بمناسبة الذكرى الأولى للإفراج عن معتقلي جماعة العدل والإحسان، نظم موقع الجماعة مائدة حوارية فكرية/سياسية حول الموضوع بعنوان: الاعتقال السياسي 1 في المغرب إلى أين؟ يوم الأربعاء 3/11/2010.

تقديم

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وأصحابه أجمعين.

أولا نرحب بالضيوف الكرام وبالإخوة الحاضرين، كما يسعدنا في موقع الجماعة أن نستضيف في هذه الندوة الفكرية/السياسية، التي تأتي في سياق الندوات الحوارية التي ينظمها الموقع، ثلة من الأساتذة الكرام نحاول من خلال المناقشة معهم أن نقارب موضوع الاعتقال السياسي في المغرب من خلال ثلاثة محاور هي:

الاعتقال السياسي: دلالات المصطلح وتجارب التاريخ.

الاعتقال السياسي: حقائق الواقع وحصيلة الشعارات.

الاعتقال السياسي: حديث في المستقبل.

الضيوف الكرام

الأخت الأستاذة هند زروق، منسقة عائلات معتقلي العدل والإحسان بمدينة فاس، وزوج الأخ المعتقل السياسي عبد لله بلة عجل الله بالإفراج عن الجميع.

الأخ الدكتور مصطفى حسيني، معتقل سياسي سابق، عضو المكتب المركزي للهيئة الحقوقية لجماعة العدل والإحسان، ناشط حقوقي.

الأخ الدكتور محمد السلمي، عضو الأمانة العامة للدائرة السياسية، ومنسق الهيئة الحقوقية للجماعة.

المحور الأول: الاعتقال السياسي، دلالات المصطلح وتجارب التاريخ

سؤال:

يعتبر مصطلح “الاعتقال السياسي” أو”المعتقل السياسي” من أحد المصطلحات الغامضة في المجالين الحقوقي والقانوني حيث تتداخل مجموعة من المفاهيم: سجين الرأي/السجين السياسي/المجرم السياسي/الاعتقال التعسفي… هل تتفضلون بإعطاء تعريف ولو مختصر لمصطلح الاعتقال السياسي؟

جواب:

* د. مصطفى حسيني:

بسم الله الرحمن الرحيم، وصلى الله وسلم وبارك على حبيبنا محمد المصطفى رحمة للعالمين، وعلى آله وصحابته الطيبين الطاهرين.

في البدء نسأل الله جل وعلا أن يبارك لنا في هذه الندوة التي توافق أياما فاضلة، وموسما من مواسم الخير، يجود الله فيه على عباده، ويتجاوز عن سيئاتهم، ويرفع درجاتهم، ونسأله تعالى أن ييسر للحجيج حجهم، وأن يجعلنا جميعا من المقبولين الفائزين.

كما أتقدم بالشكر إلى موقع الجماعة الذي نظم هذه الندوة التي تتعلق بموضوع في غاية الأهمية، تتعلق بالإنسان وكرامته، وحريته. الإنسان الذي كرمه الله عز وجل، وشرع له حقوقا كبرى مفروضة شرعا وواجبة حكما، وأحاطه بضمانات تحول دون اعتقاله والاعتداء عليه، وانتهاك حرمته، واستخلفه في الأرض، وأمره بعمارتها بالعدل والخير والصلاح، ورغم ذلك نجد من الناس من يسعى جادا لاستعباد إخوته في الإسلام، أو الإنسانية، وتجريدهم من حقوقهم وكرامتهم.

أستغل هذه المناسبة لأحيي كل ضحايا سنوات الرصاص، ضحايا العهد القديم، وضحايا العهد الجديد، وفي مقدمتهم المختطفون السبعة المحتجزون بسجن فاس، وكل الشرفاء من حقوقيين وغيرهم، الذين يسعون إلى وضع حد لظاهرة الاختطاف والاعتقال السياسي.

بخصوص سؤالكم، ليس هناك، حسب علمي، تشريع محلي أو دولي تناول مصطلح الاعتقال السياسي، باستثناء تشريع صدر في العراق بعد الاحتلال، صدر عام 2006 تحت عنوان “قانون مؤسسة السجناء السياسيين”، وهذا التشريع جاء بخلفية إعادة الاعتبار لضحايا نظام صدام حسين، وحاول أن يعرف الاعتقال السياسي، فعرَّف المعتقل السياسي بأنه: كل من سجن بسبب معارضته للنظام البائد في الرأي أو المعتقد أو الانتماء السياسي. وقد ميز المشرع عندهم بين المعتقل السياسي، وهو كل من سجن بسبب آرائه وانتماءاته السياسية ولم يصدر في حقه قرار قضائي، والسجين السياسي، وهو من اعتقل بسبب مبادئه وانتمائه السياسي، وصدر في حقه قرار قضائي.

أما بالنسبة للقوانين المغربية فلم يرد فيها أي تعريف لهذا المصطلح، وإنما ورد فيها إشارة لبعض الجرائم السياسية، ونأخذ كمثال على ذلك ظهير 26 يونيو 1930 الصادر في عهد الحماية، وهو يتعلق بالسجون، تطرق للجنح السياسية، وترتب عنه تخصيص أجنحة خاصة للمعتقلين السياسيين، وإعفائهم من الاشتغال والعمل داخل السجون. وهي نصوص قانونية ألغيت أو عدلت بعد الاستقلال.

وفقهاء القانون هم من عرف المعتقل السياسي، ويمكن تقسيمهم إلى فريقين، فريق اعتمد المعيار الذاتي، وفريق اعتمد المعيار الموضوعي. فالذين أخذوا بالمعيار الموضوعي اعتبروا المعتقل السياسي كل من ارتكب جريمة سياسية كان موضوعها السلطة أو الدولة، بينما الذين اعتمدوا المعيار الذاتي اعتبروا المعتقل السياسي كل من ارتكب جريمة غايتها سياسية بغض النظر عن موضوع الجريمة هل تعلق بالسلطة أم بغيرها، والمشرع المغربي اعتمد الاعتبار الذاتي للتمييز بين الاعتقال السياسي وغيره.وكخلاصة يمكن تعريف المعتقل السياسي بأنه كل من اعتقل بسبب انتمائه أو نشاطه السياسي، أو قناعاته وأفكاره ومبادئه.

د. محمد السلمي:

بسم الله الرحمان الرحيم، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وآله وصحبه. بدوري أشكر موقع الجماعة على طرح الموضوع في هذه المائدة الحوارية.

