهد كتابة رسالة “الإسلام أو الطوفان” سنة 1974، ثم أسس معه جماعة العدل والإحسان، واستمر في البناء إلى أن انتقل إلى عفو الله سنة 2008.

– صحبة البناء

الأستاذ المجاهد محمد العلوي السليماني رحمه الله “مدرسة وفاء” لأنه كان يحتضن الشباب من دفئ المحضن الأسري -حضن الوالدين- إلى حرارة محضن الجماعة التي تنصهر فيها كل مقومات الرجولة الإيمانية لتخريج جند الله بعد اقتحام العقبات. مرتكزات توجيهاته الشريفة بنيت اتباعا على محبة الله ورسوله، التحاب في الله عز وجل، صحبة المومنين وإكرامهم، التأسي برسول الله صلى الله عليه وسلم في خلقه، التأسي به صلى الله عليه وسلم في بيته، الإحسان إلى الوالدين وذوي الرحم والصديق… كان رحمه الله ينتفض عند سماعه أن أحدا منا أغضب والديه.بل يصرح باللفظ الواضح أن الجماعة لا تقبل عاقا لوالديه. فمحضن الوالدين هو منبع الرجال.

الأستاذ المجاهد محمد العلوي السليماني رحمه الله “مدرسة وفاء” لأنه كان يحثنا على أن تكون مجالسنا مجالس نصيحة وأن تكون بيوتنا محاضن لتلاوة القرآن وذكر الله.

الأستاذ المجاهد محمد العلوي السليماني رحمه الله “مدرسة وفاء” لأنه كان يفرح عندما يعلم أن أحوالنا في جلواتنا هي نفس الأحوال في خلواتنا، وأننا نفزع إلى الصلاة في وقتها…

– صحبة الآخرة

في اللحظات الأخيرة، من حياة سيدي محمد العلوي السليماني، أردت أن يكون آخر صوت يسمعه الفقيد صوت الأستاذ المرشد حفظه الله. فكانت المهاتفة التاريخية للصاحب مع رفيقه بهدوء وثبات قائلا بكلمات تسيل رقة وحنانا ورضا بقدر الله سبحانه وتعالى: السلام عليك يا سيدي محمد العلوي، أودعك يا أخي وأقول لك لا إله إلا الله عليها نحيى وعليها نموت وفي سبيلها نجاهد وعليها نلقى الله، لا إله إلا الله محمد رسول الله، أنت الآن في ضيافة الرحمن، اثبت عند السؤال ولا يفتر لسانك عن ذكر الله).

كلمات خالدة تنطق برأس الحكمة في أشد المواقف حرجا، لا تخطر إلا ببال من رسخت أقدامهم في أرض العبودية لله عز وجل وظلت أعناقهم خاضعة لعزة الله عز وجل واثقة برحمته سبحانه وتعالى لعباده المقبلين على باب جنابه الذين نذروا حياتهم للشهادة بالقسط بين الناس.

“السلام عليكم، أنتم السابقون ونحن اللاحقون”

نستحضر ذكرى رحيل الرجل لنعمل نحن، أبناءَ الرجل، ليوم نرحل فيه إلى ما رحلوا إليه، ولنقول للرجل ولكوكبة الرجال: “السلام عليكم أهل الديار. أنتم السابقون ونحن اللاحقون”.

أدب نبوي رفيع، إذ يعلمنا الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم أدب التعامل مع من رحل إلى الدار الآخرة، كما يُذكِّر عليه الصلاة والسلام الأحياء ممن بقي من الخلق في الدنيا إلى ما صار إليه السابقون في الدار الآخرة، وأن جميع الخلائق راحلون من دار الفناء إلى دار البقاء.

رحلت عنا اليوم سيدي، بجسدك وبقيت:

– كلماتك الخالدة مدوية في أسماعنا مؤذنة لنا “حي على الصلاة، حي على الفلاح”.

– دمعتك الصادقة تسقي ظمأ قلوبنا أن “هبوا لذكر الله، تفلحوا”.

– جلستك مستقبلا القبلة، تحفزنا ألا نلتفت عن صراط ربنا ومنهاج رسولنا الكريم: وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون.

– ابتسامتك الدائمة، تبعث فينا أمل استشراف المستقبل واستقبال موعود الله أن إن موعدهم الصبح أليس الصبح بقريب.

– خصالك الحميدة شهدناها وعشنا معك سيدي أطوارها، خصال من منبع النبوة سقيتنا بمعانيها وتذوقنا -ولله الحمد والفضل-حلاوتها، وأوصيتنا بأن نلبس لبوسها ونشم رائحتها ونبذل منها لمن يأتي بعدك وبعدنا عطاء سخيا غير منقوص من أجل استمرار عطاء الشجرة المباركة والمحافظة على حلاوة ثمارها وبهاء منظرها واستقرار أصلها، مصداقا لقول الله عز وجل: ألم تر كيف ضرب الله مثلا كلمة طيبة كشجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء. تؤتي أكلها كل حين بإذن ربها ويضرب الله الأمثال للناس لعلهم يتذكرون. ومثل كلمة خبيثة كشجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار.

خاتمة

هذا قليل من كثير مما عرفته عن سيدي محمد العلوي رحمه الله تعالى، ولعل غيري ممن هم ألصق بالرجل وأكثرهم معرفة به يبادرون إلى بيان فضله وآثاره في خدمة هذه الأمة ودينها الحنيف. والله أسأل له الرحمة والغفران وإنا لله وإنا إليه راجعون.