مقدمة

إن الباحث في تاريخ التشريع الإسلامي، المتتبع لمراحل نموه وتطوره، ليدرك بوضوح تام أن أول من نطق بالقواعد الفقهية، هو سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي بعثه الله سبحانه بجوامع الكلم، وخصه ببدائع الكلم، فعن أبي هريرة رضي الله عنه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: “بعثت بجوامع الكلم” 1 .

فكان عليه الصلاة والسلام إذا سئل عن أمر، أو استفتي في نازلة أجاب بعبارة وجيزة فصيحة من جوامع كلمه.

ولا غرابة في ذلك فهو أفصح من نطق بالضاد. فمن جوامع كلمه التي خرجت مخرج القواعد الفقهية قوله عليه السلام: “لا ضرر ولا ضرار” وقوله عليه الصلاة والسلام “البينة على المدعي واليمين على من أنكر” إلى غير ذلك من العبارات النبوية التي خرجت مخرج القواعد الكلية والأصول العامة للتشريع.

وسأقتصر في هذا المقال الفقهي الحديث عن القاعدة العظمى “الأعمال بالنيات” 2 بشرح ألفاظها، وذكر أصلها ومعناها، وبعض استثناءاتها.

شرح ألفاظها

الأعمال: جمع عمل، والعمل: المهنة والفعل، ويطلق العمل على ما يتعلق بالجوارح وبالقلوب، ولكن الأسبق إلى الفهم تخصيصه بأفعال الجوارح، وإن كان ما يتعلق بالقلوب يسمى عملا أيضا 3 .

النيات: نوى الشيء ينويه نية: قصده. قال الإمام النووي: النية القصد وهي عزيمة القلب. وعقبه الكرماني بأن عزيمة القلب قدر زائد على أصل القصد).

والنية شرعا: قصد التعبد لله بالفعل أو الترك. وتأتي بمعنيين: أحدهما: تمييز العبادات بعضها عن بعض، والثاني: تمييز المقصود بالعمل، والمقصود بهذه النية الإخلاص وتوابعه 4 .

أصلها

الأصل في قاعدة الأعمال بالنيات نصوص الشارع من القرآن الكريم والسنة الشريفة، وهي كثيرة نكتفي ببعضها ، قال الله عز وجل: وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين. وقال تعالى: قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له ديني. وقال جل شأنه: من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم وهم فيها لا يبخسون.

أما السنة النبوية، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرىء ما نوى، فمن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو إلى امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه” 5 . علق الشوكاني على الحديث قائلا: وهذا الحديث قاعدة من قواعد الإسلام حتى قيل أنه ثلث العلم، ووجهه أن كسب العبد بقلبه، وجوارحه، ولسانه. وعمل القلب أرجحها) 6 وقال عليه الصلاة والسلام: “من غزا في سبيل الله وهو لا ينوي في غزاته إلا عقالا فله ما نوى” 7 . وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “يبعث الناس وربما قال شريك يحشر الناس على نياتهم” 8 .

معناها الإجمالي

الأعمال بالنيات كلمة جامعة تستوعب معظم أبواب الفقه ومسائله، سواء تعلق الأمر بالعقائد أو العبادات أو المعاملات. ولذلك عدها الفقهاء على اختلاف مذاهبهم أصلا شرعيا من أصول الدين، وقاعدة كبرى من قواعد الإسلام. فهي تفيد أن النيات أساس أعمال الإنسان كلها فبها يكون صلاحها وبها يكون فسادها وعلى أساسها يجني المرء ثمرات أعماله ونتائجها إن خيرا فخير وإن شرا فشر.

فالأعمال لا يترتب عليها ثواب أو عقاب إلا حسب نية الفاعل وقصده، فالقصد والنية عنصران أساسيان في تعلق الأحكام الشرعية بفعل المكلف أو عدم تعلقها، ولذلك كانت الأعمال التي تصدر من فاقدي القصد بسبب الخطإ أو النسيان أو الإكراه أو غير ذلك لاغية لا عبرة بها، ولا يترتب على أصحابها شيء.

قال ابن القيم: ومن تدبر مصادر الشرع وموارده تبين له أن الشارع ألغى الألفاظ التي لم يقصد المتكلم بها معانيها، بل جرت على غير قصد منه، كالنائم أو الناسي…) 9 .

وقال الشاطبي: وإذا عري – أي العمل – عن القصد لم يتعلق به شيء) 10 . وذلك لأن التكليف مع انعدام القصد يؤدي إلى العنت والمشقة وتحميل الإنسان فوق طاقته، والقاعدة الشرعية تقرر أن التكليف بما لا يطاق لا يجب.

استثناءاتها

يستثنى من القاعدة جملة أمور منها:

ـ ما لا يفتقر إلى النية كالعادات من الأكل والشرب، واللباس وغيرها، أو مثل رد الأمانات والمضمونات، كالودائع والغصوب.

ـ عقد المكره وأقواله كلها ملغاة، لأنه فعل ذلك قصد دفع الأذى عن نفسه.

ـ لا تشترط النية في التروك كالزنى وشرب الخمر والسرقة، لأن الترك لا يحتاج إلى نية لحصول المقصود منه.


[1] صحيح البخاري، رقم 2815.\
[2] ولها صيغ عند الفقهاء: الأمور بمقاصدها، لا ثواب إلا بنية، العبرة بالمقاصد والمعاني لا بالألفاظ والمباني.\
[3] إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام لابن دقيق، ص: 35.\
[4] انظر جامع العلوم والحكم للحافظ ابن رجب الحنبلي، ص: 19.\
[5] صحيح البخاري، رقم الحديث: 1.\
[6] نيل الأوطار، ج1، ص146.\
[7] سنن الدارمي، رقم الحديث: 2416.\
[8] أخرجه أحمد في مسند أبي هريرة.\
[9] إعلام الموقعين، ج3، ص: 95.\
[10] الموافقات، ج2، ص: 225.\