في الحقيقة ليست هناك حدود فاصلة واضحة عند الكثيرين ممن يستعملون مصطلحات الاعتقال السياسي، والاعتقال التعسفي، وكذا سجين أو معتقل الرأي، أو السجين السياسي، أو المعتقل السياسي. فقد تتناوب هذه المصطلحات عند البعض للدلالة على نفس المسمى. لكن من أهل الاختصاص من يستعمل لفظة السجين للدلالة على وضع من صدر في حقه السجن بعد حكم قضائي، وينبغي التمييز بين سجناء الحق العام، والسجناء السياسيين. فالسجين السياسي من حكم عليه بالسجن بسبب انتمائه أو مواقفه السياسية. واستعمال لفظة المعتقل تبرز الحيف الذي يلحق من حرم من حريته، سواء بحكم قضائي أو بدونه، في مؤسسة سجنية معروفة، أو سرية…أما معتقل الرأي فهم من حرم من الحرية وأودع السجن بسبب آرائه وأفكاره، وإن لم يقم بممارسة أي فعل سياسي. وسواء كان الاعتقال سياسيا أم اعتقالا بسبب الآراء، مهما كانت التبريرات التي تحاول الأنظمة السياسية التغطية على هذه الأنواع من الاعتقالات، فهي مخالفة للمواثيق الدولية لحقوق الإنسان. ومن هنا يتبين أن كل اعتقال سياسي، أو بسبب الآراء والأفكار يعتبر اعتقالا تعسفيا، في منظومة حقوق الإنسان، التي تعتبر حرية الرأي، والتعبير، والانتماء السياسي من الحقوق التي يجب على القوانين المحلية أن تضمنها.

* د. مصطفى حسيني:

أود التفصيل أكثر في معتقل الرأي فهو كل من اعتقل بسبب التعبير عن آرائه وأفكاره ومعتقداته، وهذا التعبير قد يكون نشر كتاب، قد يكون تصريح صحفي. و يمكن اعتبار معتقل الرأي جزء من المعتقلين السياسيين، خاصة حينما لا يشوب التعبير أو الانتماء أي عنف، فالمعتقل السياسي اعتقل بسبب انتمائه الحزبي والسياسي وبسبب أفكاره، ومعتقل الرأي اعتقل بسبب التعبير عن هذه الأفكار، والتصريح بآرائه، ففي نهاية المطاف المعتقل السياسي هو معتقل رأي. والدول المستبدة عادة ما تسعى إلى التربص بمعارضيها واعتقالهم تحت ذريعة ارتكابهم لأفعال يعاقب عليها القانون، جنائية كانت، أو مخالفات، أو جنح، بعد تلفيق التهم، محاولة منها لنفي الصبغة السياسية عن هذه الاعتقالات، لكن الحقوقيين والمهتمين يكونون على دراية بهذه الحيل التي قد تنطلي أحيانا على الرأي العام، فهؤلاء الضحايا معتقلون سياسيون، ومعتقلو رأي طالما أن التهم الملفقة، والأحكام التي تليها لا تستند على أي أساس قانوني.وخذ كمثال على ذلك معتقلي العدل والإحسان سابقا، أو ما عرف بملف طلبة وجدة.

سؤال:

لكن في بعض الحالات قد ينطلق الشخص من قناعاته وانتمائه السياسي ويرتكب أفعالا مجرمة قانونيا، فهل يندرج ضمن المعتقلين السياسيين؟

جواب:

* د. مصطفى حسيني:

نعم، هناك من قد تدفعه قناعاته لارتكاب أفعال يجرمها القانون الجاري به العمل، كالإقدام على سرقة الأموال لتمويل الحزب مثلا، أو القيام بأعمال تخريبية أو الاغتيال السياسي، فهذه الأفعال أقيمت بدافع سياسي فهي جرائم سياسية، وفي هذه الحالات فإن الملاحظ أن الحقوقيين والمنظمات الحقوقية تحاول دائما أن تطالب بضمان الحق في المحاكمة العادلة، وتحسين ظروف العيش داخل السجن، وذلك خوفا من انتقام الدولة من الضحايا بسبب أنشطتهم ومواقفهم السياسية السابقة.

لكن هنا لا بد أن ننتبه إلى أمر جد مهم، وهو أن التمييز بين المعتقل السياسي وبين المرتكب لجرائم بدافع سياسي مرفوقة بالعنف والاعتداء أمر في غاية الصعوبة، خاصة في ظل الأنظمة الشمولية المستبدة التي تتربص بمعارضيها، وتلجأ إلى مختلف الأساليب للإيقاع بهم. فيجب أن نحذر كحقوقيين ومتتبعين من أن هذه الأنظمة المستبدة قد تلجأ إلى فبركة ملفات سياسية بتهم جنائية ملفقة، وهو ما يتطلب منا التريث في إصدار الأحكام، والتماس الموقف الصحيح عبر التتبع والدراسة الموضوعية لملفات الضحايا، وهو أمر تكرر معنا كثيرا في جماعة العدل والإحسان.

سؤال:

سنرجع للحديث عن جماعة العدل والإحسان بتفصيل، لكن، قبل ذلك، لابد من التوقف عند محطات من تاريخ الاعتقال السياسي بالمغرب؟

جواب:

* د. محمد سلمي:

بكل تأكيد المغرب له تاريخ عريق مع الاعتقال السياسي. فقد مارسته الأنظمة الحاكمة ضد معارضيها، خاصة أثناء المراحل الانتقالية للحكم من عائلة لأخرى، أو من فرد لآخر داخل نفس العائلة، كما مارسته القبائل أثناء الحروب فيما بينها، ومارسه شيوخ هذه القبائل حتى ضد معارضيهم الداخليين، ومارسه الزعماء السياسيون، (فقد كان للباشا الكلاوي، على سبيل المثال سجن بمنطقة تلوات، يسجن فيه خصومه السياسيين)…ومارسه الاستعمار ضد الأعيان والزعماء السياسيين، والعلماء، وتواصل الاعتقال السياسي في المغرب، بأشكال فظيعة، وداخل معتقلات سرية تنعدم فيها شروط حماية الكرامة الآدمية، والسلامة البدنية والنفسية للمعتقلين. وظلت الدولة تنفي في تصريحات رسمية موثقة وجود هذه المعتقلات، إلى أن انفضح أمر تازمامارت، وأكدز، وقلعة مكونة، ودرب مولاي الشريف… وغيرها.

سؤال:

هل يمكن تفصيل الشرائح التي نالها الاعتقال السياسي؟

جواب:

* د. مصطفى حسيني:

نعم، يمكن أن أشير أنه كان هناك دائما معتقلون سياسيون عبر التاريخ بسبب آرائهم ومواقفهم وأفكارهم، فقد ذاق مرارة الاعتقال أقطاب من الدعاة والعلماء والفقهاء، والكتاب والأدباء، والمفكرين والسياسيين وغيرهم، منهم من قضى فترات طويلة في السجون، ولكن إذا اقتصرنا على بلادنا، وتحدثنا عن تاريخ الاعتقال السياسي منذ الاستقلال الشكلي الذي عرفه المغرب، فيمكن القول بأنه قد كان هناك صراع بين القصر ومعارضيه كجيش التحرير والاتحاد الوطني للقوات الشعبية، كانت هناك تصفية للعديد من عناصر جيش التحرير، كما كانت هناك اعتقالات في صفوف مناضلي وأطر وقياديي الاتحاد الوطني للقوات الشعبية وقد شملت هذه الاعتقالات السياسية جميع التوجهات، وجميع الشرائح الاجتماعية، فعمت اليساري والإسلامي والأمازيغي والصحراوي والسياسي والنقابي، والصحافي والحقوقي، والأستاذ والطالب التلميذ، والعسكري وغيرهم، فكل من عارض تيار الفساد والمفسدين كان مآله الاختطاف والتعذيب والاعتقال، وغيرها من صور الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان.

