المطلب الثاني: التحديات الثقافية والمعرفية للعولمة

بعد أن تطرقنا في المطلب الأول لتقرير البنك الدولي لسنة 1995، الذي شكل العنصر الأول في السياق الخارجي للقانون 01.00، نتطرق في هذا المطلب إلى العنصر الثاني، والذي هو أعم وأشمل، إنه ما اصطلح عليه ب “العولمة” أو “الكونية” أو “الكوننة” أو “الشوملة”..

يقول الباحث محمد الأطرش: العولمة هي اندماج أسواق العالم في حقول التجارة والاستثمارات المباشرة، وانتقال الأموال والقوى العاملة، والثقافات والتقانة، ضمن إطار من رأسمالية الأسواق الحرة) 1 .

فالجوهر الاقتصادي للعولمة لا ينفي عنها أبعادا أخرى ثقافية وسياسية وإعلامية ومعرفية، ولا سبيل لمسايرة موجتها بشكل يحفظ الوجود ويخدم التنمية إلا بإصلاح تعليمي يؤهل المواطن للتكيف مع متطلباتها.

في هذا السياق تم إقرار الإصلاح الجديد للتعليم العالي بالمغرب. يقول السيد وزير التعليم العالي آنذاك: إن تحديات العولمة، وحتميات اقتصاد السوق، والتحولات السريعة والمتلاحقة التي يشهدها العالم على المستوى الاقتصادي والاجتماعي والثقافي من الصعب جدا مسايرتها إلا إذا أعدنا النظر في منظومتنا التعليمية) 2 .

فكيف ستحضر ظاهرة العولمة بقوة في إصلاح منظومتنا التعليمية؟ وما هي التخوفات المشروعة التي كان ينبغي الانتباه إليها؟

الفقرة الأولى: الإصلاح الجديد والمفاهيم التعليمية للعولمة

إذا تفحصنا كل من الميثاق الوطني للتربية والتكوين والقانون 01.00 وجدناهما محكومين بهاجس العولمة عبر العديد من العبارات من مثل: “تحديات القرن الواحد والعشرين”، “الإطار الاقتصادي الدولي”، “التطور السريع للتكنولوجيا”، “الاستثمار في المجال البشري”…

تحضر العولمة إذن بكل أبعادها –على الأقل على مستوى الخطاب- بمفاهيمها الاقتصادية والتعليمية والمعرفية والثقافية الجديدة. فالتعليم انتقل من وظيفته التقليدية، التي هي تحصيل المعرفة إلى وظائف أخرى قد ترهن وجود الإنسان واستمراره؛ حيث جاء في تقرير اللجنة الدولية برئاسة جاك ديلور سنة 1996 أن الحياة في القرن الواحد والعشرين ستعتمد أربعة أعمدة:

– تعلم لتكون؛

– تعلم لتعرف؛

– تعلم لتعيش؛

– تعلم لتعمل.

والأمية أصبح لها هي الأخرى مفهوم جديد حسب الباحث البريطاني “ألفن توفلر”، فالأميون في المستقبل ليس هم من لا يقدرون على القراءة والكتابة، ولكن هم الذين لا يعرفون كيف يتعلمون، وكيف يتعلمون من جديد، أي الذين لا يحسنون إعادة تعليمهم حسب الحاجة والطلب.

وأصبح من المنهجيات الجديدة في التعليم عدم التدريب على مهارات مهنية محددة، وإنما تربية الاستعداد المهني العام، والتدريب على الاستعداد للمهن، وعلى الاستعداد للتغير المهني!

وأضحى من الواضح أيضا في العصر الحالي التركيز على السمة التكاملية التي يجب أن تكون بين العلوم الإنسانية والاجتماعية والتطبيقية، وبات من الضروري تطوير البنيات التحتية لمؤسسات التعليم بصفة عامة، ولمؤسسات التعليم العالي بصفة خاصة، حتى تتكيف مع التطور المذهل الذي تعرفه المعرفة.

وأصبحت المعرفة في حد ذاتها سلطة تضاهي سلطة المال. وأصبح من المطلوب إنتاج المعرفة وإتقان ترويجها بدل استهلاكها.

انسجاما مع هذه الملامح وغيرها جاء في الرسالة الملكية الموجهة للسيد عبد العزيز مزيان بلفقيه، غداة تعيينه على رأس لجنة إصلاح نظام التربية والتكوين 3 : وبما أنه من السمات البارزة للقرن المقبل، الذي نستشرف آفاقه، عولمة الاقتصاد، وشمولية التبادل، وما ينجم عنهما من دخول الدول والأمم في صراع تنافسي ضروس، إلى جانب، التطور المذهل في التكنولوجيا الحديثة. فإن مواجهة هذه التحديات تستوجب وضع نظام تربوي قادر على تكوين مواطن متمكن من مناهج المعرفة، متفاعل مع روح الحداثة، لاستيعاب التطورات العلمية والتكنولوجية، وتسخيرها لفائدة مجتمعنا ومواكبتها، وهو ما يفرض علينا إلى جانب التمكن من لغتنا الوطنية امتلاك ناصية اللغات الأجنبية.

