ليس ثمة اختلاف في كون المشاركة السياسية ضرورة شرعية، وأن المشاركة الانتخابية ضرورة كذلك إذا تهيأت الأجواء المناسبة، ولو في حدها الأدنى. لكن الاختلاف -خصوصا بين الإسلاميين- يكمن في قضيتين أساسيتين:

تقدير الظرف السياسي المناسب للمشاركة. وتحديد موقع المشاركة من المسارات التغييرية الأخرى، خصوصا تلك التي تشتغل عليها الحركة الإسلامية في الدول العربية.

فمن حيث تقدير الظرف السياسي المناسب، ينقسم الإسلاميون فريقين:

فريق منهمك في تبعات المشاركة، مترقب للخصوم و الأعداء، الذين يفتحون عليه الجبهات الحقيقية منها والوهمية. فهو ليس لديه من الوقت ما يخصصه لإعادة النقاش حول هذا الخيار ومقتضياته. لذلك، فالمتحمسون من أصحاب هذا الخيار، لا يسمحون البتة داخل كياناتهم بنقاش آخر غير المزيد من المشاركة.

وقد تبين مع مرور الوقت، أن المشاركة الانتخابية في ظل وجود نظام عربي متمسك بالسلطة حتى النخاع، ترفع من التحديات في وجه الإسلاميين المشاركين ما لا تنتهي ألوانها، وليست المشكلة في وجود تحديات، لأن من يخالط الناس و يصبر على أذاهم خير. لكن المشكلة، تكمن في أن هذه التحديات –المفتعلة أحيانا- تكاد تغير المسار، أو تشغل عن الهدف، أو تنمط الممارسة في أحسن الأحوال.

تتعذر الحركة الإسلامية المشاركة في كثير من الأحيان بعدم تمكنها من الحكم، وترهن التقييم إلى حين امتلاك السلطة، وهذا ما يفتح النقاش عريضا حول إمكانية الوصول إلى هذا الحلم بعيد المنال.

فلندع هذا النقاش، لأن الكلام فيه يحتاج إلى تخصيص، ولنطرح بعض الأسئلة حول مدى إحراز التقدم بخصوص الغايات المشتركة، التي تصبو إليها كل القوى النزيهة المشاركة:

كم قلصت المشاركة من مناطق نفوذ مافيا النهب والسمسرة؟

كم منحت المشاركة من مساحات لحرية الرأي و التعبير؟

كم أحبطت المشاركة من محاولات التزوير، الذي أصبح بحكم الواقع، جزء من العملية الانتخابية في الوطن العربي؟

كم قاومت المشاركة من عمليات الاختراق والتحكم في حجم المشاركة نفسها؟

ويبقى السؤال الأهم بالنسبة للإسلاميين. كم فتحت المشاركة من فضاءات وقلوب لدعوة الناس إلى الله عز وجل وتعبيدهم له؟

لقد رتب النظام العربي حقله الديني المحصن على المقاس، وأعطى لنفسه الحق الأوحد في مخاطبة الناس وتنشئتهم؟

هذا، ولن نجازف إذا قلنا أن بعض أوجه المشاركة، لن يكون بحكم الواقع والقانون والميكانزمات الجاري بها العمل، إلا تجهيزا للمشاريع الرسمية محكمة التصميم.

أما الفريق الثاني المقاطع، فيعتبر المشاركة الحالية هي بمثابة تزكية وضع مغلق وقاتم، لا أمل في انفتاحه، مع العلم أنه لا يدخل المشاركة في دائرة الحلال والحرام.

فماهي مرتكزات المشاركة الفاعلة بالنسبة لهذا الفريق؟

أول ما يتيره هذا الفريق بخصوص المشاركة هي عملية التحصين، وهذه العملية تحتاج إلى ضمانات حد أدنى على الأقل، وأول الضمانات وجود دستور مفتوح وسلس، دستور يعتبر المواطن ويحترم قراراته، ويقدر المؤسسات ويمنحها الحرية والاستقلالية حتى تنهض بالمهام المنوطة بها.

الإصلاح الدستوري بوابة لتمحيص النيات الصادقة في العمل المشترك. وكل تماطل أو التفاف، إنما هو دليل صريح على عدم الرغبة في تقبل الآخر.

ما دامت الإصلاحات منعدمة أو شكلية في هذا المجال، فسيبقى الحديث عن المشاريع التنموية والإصلاحية مجرد كرنفالات في غير موضعها، تحكي ادعاء تطور يعرب.

الدساتير في الوطن العربي هي مجرد خرائط طرق، لإبقاء الأحوال على ماهي عليه، خرائط تجول فيها الأجهزة المتحكمة وتصول لتقزيم أفعال المشاركين، وتحويلها إلى وضع صوري لا تأثير له.

المشاركة الحقيقية من هذا المنظور، حق في الرأي بلا تقييد، وحق في الممارسة بلا ترهيب، وحق في الرفض بلا ترغيب، ومشاركة في الاقتراح والتقرير والتنفيذ والتقييم. أما سوى ذلك فهي مشاركة وكفى.

القضية الثانية، تتمثل في اختلاف آراء الإسلاميين حول موقع السياسة برمتها، والانتخابات كجزء من ممارستها من عملية التغيير الشامل المنشود.