وقد ظل الخطاب الرسمي لعقود من الزمن ينفي وجود معتقلين سياسيين بالمغرب، غير أن السلطات أجبرت تحت الضغط الداخلي، والخارجي بالأساس على الاعتراف بالاعتقال السياسي. وكانت السلطة بعد وفاة الراحل الحسن الثاني قد روجت لخطاب القطع مع ماضي الانتهاكات، والانتقال إلى عهد جديد تتصالح فيه السلطة مع القوى المعارضة، غير أن واقع العهد الجديد كذب تلك الشعارات، فعرف العهد الجديد اختطافات بالجملة عقب اعتداءات 16 ماي تلتها محاكمات شكلية أتت على الأخضر واليابس، وشابتها مجموعة من الاعتداءات الجسيمة.

ذة. هند زروق:

بداية أشكركم على إشراككم لنا في فضح زيف الشعارات والأبواق الرسمية التي تدر الرماد على عيون عامة الناس متسلحة بالتعتيم الإعلامي لتتستر على فضائحها وأخطائها الجسيمة النكراء في حق المواطنين والمواطنات.

لقد تفضل الإخوة وفصلوا في تعريف الاعتقال السياسي وأرخوا له ووضعوه في سياقه العام، والمشهد الأخير لا يخرج عن هذا السياق العام بل يزيد من توضيحه وفضحه، فإذا ملف المعتقلين، والمختطفين والمعذبين، السبعة قد فضح على رؤوس الأشهاد ما تتشدق به الآن أبواق الدولة من تجاوز مرحلة انتهاكات حقوق الإنسان وطي صفحة الماضي

فقط أريد أن أضيف أن الاعتقال السياسي والانتهاكات الجسيمة طبعت مختلف مراحل تاريخ المغرب الحديث ومست كافة أطياف المجتمع التي تخرج ولو قيد أنملة عن التوجه الرسمي والخط الأحمر الوهمي الذي رسمته الجهات المعلومة والمجهولة التي تتحكم في رقاب المغاربة عار على تاريخ المغرب ويفترض أن تكون من أحدث هاته الانتهاكات أفراد وأسر ضحايا ملفات قضية خلية بليرج وقضايا السلفية الجهادية وجمعية النصير، وبعض المتظلمين الذين لهم قضايا شخصية وفيها اعتقالات تعسفية واختطاف وتعذيب من أبشع صوره انتهاك عرض سيدة وابنها ذو العشر سنين لمدة تسعة أشهر في مراكز التعذيب السرية، وغيرها من القضايا الكثيرة.

المحور الثاني: الاعتقال السياسي، حقائق الواقع وحصيلة الشعارات

قبل أن ندشن المحور الثاني من النقاش لا بد من الإشارة إلى أننا في هذا المحور آثرنا أن تكون الشهادة ماثلة حية عن حاضر الاعتقال السياسي وعن واقع حقوق الإنسان عموما في المغرب من خلال تجربة معتقلي العدل والإحسان السبعة، التي تنقلها لنا الأخت هند زروق بتفاصيلها لقربها من الموضوع باعتبارها زوج أحد معتقلي فاس، ولاتصالها المباشر بعائلات العديد من المعتقلين الآخرين.

سؤال:

نبدأ الأستاذة هند زروق بسؤال عن تقييمكم لواقع الاعتقال السياسي في المغرب انطلاقا من التجربة التي تعيشونها الآن بعد اعتقال زوجك الأستاذ عبد الله بلة؟

جواب:

* ذة. هند زروق:

يبدو أن الحديث عن الاعتقال السياسي أو بشكل أعم عن واقع حقوق الإنسان في المغرب أوشك أن يتجاوز القدرة على امتلاك معايير مقعدة وعقلانية لتوصيفه وتحليله وعلاجه، نظرا لانقلاب الموازين واستفحال الانتهاكات ومساسها كل أبعاد وامتدادات حقوق الإنسان عقديا وثقافيا وسياسيا واجتماعيا إلى غيره من المجالات ونظرا لتجاوز المنتهكين كل معايير الإنسانية في استباحتهم حقوق وأعراض وأجسام المغاربة أطفالا وشبابا وكهولا… ذكورا وإناثا.

نعم ما عشناه إثر حدث اختطاف أزواجنا يوم 28 يونيو 2010 خير شاهد ودليل على تعنت الأجهزة وصمها الآذان عن أي صوت حق أو صرخة ضحية متظلم. إن تلفيق ملف سياسي لمعتقلي العدل والإحسان الجدد فصل مكشوف من مسرحية التمويه والتعتيم على جماعة العدل والإحسان وفصل من فصول شَغل الرأي العام عن قضايا التغيير والإصلاح الشامل، وهو ما لا يخفى عن كل متتبع لهذا الملف، فالمختطفون السبعة هم أبرياء كل البراءة مما ألصق بهم من تهم تضحك منها وتسخر العقول الراجحة والذمم الطاهرة، وقد ساندتنا ولازالت كل المنظمات والهيآت والمنتديات الحقوقية المحلية والدولية مشكورة على كافة جهودها منذ أول يوم وأكدت على ضرورة متابعة الجناة وتحقيق العدالة. فالانتهاكات لم تمس فقط المعتقلين السبعة بل مست حقوق العائلات خاصة لحظة اقتحام البيوت الذي كان فجر يوم 28 يونيو 2010، وعرف انتهاكات جسيمة تمثل في اقتحام البيوت بدون إذن وترخيص من وكيل الملك وبلباس مدني في الرابعة والنصف صباحا بتوقيت غرينيتش (الخامسة والنصف صباحا بالتوقيت المحلي الصيفي حينها)، جل من اقتحموا البيوت السبعة كانوا مخمورين في استهتار واضح بالمهام المنوطة بمن يفترض فيهم أنهم يمثلون جهاز أمن، القفز على السطوح وكسر للأبواب بوسائل حديدية، وإشهار السلاح في وجه النساء والأطفال، استنطاق طفلة صغيرة لا تتجاوز ثلاثة سنين، العبث بتجهيزات البيوت وبالغرف، نهب أمتعة ذات قيمة علمية (حواسب، أقراص مدمجة، كتب، صور، هواتف، آلات تصوير رقمية وغيرها بل التطاول على صور العائلة وخصوصياتها ودليل أرقام هواتف الأسرة …)، كما نسجل وندين ما تلا هذه الأحداث من انتهاكات أخرى من ضرب وترويع أمام المحكمة يوم الجلسة الأولى والثانية والخامسة (فاتح يوليوز ـ 13 يوليوز ـ 04 أكتوبر) حرمان زوجي المعتقل عبد الله بلة من حضور جنازة والده ودفنه وهذا الأمر ميسر قانونيا، وغير ذلك من الانتهاكات الكثيرة. هذا ناهيك عن الانتهاكات التي مستهم وهم في السجن.

