بعيدا عن دخان الأحداث الخطيرة -التي شهدتها مدينة العيون يوم الاثنين 08/11/2010- وما واكبها وما تلاها من حرب إعلامية شرسة محليا ودوليا، نقف قليلا لنتأمل بعمق ونستخلص العبر والدروس وما أكثرها وما أخطرها. فالحدث جلل وأبعاده وتبعاته الاستراتيجية خطيرة على استقرار المغرب بل على المنطقة كلها. وإذا كان من المألوف في مثل هذه الظروف البحث عن مسؤول لتحميله تبعات ما حدث فإن كل طرف، المخزن والصحراويين، سارع إلى اتهام الطرف الآخر بالتسبب في ارتكاب الجرائم والفظاعات خلال هذه الأحداث. وهكذا تضيع الحقيقة في خضم المزايدات السياسوية. لأجل ذلك لابد أن يتداعى عقلاء هذا البلد والمخلصون من نخبه لأخذ زمام المبادرة والتفكير بعمق في الأسباب الحقيقية للأزمة الأخيرة واستبصار أبعادها وتبعاتها ومحاولة إيجاد حلول جذرية وصحيحة للقضية الأم التي لا تزيدها الأيام إلا استعصاء على الحل. والمطلب العاجل يتحدد في إنهاء الاحتكار المخزني للملف. فالتدهور الأخير للأحداث ليس إلا مظهرا للفشل الذريع الذي يرافق السياسات المخزنية في تدبير قضية الصحراء وهو المتهم الأساس في تعقيد وضعيتها واتجاهها نحو الكارثة.

وقد اتسم التدبير المخزني لهذا الملف الشائك بجملة من السمات طبعته منذ نشأة المشكل يمكن تلخيصها في التالي :

– الاحتكار المطلق لتدبير القضية سواء على مستوى مسار السياسات التي فرضها المخزن على الشعب أو الوسائل التي اعتمدها في التعامل مع أبناء الصحراء أو المأزق الذي آل إليه الحال. فالمتسبب الأصلي في المشكل هو النظام المخزني من خلال سياساته الرعناء في تدبير الشأن العام واستغلاله للوضع قصد تصفية حساباته مع المعارضة السياسية آنذاك ومع الجيش إثر الانقلابين الشهيرين.. ألا يكرر رجال المخزن في أكثر من تصريح -ومنذ الوزير الأسبق إدريس البصري- بأن تدبير ملف الصحراء يدخل ضمن مجال الاختصاص الملكي الخالص.

– تغييب إرادة الشعب وقواه الحية -بشكل كامل- عن اتخاذ القرارات المصيرية وهو نتيجة طبيعية للاحتكار الفاسد لاتخاذ القرار.

– التعبئة الدعائية للشعب قصد دفعه للاصطفاف البليد والتبعية العمياء للاختيارات المخزنية والتي انخرطت فيها معظم النخب وجندت لها الدولة كل قدرات البلد مع تغييب الحقيقة وكبت الأصوات المعارضة.

– اعتماد القمع بدل الحوار والتنكيل بالخصوم السياسيين وخاصة الصحراويين عوض التفاوض معهم. وقد تجلى ذلك بشكل بارز في إشاعة مناخ الترهيب السياسي والتضييق على الحريات فضلا عن تزوير جميع الانتخابات وإطلاق اليد الطولى للمفسدين لنهب الثروات وإعطاء صورة منكرة عن الوضع الداخلي للبلد طالما نددت بها، ولا تزال، تقارير المؤسسات الدولية والمنظمات الحقوقية المحلية والعالمية.

هذا المسار الذي اعتمد في تدبير قضية الصحراء حوَّلها إلى المشكلة الأكثر تهديدا للنظام المغربي، كما وصفها تقرير المخابرات الفرنسية الذي صدر في شهر غشت 1999 إبان تولية محمد السادس للملك، كما أظهر أنها في الأساس معضلة للمخزن أكثر من كونها أزمة وطنية رغم محاولاته إظهار العكس. وقد تعمقت أزمة النظام بعد ظهور مخاطر جديدة أبرزها سخونة الوضع الداخلي في المناطق الصحراوية وعدم القدرة على احتواءه ثم بروز مؤشرات تغير المواقف الدولية والخشية من فرض حل للمشكل لا ينسجم مع رغبة المخزن. ويتكرر السلوك المخزني الفاشل، الذي تحدثنا عن تجلياته، بكل إصرار وصلف. أليس من المنكر البليغ أن يتم تسويق حل سياسي لقضية حاسمة دون موافقة عموم المواطنين عليه؟ أليس من صميم الاستبداد الاستفراد بترويج مشروع لا علم للشعب بتفاصيله ولم يوافق عليه؟ قد لا يكون هذا السلوك مستغربا خاصة في سياق هيمنة الاستمرارية السياسية وفي ظل الانحدار السريع للوضع الداخلي نحو الكارثة على جميع الأصعدة فضلا عن الفشل الذريع الذي يرافق كل خطوة يقوم بها النظام نحو التنمية أو الديموقراطية لأنها بكل بساطة خطوات غير جدية وغير صادقة. يبدو إذن أن مصير التدبير الجديد لم يكن أفضل من سابقه فالفشل يسارع إليه باستمرار وما الأحداث الدموية الخطيرة التي شهدتها مدينة العيون إلا تجل واضح لهذا الفشل.

إن النظام المخزني المنغلق على الذات والمستبد بكل أنواع القرار المتعلق بهذا البلد ضيع فرصة مهمة، كعادته، لإيجاد حل حقيقي ونهائي للمشكل من خلال عدم اعتماده مداخله الصحيحة. فأول مدخل صحيح وملح يقتضي إنجاز إصلاح شامل للوضع الداخلي للبلد. وسيكتسب هذا الإصلاح مصداقية وسيمتلك القدرة على تعبئة الجهود الصادقة والمخلصة إذا انطلق من خطوة أساسية لامناص منها ألا وهي القطع الحاسم مع الاستبداد مصدرا وسلوكا. ثاني المداخل عقد حوار وطني شامل، بدعوة كل المكونات والفعاليات الوطنية، لتأسيس تعاقد اجتماعي سياسي أوميثاق وطني لتأسيس مرحلة وطنية جديدة تضع إطارا لعلاج كل القضايا الأساسية. فمشكل الصحراء، على قدر أهميته، ليس إلا قضية من ضمن الكثير من القضايا الأساسية والملحة والمتشابكة التي يهدد الاستمرار في تجاهل المداخل السليمة لحلها بكارثة الله وحده أعلم بحجمها وخطرها.

تنبئنا التجارب السياسية أن الانتقال السليم والهادئ من دولة القمع والفساد إلى الدولة القوية العادلة المستقرة لم يتحقق دون الولوج من مداخله الصحيحة وإلا فإن لكل فشل ثمن، وتتعاظم خطورة الثمن حين يتكرر الفشل أو تتم إعادة إنتاجه بوعي أو بغيره. فهل ما زال لدى المغاربة قابلية وقدرة على تحمل التبعات الخطيرة للسياسات الفاشلة للمخزن؟