يجمع كل الإسلاميين على اعتبار السياسة جزء من الاهتمامات العامة للحركة الإسلامية، وهذا الجزء يخضع للرؤية التغييرية العامة، ويمتح منها، ويزودها بالدعم والسند لتسريع وتيرة التغيير والبناء معا. لكن للأسف، سرعان ما تصطدم هذه المثل بالوقائع والظروف والذهنيات الخاصة، فتتحول من الإطلاق إلى النسبية أو الواقعية المنبطحة.

من صعوبات الوضع الذي يعيشه الإسلاميون، أنهم لم يجدو أمامهم نموذجا ناجحا للممارسة السياسية الإسلامية، حتى يستفيدوا منه أو يحاكوه. فترى بعضهم يركب البحر بحثا عن نماذج أخرى للمشاركة، لعلها تشفي الغليل، أو تساعد في بناء التصور الفعال، مع اتساع الفارق وتباين الظروف.

عمق القضية في هذا الصدد، تحديد الإصلاح السياسي المطلوب، وكيفية الوصول إليه. ولن تقْوَ الحركة الإسلامية على صناعة التغيير، ما لم تأخذ مسافة عن الضغط الحاصل و الممنهج للإيقاع بها. و ستبقى الحركة الإسلامية مجرد نسخة منقحة لما سبقها من اللاعبين الكلاسيكيين، ما لم تتجاوز المقاربة الرسمية لطبيعة الأنظمة السياسية العربية وحقول نفوذها وتمكنها.

الدراسات المعتبرة في الباب، تقسم الإسلاميين إلى اتجاهين:

اتجاه يعتبر الشرعيات التي يرتكز عليها النظام السياسي العربي، مجرد مجالات فعل سياسي، مجالات تفتقر إلى المركزية في ثوابت السلطة، ولا تستدعي المنازعة.

واتجاه آخر، يعتقد بأولوية إعادة صياغة الشرعيات العامة، والتأكيد على الحق في المنازعة عليها.

فالاتجاه الأول، السياسة عنده – بشكل عام – تخضع إلى قواعد خاصة، خارجة عن سياق القواعد العامة الملتزم بها في مجالات الفعل المجتمعي الأخرى، لذلك فالسياسة والانتخابات بالنسبة إليه هدفها التعامل مع خصوم سياسيين. أما التغيير الاجتماعي (خصوصا تغيير العقليات والبنيات)، فيمكن أن يختار لنفسه أولويات أخرى، لا علاقة لها بالوقائع والحراك السياسيين. بمعنى أدق، السياسة كل مستقل بذاته، والتغيير الاجتماعي كل مستقل كذلك، وبينهما مساحات للتفاعل، تخضع لحتمية الواقعية.

أما الاتجاه الثاني، فيتميز في تعاطيه مع القضايا المجتمعية، بما فيها المجال السياسي، بالارتكاز على أولوية المرجعية وتحديد المفاهيم قبل إعمالها والتعاطي معها، لكون حمولات المفاهيم تحدد طبيعة المواقف، وتدقيق المواقف يرسم عموميات المشروع ومفاصل البرنامج. وبهذا المعنى تتحول السياسة في أبسط صورها إلى تعاقد ملزم، تصاغ بموجبه العلاقة العامة بين الحاكمين والمحكومين، بل حتى بين كل فئة على حدة، وفق مبادئ ومقتضيات يحتكم إليها كل عقلاء الكون.

هذه النظرة الشمولية في مقاربة العمل السياسي، ترفعه إلى مستوى قضية مركزية، تنسل عنها كل القضايا الأخرى، والتي تعتبر في نظر هذا الفريق، جزئية مقارنة مع قضية تحديد طبيعة الحكم والنظام السياسي القائم والمنتظر.

إن هذا النوع من المشاريع، غالبا ما يؤجل نقاش قضية المشاركة الانتخابية لصالح قضية الإصلاح السياسي، لأن كل القضايا الأخرى، بهذا المنطق، ستكون بمثابة وسائل تدبيرية، تابعة حتما لطبيعة الاختيار السياسي المرجعي.

كما أن هذا الاتجاه، يقدر أن عملية الضغط لإحراز المزيد من المكاسب، وعلى رأسها المزيد من تنازلات الخصم، عملية تتجاوز ساحاتها المؤسسات والعمليات السياسية الرسمية، إلى كل فضاءات الارتكاز المجسدة للشرعية الرسمية.

من الأخطاء القاتلة أن تضع الحركة الإسلامية بيضها كله في سلة واحدة، فتختار مضطرة بين الدعوة أو السياسة، على اعتبار أن الأنظمة العربية لا تسمح بممارسة السياسة تحت غطاء ديني.

فالحركة الإسلامية إنما هي نَفَس الأمة، تستنشقه نقيا في كل الفضاءات، فضاءات لا تخضع للتراتبية أو الأولويات، وإنما هي قضية تقديرات مرحلية ليس إلا.

أما إذا توهمت الحركة الإسلامية أنها مضطرة إلى ترجيح خيار على آخر، فقد حكمت على نفسها أن تكون إحدى حركتين: دروشة تنحصر في مربع الخنوع والطاعة، أو لائيكية جديدة تحت قناع الإسلام.