الوضع الطبيعي لدولة وأمة تنشد الحق والكرامة صدقا لا زيفا يوجب وجود ما يحتكم إليه قانونا ومؤسسات في حال الخروقات والأخطاء للزجر والتقويم وإعادة الاعتبار. لكن بلدنا للأسف الشديد بعيد كل البعد عن هاته الميزة البديهية والمنطقية، وبالتالي يصبح المواطن متضررا ومشلول الحركة أمام من ظلمه يتجاوز شتى أصناف القوانين الوضعية وقبلها الكونية والإلهية ويخرج عن أي إطار يؤطره أو منهج يُرَشّده.

سؤال:

الأستاذ السلمي، كيف تقيمون، من جانبكم، واقع الاعتقال السياسي في المغرب الآن؟

جواب:

لا شك أن المغرب الآن يمر بظروف خطيرة جدا، ووضع مأساوي لحقوق الإنسان غير مسبوق. بشهادة جهات رسمية عليا أكدت ـ على سبيل المثال ـ وجود تجاوزات في حق من سماهم الإعلام بمعتقلي السلفية الجهادية، يقتضي أن تسرع الجهات المسؤولة عن هذه التجاوزات بالإفراج عنهم، لكنهم لحد الآن وراء القضبان….السقف الحقوقي في المغرب محدود للغاية، ويوشك أن ينهار. فحتى الجمعيات الحقوقية تتلقى بين الفينة والأخرى رسائل مشفرة، وملف جماعة العدل والإحسان من الخطوط الحمراء المرسومة أمام الإعلام، وأمام كل الفاعلين. وقد تحدت هذا الخط بعض الجمعيات الحقوقية المغربية بشجاعة وموقف تسجل لها، لكن حجم معاناة أعضاء الجماعة وما يتعرضون له يوميا في سياق سياسة ممنهجة، يجعل الشعب المغربي قاطبة أمام مسؤولية جسيمة.

سؤال:

لكن البعض يقول بأن المغرب قطع مع الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان خاصة بعد تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة؟

جواب:

* د. مصطفى حسيني:

قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين، الواقع ينطق بالمأساة، وضحايا الاختطاف والاعتقال التعسفي في تزايد، بل يمكن القول بأن المغرب في ترد مستمر على مستوى حقوق الإنسان بل على جميع المستويات. وقد شهد على ذلك حتى المشاركين في الحكومة، حيث صرح عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية عبد الهادي خيرات بأن الدولة المغربية تتجه نحو الفاشية، خاصة في ظل غياب ظروف وشروط بناء دولة المؤسسات، وفقدان الأحزاب السياسية لمصداقيتها، وفي ظل وجود برلمان عاجز، وانعدام الأخلاق السياسية). أشرت سابقا إلى الاستبداد، وهو رديف الاستعباد، لا يمكن لاستبداد يستعبد شعبا أن يسمح له بالاستمتاع بحقوقه وحريته، فالظلم يشمل جميع المجالات ويشمل جميع الطوائف السياسية سواء تعلق الأمر بالإسلاميين أو اليساريين أو الصحراويين أو الأمازيغيين، فكل من أراد أن يقول لا وأن يعبر عن إنسانيته وكرامته ويعلن عن مواقفه الحرة النزيهة يُقاوم ويعتقل ويعذب.

استدراك:

… هناك تقارير دولية وعربية تقول إن المغرب يعيش تجربة رائدة في مجال حقوق الإنسان ويعرف مرحلة انتقالية وعدالة انتقالية؟

جواب:

* د. مصطفى حسيني:

لقد سعت الدولة منذ أمد بعيد إلى تلميع صورتها لدى المنتظم الدولي، محاولة منها لتسويق الوهم وتغليط الرأي العام، مدعية أنها وضعت حدا لماضي الانتهاكات، معلنة أنها ملتزمة بالاتفاقيات والمعاهدات الدولية التي تصادق عليها في مجال حقوق الإنسان، فلا غرابة أن يشير الأمين العام للأمم المتحدة في تقريره المقدم لمجلس الأمن عام 2004 حول “سيادة القانون والعدالة الانتقالية في مجتمعات الصراع ومجتمعات ما بعد الصراع”، إلى أن التجربة المغربية في المصالحة هي ضمن التجارب الخمس الأولى من بين ما يزيد عن 30 تجربة. فبالرغم من كل الشعارات التي ترددها الدولة، والتظاهرات المنظمة لأجل إقناع الرأي العام الدولي بتحسن أوضاع حقوق الإنسان في البلاد، فإن الواقع يشهد بخلاف ذلك، وباستمرار ماضي الانتهاكات الجسيمة.

وهذا يتطلب من الحقوقيين والغيورين والشرفاء العمل في صف واحد لفضح هذه الانتهاكات المستمرة.

سؤال:

يبدو أن الحديث يجرنا للوقوف عند تجربة هيئة الإنصاف والمصالحة باعتبارها أحد أهم الواجهات التي يتبجح بها النظام المغربي في حديثه عن حقوق الإنسان، ما هو تقييمكم للتجربة؟

جواب:

* ذة. هند زروق:

هيئة الإنصاف والمصالحة وما تقوم به من محاولات تلميع صورة المغرب خصوصا وقد شرف أمر تقديم التقرير السنوي للأمم المتحدة في نونبر لا يلغي ولا ينسخ ما ارتكبته أجهزة الدولة والأمن الرعب في حق المغاربة ولا يعفيهم من جرمهم وضرورة متابعتهم، لقد تم تنظيم مسيرة 31 أكتوبر 2010 للتأكيد على ضرورة تفعيل بنود الاتفاقيات والمعاهدات التي وقع عليها المغرب لمناهضة التعذيب والاختطاف وكافة أشكال الانتهاكات.فكل كل من يتتبع حال المغرب في عمومه ويتأمل ويدرس وضعه السياسي والحقوقي سيدرك تمام الإدراك ما يعيشه الناس من تضييق وتحجير على كافة مستويات وأشكال حرياتهم وحقوقهم، سواء منها البسيطة التي تكفل حق الحياة، أو المعقدة التي ترقى بصاحبها إلى مستوى المواطن الواعي الراقي الطموح إلى تحسين وضعه فردا والإسهام في تحسين وضع مجتمعه الصغير والكبير.