وفي هذا السياق يجب أن ينصب اهتمام اللجنة على كيفية تحسين البرامج والمناهج بتحديثها وتطويرها، وجعلها أكثر تحفيزا على روح المبادرة والتفكير والإبداع، حتى ننتقل بأجيالنا الصاعدة من استهلاك المعرفة إلى إنتاجها.) 4

الفقرة الثانية: مسايرة العولمة والتخوفات المشروعة

إن مسايرة المغرب للعولمة لا تعدو أن تكون أحد الصنفين، إما مسايرة الممانع ونقصد بذلك المسايرة الذكية للعولمة. بالاستفادة من إيجابياتها ولفظ سلبياتها 5 ، أو مسايرة الخاضع، ونقصد بذلك الارتماء في أحضان العولمة بكل ما لها وما عليها.

فإذا كانت العولمة مثلا تضع بين أيدينا وسائل مادية في غاية التقدم، وإذا كان تطوير التعليم يحتم علينا التعامل مع تلك الوسائل، فإن هذه الأخيرة تضمر بداخلها حمولة ثقافية معينة، نعتها بعض المهتمين بـ”الثقافة المصنعة”. فهل سنقبل تلك الرسائل دون تمحيص لما تحمله من ثقافة؟ ونحن نعلم أن المنطق التاريخي يؤكد أن التنمية الذاتية تحتم تشجيع الهوية الثقافية؛ إذ لا يمكن أن تقوم تنمية ذاتية على أنماط ثقافية وأساليب مستمدة من ثقافة خارجية.

يقول الأستاذ عبد الهادي بوطالب: والثقافة التي يراد لها أن تسود اليوم هي تلك المربوطة، ولا أقول المرتبطة، إلى عجلة التصنيع الإعلامي التكنولوجي ببرامجه ومعطياته وحقائقه الجديدة، أي ما يتصل في الغالب بدقائق حياة قيادات العصر الجديد، التي لم تعد جمهرة العلماء والأدباء والباحثين والكتاب والشعراء ورموز المجتمع دعاة المثل والقيم، ولكن أصبحت القيادة في نجوم السينما، والحاصلين على كؤوس المباريات الرياضية، أبطال الأشرطة السينمائية المثيرة، وخاصة منها أفلام العنف، وعارضات الأزياء، والعاملون في الإشهار…) 6 .

وإذا كان الإصلاح التعليمي ينص مثلا على تعلم التعامل مع الإنترنيت، وإتقان اللغات الأجنبية، وإذا كان ذلك أمرا ضروريا لا محيد عنه، ألا يخشى في غياب حصانة تربوية وثقافية متينة للمتعلمين من أن يحقق ذلك اختراقا ثقافيا، تضيع معه كل فرص التنمية والتقدم؟ فنستعمل الإنترنيت لا لشيء إلا لتكريس الاستلاب الثقافي!

وإن من التأثيرات الواضحة للعولمة مثلا في مجال التعليم أن أصبحت بعض العبارات تتردد دون أدنى تحفظ من مثل: “التربية هي علم صناعة البشر”، “المنتجات البشرية”، “استثمار الرأسمال البشري”…

ولنا أن نسأل ألا توحي مثل هذه العبارات أن يصبح الإنسان كالسلعة؟ وهل تنسجم مثل هذه العبارات مع خصوصياتنا الثقافية والحضارية؟ ثم أليست هذه التوصيفات هي التي جعلت بعض المهتمين يصفون المجتمعات الغربية بأنها “مجتمعات فقدان المغزى”؟

إن هاجس العولمة كان حاضرا بقوة –كما رأينا وسنرى- سواء في الرسائل الملكية التوجيهية، أو في الميثاق الوطني للتربية والتكوين، أو في القانون المتعلق بتنظيم التعليم العالي، لكن أية مسايرة للعولمة سيختار المغرب؟ أو بالأحرى ستفرضها عليه ظروفه الخارجية والداخلية؟


[1] الأطرش محمد، “العرب والعولمة: ما العمل؟”، مجلة فكر ونقد، السنة الأولى، ع 7، مارس 1998 ص 96-123.\
[2] “السيد وزير التعليم العالي والبحث العلمي”، نجيب الزروالي، في جلسة المصادقة على القانون 01.00 بمجلس المستشارين بتاريخ 24 مارس 2000.\
[3] انظر المبحث الثاني من هذا الفصل.\
[4] الرسالة الملكية الموجهة للسيد عبد العزيز مزيان بلفقيه غداة تعيينه على رأس لجنة إصلاح نظام التربية والتكوين، جريدة التجديد، 28 شتنبر 2000، ص 9.\
[5] الاستلاب الثقافي: الهوة الاجتماعية الشاسعة بين قلة غنية وأغلبية فقيرة، هضم حقوق العمال وطرد العديد منهم، اندثار قيم التضامن الاجتماعي… كانت هذه بعض سلبيات ظاهرة العولمة، كما رصدتها العديد من الكتابات، من أشهرها كتاب “فخ العولمة” للكاتبين الألمانيين هانس بيتر مارتين وهارالد شومان.\
[6] بوطالب عبد الهادي، “العالم ليس سلعة”، منشورات الزمن، ع 26، الطبعة الأولى، 2001، ص 53.\