سؤال:

هل توافقان الأستاذة زروق الرأي؟

جواب:

* د. مصطفى حسيني:

كما نعلم أن هيئة الإنصاف والمصالحة تأسست في نونبر 2003، وقدمت تقريرها في نونبر 2005. وهي بمثابة لجنة وظيفية للمجلس الاستشاري لحقوق الإنسان، والمهمة التي أنيطت بها هي الكشف عن الحقيقة المتعلقة بكل الانتهاكات الجسيمة التي عاشتها البلاد منذ الاستقلال إلى صيف 1999، بهدف تسوية ماضي الانتهاكات، والتأسيس لمرحلة جديدة. ولعدم تكرار ما جرى قدمت الهيئة توصيات في مجال احترام حقوق الإنسان، وجبر الضرر الفردي والجماعي، وإنصاف الضحايا، وبناء الديمقراطية، و دولة الحق والقانون والمؤسسات، وما إلى ذلك من شعارات. وارتكزت مقاربة الهيئة من أجل طي صفحة الماضي على أربعة أسس، منها حق الضحية في التعويض الذي جعلته بمثابة إقرار الدولة بمسؤوليتها عن تجاوزاتها المتعلقة بحقوق الإنسان، ومدخل أساسي للقيام بإصلاحات تمنع تكرار نفس المآسي الماضية، ومراعاة مسألة التضامن المجتمعي لأجل تمويل مسلسل التعويض وجبر الأضرار. وتشمل الانتهاكات موضوع اختصاص الهيئة الاختفاء القسري، وهو اختطاف شخص واحتجازه في مكان سري على أيدي ممثلي السلطة، والاعتقال التعسفي، وهو كل اعتقال مخالف للقانون بسبب ممارسة نشاط سياسي أو نقابي أو جمعوي.

كل هذه الشعارات والمطالب مهمة، لكن مشكل هيئة الإنصاف والمصالحة هو أنها وُلدت ولادة غير طبيعية، جاءت لتخدم مشروع المخزن أكثر من مصلحة المتضررين والضحايا، مع احترامنا لبعض الشرفاء الذين انخرطوا في هذا المسلسل عن حسن نية. فأهم ما جاءت به هذه الهيئة هو مجموعة من التوصيات والمطالب يمكن اختصارها في هدف واحد، هو تسوية ماضي الانتهاكات، وضمان عدم تكرار ما جرى. فهل تم بالفعل تسوية جميع ملفات الماضي الأليم؟ لم يتم الكشف عن حقيقة كل الضحايا كالمهدي بنبركة، وعبد الحق الرويسي وغيرهم كثير، ولم تعتذر الدولة عما ارتكبته من جرائم، ولم تحاسب موظفيها المعتدين.

وهو ما دفع منظمات حقوقية إلى المطالبة بتنفيذ توصيات هيئة الإنصاف والمصالحة، وبالأخص اعتذار الدولة رسميا وعلنيا، وإصلاح القضاء بما يضمن استقلاليته، وتعديل الدستور واستكمال جبر الضرر الفردي والجماعي، والإدماج الاجتماعي لضحايا الانتهاكات، وغيرها من المطالب المشروعة.

والهيئة للأسف تعثرت منذ بدايتها، فهي لم تتصل بالعديد من الضحايا الإسلاميين، ولا بممثليهم، لأنها ببساطة هيئة تفتقد للاستقلالية، واشتغلت في ضوء تعليمات مخزنية غير راضية عن هؤلاء الضحايا، فكيف يمكن للهيئة أن تعزز مسار المصالحة الوطنية بإشراك كافة مكونات المجتمع السياسية والمدنية لبناء دولة القانون والمؤسسات كما أعلنت على ذلك بينما الدولة غير راضية على بعض هذه المكونات، وتشن عليها حربا شرسة. بل حتى في الفترة التي انتدبت فيها هيئة الإنصاف والمصالحة لدراسة ملفات المتضررين كانت تنتهك حرمات الناس ويعتقلون ويختطفون. فهل تؤسس من جديد هيئة أخرى للإنصاف والمصالحة خاصة بالإسلاميين، وهيئة أخرى خاصة بالأمازيغيين والصحراويين وغيرهم من فئات الشعب للنظر في ملفات الانتهاكات التي واكبت وأعقبت عمل الهيئة مثل ملفات معتقلي العدل والإحسان وغيرها؟

هيئة الإنصاف والمصالحة حاولت أن تجعل المسؤولية مشتركة بين الجلاد والضحية وهذا أمر خطير للغاية، الذين اعتدوا وانتهكوا حرمة الإنسان وعرض الإنسان المغربي في سنوات الرصاص يتقلدون الآن مناصب سامية، فكيف يعقل أن يعوض الضحية بأموال الشعب، بينما يكرم الجلاد بالتوظيف في المناصب السامية والترقيات وغيرها؟ كيف يمكن أن نبرر ونعذر الدولة عما ارتكبته من انتهاكات، ونقول إن هذا التعويض هو بمثابة إقرار الدولة بمسؤولياتها عن الانتهاكات التي ارتكبتها في مجال حقوق الإنسان؟

هيئة الإنصاف أوصت بجبر الضرر الفردي والجماعي، فأعلنت عن مشاريع عادية لا ترقى إلى مستوى الجرائم التي ارتكبتها الدولة في المناطق المتضررة وأهلها، مشاريع هي من واجب الدولة أصلا. ثم أخطر شيء وهو عدم المساءلة ومتابعة المعتدين، بل اعتبر التعويض الذي قدم للضحايا بمثابة اعتذار رسمي من الدولة.

هل توقف ما جرى سابقا؟ فسنوات الرصاص ما زالت مستمرة، ومازال الاختطاف، وزوار الليل عادوا إلى مهمتهم السابقة، إذن فليس هناك تغيير من الناحية الواقعية.

فالأمر فيه مغالطة ويجب أن يصحح، فالواقع الذي نعيشه يوميا والمختطفون السبعة من العدل والإحسان الموجودون في السجن بفاس بدون وجه حق، والمعتقلون السياسيون الستة وغيرهم خير شاهد على الخلل الذي واكب الهيئة منذ ولادتها، وزيف الشعارات المخزنية التي يراد بها تزيين الواجهة.

د. محمد السالمي:

هذه شعارات لا يصدقها حتى الذين يتقاضون الأجور للترويج لها. أما العالم فليس غبيا.بل من الغباء تبذير أموال الشعب في الترويج لهذه السخافات، عوض إنفاقها في معالجة المشاكل الحقيقية للمغاربة. مشاكل الجوع والفقر، وانعدام السكن، والتعليم، والتغطية الصحية، والشغل، والأمن، والحق في العبادة (يطرد الناس من المساجد، ويمنعون من الاعتكاف فيها، وإذا ما اعتكفوا في بيوتهم، اقتحمت عليهم بتهمة التجمعات غير المرخص لها) ينبغي أن يسجل هذا للتاريخ، فإن المسلمين منذ بعثة الرسول عليه الصلاة والسلام لم يعيشوا لحظة أسوأ من هذه في تدينهم. كان كفار قريش يمنعون أبا بكر رضي الله عنه من قراءة القرآن جهرا في منتدياتهم مخافة أن يستقطب أبنائهم ونسائهم، وكانوا يتهمونه بالانتماء لجماعة محظورة. لكن لم يسبق لمليشياتهم أن اقتحمت عليه بيته، أو منعته من العبادة…

سؤال:

إلى أي حد تتفقون مع الانتقادات التي توجهها المنظمات الحقوقية لحصيلة مسلسل الإنصاف والمصالحة؟

جواب:

* د. محمد السالمي:

هذه المنظمات تنتقد لأنها تلاحظ وترصد تكرار ما جرى بالأمس (وبعضها يصله نصيبه من الانتهاكات والمضايقات)، أما نحن فنعيش ذلك يوميا. فواقع جماعة العدل والإحسان يضفي المصداقية على مواقف هذه الجمعيات. التعذيب متواصل في المغرب، والجلادون في مأمن وحماية…

عندما ستخرج للملأ مذكرات العدل والإحسان، والسلفية الجهادية، والمعتقلين الستة، وطلبة وجدة، والمختطفين السبعة بفاس… سيعلم العالم أن الجمر والرصاص الذي عرفه المغاربة بالأمس، قد اشتعل الآن وبتقنيات متطورة وخطيرة. بالطبع فمعاناة الأطفال والعائلات تتجاوز الوصف، وبها تزداد معاناة المعتقل نفسه. إن الدولة تصنع بهذا أجيالا من الحاقدين على الجناة، ومن يزرع الريح لن يحصد غير العاصفة.

استدراك:

تقرير الهيئة يغطي الفترة من 56/99 ليس إلا؟

جواب:

* د. محمد السالمي:

نعم، وكأن الجهات التي حددت الفترة زمنيا، تقول ضمنيا: “ما بعد هذا التاريخ فمرجأ لجل غير مسمى”. لو توقف الداء بالفعل، لقلنا لا بأس، لكن الاستمرار تدل على الغباء، وأقوال العقلاء وأفعالهم ينبغي أن تكون منزهة عن العبث.

سؤال:

هل يمكن القول إن دار لقمان ظلت على حالها وأن لاشيء تغير رغم التحولات السياسية التي عرفها المغرب منذ التسعينات انطلاقا من العفو الشامل الذي استُثنِيتم منه؟

جواب:

* د. محمد السالمي:

اعتبار العفو الملكي، وما بعد سنة 1998، بداية مرحلة جديدة ففيه رأيان. رأي الدولة و”براحيها” “المستفيدين” ماديا من الوضع، القائلين بأن العفو قد جب ما قبله، وأن صفحة الماضي المخجل والمخزي قد طويت، وأن المغاربة أصبحوا ينعمون بحقوق الإنسان، وهو كذب وزور، واجترار لفقدان المصداقية. والرأي الثاني ينطلق من مبدإ التركيز على صنف محدد من الضحايا، موازاة مع موجة الإسلاموفوبيا الدولية. فهناك تواطؤ دولي، وضمانات شبه معلنة للتغاضي عن الانتهاكات إذا كان الضحايا من الإسلاميين، وبصفة أخص من الحركات السلفية. كما أن بعض الفاعلين انساقوا مع الاتجاه الرسمي للدولة بدافع الحسابات السياسية والإيديولوجية التي لا زالت تمنع البعض من امتلاك مؤهلات ومواصفات المدافع عن حقوق الإنسان بصرف النظر عن اختياراته ومواقفه وآرائه.

سؤال:

ألا يتمتع المعتقل السياسي بحقوقه؟ أثناء وبعد الاعتقال في المغرب؟

جواب:

د. محمد السالمي: في بلاد أخرى ربما.

سؤال:

ما هي الحقوق التي يُحرم منها المعتقلون؟

جواب:

* ذة. هند زروق:

أول الحقوق هو الحق في التطبيب والعلاج، والأمر أكبر من مجرد الحاجة إلى التطبيب والعلاج العادي، ذلك أن مضاعفات التعذيب الذي تعرض له المعتقلون تستلزم رعاية طبية خاصة ودقيقة. وقد عاين وكيل الملك هذه الآثار وأمر بإجراء الخبرة الطبية التي تمت المماطلة فيها عشرة أيام حتى تختفي آثار التعذيب التي عاينتها عائلات المعتقلين بعد ثلاثة أيام من اختطافهم، رغم ما حاولته الفرقة الوطنية من استعمال المراهم لإزالة علامات جريمتهم على أجساد المعتقلين. ولو تمت الخبرة الطبية في وقتها وعلى أصولها كما يقتضي الأمر لظهر من آثار التعذيب على أجساد المعتقلين السبعة ما يندى له الجبين وبالرغم من التماطل فإن تقرير الخبرة الطبية أقر بالتعرض للتعذيب. بعدها لم يخضع المعتقلون للمتابعة الطبية المتخصصة إلا بعد قرابة شهرين من الاعتقال بعد إلحاح طويل من المعتقلين المتضررين والضغط من المنظمات والهيآت الحقوقية الوطنية والدولية والمراسلات المتكررة للمسئولين في وزارة العدل ومديرية السجون وغيرها. وفي أواخر شهر شتنبر وغضون شهر أكتوبر توالت المراسلات من المعتقلين لوكيل الملك من أجل الحصول على أبسط حق هو استئناف زيارة أطباء مختصين لكن دون جدوى إلا بعد شهر من الإلحاح وهل تنتظر السلامة والصحة كل هذا لتشبع رعونة وكبر المسئولين ؟؟؟. والآن كل الإخوة يعانون من مشاكل في السمع والبصر وغيرها من الآلام والمضاعفات بسبب آثار التعذيب الذي تعرضوا له.

لهذا فإننا نحمل من هذا المنبر وغيره المسئولين المتماطلين مسئولية تدهور المعتقلين الصحي وما يترتب عنه.

كما يعاني المعتقلون من حرمانهم من حقهم في مواكبة الإعلام والمستجدات فيما يخص قضيتهم ومتابعة عمل المنظمات الحقوقية، ومن حرمانهم من متابعة تكوينهم الدراسي، كحرمان الأستاذ طارق مهلة من اجتياز الامتحانات في نهاية السنة واستكمال المعادلة بالنسبة للدكتور بوعلي لمنور.

ونسجل التشويش على العائلات والأطفال عند الزيارة بالتفتيش بشكل يتنافى وكرامة الإنسان، ونسجل ما نتعرض له من المراقبة والتجسس والتتبع الدائم أمام بيوتنا وفي تحركاتنا والتضييق علينا وعلى بعضنا في أماكن عمله وعلى أرزاقنا.

سؤال:

هل كان للتعذيب مضاعفات على المعتقلين؟

جواب:

* ذة. هند زروق:

لحد الآن هناك مضاعفات خصوصا على مستوى السمع والبصر اللذين أصيبا باختلالات لدى كل المعتقلين بدون استثناء، وما خفي كان أعظم. فنحن لحد الآن لم نعرف مضاعفات التعذيب على مستوى المخ والأوعية الدموية… فأن تتعرض شبكية العين لثقبين بعد التعذيب أمر واضح الدلالة، وهشام الهواري الذي فقد القدرة على السمع بإحدى أذنيه مع الآلام المتكررة ومضاعفات الأدوية المضادة للتعفن، والحالة خطيرة لدى الدكتور محمد السليماني الذي يعاني بصفة دائمة من التنمل بسبب تختر الدم، ومن النوبات المتكررة، يحتاج بعض المعتقلين لإجراء عمليات علاجية أو جراحية عاجلة.

سؤال:

ألا تتعرضون لمضايقات عند زيارة المعتقلين؟

جواب:

* ذة. هند زروق:

الزيارة متعسرة جدا، فهي محدودة عددا وصفات الزائرين يتم التضييق عليها محصورة على الفروع والأصول والأزواج، بعكس باقي السجناء. ومع الإجراءات المعقدة إن حسبت معادلة إجراءات الإدارة وإخبار وجلب المعتقلين ما بين التاسعة والعاشرة صباحا ثم ضرورة الخروج قبل الحادية عشر والنصف تجد الزيارة لا تتجاوز ساعة واحدة أو ساعة ونصف في أحسن الأحوال. وقد انتزعنا بشق الأنفس زيارة بعض الأطفال بعد عصر الأربعاء بحكم ظروف دراستهم.

سؤال:

ما هي الآثار الاجتماعية والنفسية للاعتقال على العائلات؟

جواب:

* ذة. هند زروق:

ذكرت آنفا كافة الآثار ضمن التضييقات والآثار عقب الاقتحام ومجريات الجلسات والزيارات ومن جملة الآثار الحرمان من وجود الأب في محطات حساسة وأساسية فقد مرت مواسم مهمة مثل العطلة الصيفية التي تعود فيها الأطفال السفر والاستجمام مع الأسرة، و الدخول المدرسي، و مواسم الخير: شهر رمضان وعيد الفطر وعيد الأضحى الذي هو على الأبواب.

كما أن المرحلة العمرية والوظيفة التربوية للمعتقلين ولأسرهم وأزواجهم تتسم بالدقة مما يتطلب وجودهم ومتابعتهم اليومية لتربية فلذات أكبادهم والقيام على شؤونهم. فمن المعتقلين من كان مقبلا على الاستقرار الأسري، ومنهم من هو حديث عهد به، ومنهم حديث عهد بالأبوة ومتطلباتها كحال الأستاذ هشام الصباح الذي رزق مولودة وهو في الاعتقال، والأستاذ هشام الهواري والأستاذ طارق مهلة لهما طفلتان صغيرتان جدا تحتاجان الحضن الأبوي، ومنهم من يمر أولاده بمرحلة المراهقة الحرجة، ومن الأبناء من استقل في حياة أسرية واضطر للسفر من الخارج للاطمئنان والمواساة رغم ظروف الحمل مثل ابنة الدكتور محمد السليماني بل تعرضت للضرب والنزيف إثره يوم 04 أكتوبر 2010.

سؤال:

غياب رب الأسرة امتحان عسير إلى أي مدى نجحتم فيه؟

جواب:

* ذة. هند زروق:

لقد كانت هذه المحنة دافعا للمزيد من ترشيد المسؤوليات في غياب رب الأسرة، ولكن نجاحنا في هذه المسؤولية لا يعني أننا لا نعاني من آثار وأعراض هذا الاعتقال التعسفي الاجتماعية والنفسية، وإرباك جو الأسرة بتغييب عمودها الفقري ظلما وعدوانا ونحن نعتبر هذا في حد ذاته انتهاكا وجريمة تستحق المتابعة. معنوياتنا ومعنويات المعتقلين عالية جدا، فرغم المحنة لا يستطيع أحد أن ينتزع اليقين في الله تعالى من قلوبنا والابتسامة من مُحَيَّانَا. وزياراتنا للإخوة المعتقلين تظللها حرارة العواطف الإيجابية. وقد كانت هذه الأحداث فرصة لكشف الكثير من حقائق منها هذه الانتهاكات في حق الأبرياء من أبناء هذا البلد. ولهذا لن نستنكف عن المطالبة بحقوقنا بالإفراج عن المعتقلين ورد الاعتبار لهم ولعائلاتهم وكل المتضررين.

المحور الثالث: الاعتقال السياسي، حديث في المستقبل

سؤال:

أي حديث عن المستقبل يقتضي الحديث عن الحاضر والماضي وتحديد المسؤوليات بشكل واضح وجدي؛ الاعتقال السياسي في المغرب مسؤولية من؟

جواب:

د. محمد السلمي:

مسؤولية الدولة، وأجهزتها، ويسأل عنه الآمر بالاعتقال، والقاضي الذي أصدر الحكم، وكل من شارك من قريب أو بعيد في العملية… فهي جريمة منظمة، ويتحمل كل مشارك ضمن الشبكة المتورطة فيها نصيبه من المسؤولية.

سؤال:

في هذا الصدد، ما هي الضمانات المناسبة لإصلاح وضعية حقوق الإنسان؟

جواب:

* د. مصطفى حسيني:

الضمانات هي الإرادة السياسية الصادقة والإصلاح السياسي الحقيقي، والقضاء المستقل الذي لا يخضع للتعليمات العليا، وفتح تحقيق في أي تجاوز يحصل ومعاقبة المتورطين فيه، وتقييد الجهاز القضائي والأمني بالضوابط القانونية، والعمل على توفير شروط المحاكمة العادلة، واتحاد مناضلي حقوق الإنسان من خلال خوض أشكال لمساندة ضحايا انتهاكات حقوق الإنسان بغض النظر عن مشاربهم وانتماءاتهم السياسية، وفضح الأساليب القمعية التي تنتهجها الدولة.

سؤال:

ألا ترون أن هذه الضمانات متوفرة الآن؟

جواب:

* د. محمد السلمي:

الأمر يحتاج إلى إرادة سياسية، وهي منعدمة في الظروف الحالية. ولاشك أن وراء انعدامها، وكذا وراء الأخطاء التي تحسب على المغرب في المجال الدبلوماسي، والسياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، والأمني، وفي تدبير كثير من القضايا والملفات الشائكة غموضا يستدعي طرح سؤال مشروع: أهي أخطاء غير مقصودة؟ أم أن في دواليب صنع القرار من يعمل ضد بلده؟

سؤال:

هل المدخل السياسي ضروري للإصلاح الحقوقي في المغرب؟

جواب:

* د. مصطفى حسيني:

بطبيعة الحال لا يمكن أن يكون هناك إصلاح سواء في القضاء أو الجهاز الأمني أو غيره بدون إصلاح سياسي، ولا بد من إرادة حقيقية للتغيير والتي بدونها لن يتغير الواقع أبدا ولسوف يستمر في التردي والتراجع.

سؤال:

هل يمكن القول إن المشكل في التشريعات أن في تطبيق هذه التشريعات؟

جواب:

* د. مصطفى حسيني:

في نهاية المطاف المشكل ليس في القوانين، أو اللجان، فهيئة الإنصاف والمصالحة هي منتوج مخزني وخدعة سياسية، لماذا؟ لأنه لا يمكن لمنتوج مخزني أن يشتغل إلا في ضوء ما سطره المخزن، فحين أعلنت هيئة الإنصاف والمصالحة عن انتهاء أشغالها وجدت نفسها محاطة بملفات وانتهاكات جديدة حدثت في فترة انتدابها، فالهيئة كانت معتكفة على دراسة الملفات المرتبطة بالانتهاكات الجسيمة للسنوات الفارطة، بينما كانت السلطة في نفس الآن معتكفة على إنجاز نفس انتهاكات الماضي، فكيف سنصدق الهيئة ونثق بهدفها الأساسي المبني على ضمان عدم تكرار ما جرى. كما أن ملفات ضحايا العدل والإحسان لم يشر إليها قط، فقد قضى المرشد العام للجماعة حفظه الله ثلاث سنوات ونصف دون محاكمة، وقضى سيدي محمد العلوي رحمه الله رفقة سيدي الملاخ شفاه الله ستة أشهر في درب مولا شريف، وغيرها من الاختطافات والاعتقالات ذات الطابع التعسفي، ولم تلتفت الهيئة إلى ملف طلبة العدل والإحسان المحكومين بعشرين سنة سجنا نافذا دون سند قانوني، القابعين حينئذ وراء القضبان على الأقل لأجل التواصل مع الضحايا أو ممثليهم، كما أعلنت على ذلك في نظامها الأساسي. وكل هذه الملفات تنتمي للفترة الممتدة بين 1956 و1999 التي تولت الهيئة دراستها والتحقق من الانتهاكات التي ارتكبت خلالها.

سؤال:

ألا تكفي مصادقة المغرب على العديد من المواثيق الدولية والاتفاقيات في مجال حقوق الإنسان كضمانة؟

جواب:

* د. مصطفى حسيني:

إذا تتبعنا القوانين المغربية وحتى الدستور فالمغرب صادق على مواثيق دولية ووقع على اتفاقيات، وقوانين البلاد تنص على احترام هذه المواثيق والالتزام بها، لكن النظام السياسي ضرب بقوانينه ودستوره عرض الحائط ولا يبالي. فالمشكل ليس في القانون كما قلنا بل المشكل في الإرادة السياسية، إذا أردنا أن يكون هناك تغيير لا بد من إرادة سياسية حقيقية تهدف إلى القطيعة مع ماضي الانتهاكات ولا بد من إشراك الجميع وفتح المجال للجميع، هذه هي البوابة والمفتاح للتغيير، أما ما عدا هذا فباستمرار الاستبداد واحتكار السلطة ولغة التعليمات وتجاوز كل القوانين لا يمكن أن تكون تلك الخطوات والتحركات إلا ديكورا وتزيينا للواجهة ومساهمة في الاستبداد في حد ذاته، فإما أن يكون هناك تغييرا حقيقيا وإرادة سياسية للتغيير وإما أن يستمر الأمر على ما هو عليه، بل قد يكون الأمر أخطر من ذلك بحيث يستمر الأمر ويُسوَّق لظاهر مخالف وتُزَيّن الواجهة.

إذا أردنا أن يكون هناك تغيير وإصلاح وبناء المستقبل لا من إيجاد مناخ يسوده العدل وتسوده الثقة وحسن النية. أما في ظل استمرار التعليمات والخطوط الحمراء فلا يمكن أن يكون هناك إصلاح ولا إنصاف ولا مصالحة.

سؤال:

يرى البعض أن الاعتقال السياسي في تاريخ المغرب كانت له على الدوام مبرراته وأسبابه؟

جواب:

* د. محمد السالمي:

لا شيء يمكن أن يبرر الاعتقال السياسي. فهو عنوان لعجز الدولة عن الوفاء بالتزاماتها مع المنتظم الدولي، ومع قوانينها، ومواطنيها. والاستبداد يختار الحل الأسهل، بالقضاء على النخب وإسكاتها بالاعتقالات والانتهاكات..، ومن خلالها يرهب الجماهير، لتحافظ الفئة المستبدة على امتيازاتها، على حساب بؤس البؤساء، وقهر المقهورين. إذا لن تُقنِع (بضم التاء وكسر النون)، فاقمع) هذا شعار الاستبداد، فالحوار والمناظرة سيفضيان، لا محالة، إلا زوال الاستبداد. ولكي لا يزول، فهو بالقمع يصول ويجول.

سؤال:

ألا يكفي إدماج المعتقلين السابقين وتعويض البعض كحسن نية على الرغبة في طي الملف؟

جواب:

* د. محمد السالمي:

هذه أمور موجودة في الدول التي ترغب في بناء الإنسان، وإعادة تربية وإدماج المجرمين. ونحن في بلادنا نقتبس منها الأسماء والمصلحات للتسويق في الإعلام الذي نحاربه بدوره، ونريده أن يزيد في “التغطية” كلما ازداد الوضع قتامة. الهواة يتخرجون من سجوننا محترفين مدمنين. أما المعتقلون السياسيون فنخبة متنورة على العموم… ولدينا نموذج المعتقلين الإثني عشر من طلبة وجدة، الحاملين للدكتواه والشهادات العليا، وقد مضت على خروجهم من السجن الآن سنة كاملة، فأين الإدماج؟ أين الشعارات؟ ثم إن هناك أضرار لا تجبر، وتعويضها ليس في هذه الدار. وحتى التعويضات التي منحت للبعض وكانت هزيلة (ليس للكل)، وبأي حق تؤخذ من أموال الشعب؟ إنه موضوع كبير جدا، وما ينبغي أن يقال عنه كثير.

سؤال:

كيف تنظرون إلى موقف النخب؟ ألا تقوم بدورها اللازم من أجل ترسيخ قيم حقوق الإنسان؟

جواب:

* د. مصطفى حسيني:

طرف من النخبة استُعْبِدَ ويلزم أن يتحرر من قبضة السلطة التي تتحكم في بعض المثقفين والمفكرين والإعلاميين من خلال توريطها في مشاكل أخلاقية ومالية وما شابه ذلك، لتصبح أداة طيعة لتزيين واجهة النظام والتغطية على جرائمه في حق الإنسان… فالدولة لا تخرق الحقوق لوحدها، بل هي مدعمة بأقلام مرتزقة وأبواق وصحف ومثقفين وغيرهم يتواطؤون معها على هذه الجريمة. وفي المقابل هناك شرفاء وأفاضل يقاومون تيار الفساد والإفساد بشتى الوسائل، منهم حقوقيون ومنظمات حقوقية، ومفكرون، وكتاب، وسياسيون، وغيرهم. وأنا متفائل بمستقبل بلادنا وأمتنا طالما لا يزال هناك رجال ونساء من مختلف المشارب والانتماءات يتألمون لما نزل بالبلاد والعباد من مصائب، ينبغي أن نتحمل جميعا مسؤولياتنا التاريخية، ونعمل للتحرر من الاستبداد الذي جعلنا أمة أسيرة مستعبدة، دون حقوق ولا حرية ولا كرامة. فالنضال ضد الاستبداد هو نضال ضد الاستعباد، والأمة التي لا تشعر كلها أو أكثرها بآلام الاستبداد فهي كما قال عبد الرحمان الكواكبي أمة لا تستحق الحرية. وقد عبر هنا عن قاعدة مهمة من قواعد التغيير،والمجسدة في قوله تعالى: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم صدق الله العظيم.


[1] لا بد من التنويه أنه من الصعب حقا الحديث عن الاعتقال السياسي بمعزل عن باقي الانتهاكات الجسيمة الأخرى لحقوق الإنسان كالتعذيب والاختطاف والاختفاء القسري والنفي لأن هذه الانتهاكات قلما تفترق واقعيا.\